أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الصدّيق: «سـوبرمان شـهود الزور».. المـوجـود فـي كـل زمـان ومكـان

الإثنين 27 كانون الأول , 2010 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,944 زائر

الصدّيق: «سـوبرمان شـهود الزور».. المـوجـود فـي كـل زمـان ومكـان
الصدّيق الذي ضرب صدقية كلامه، بإفادات تناقضت إلى حدّ السخرية، بها، وبمن صدّقوها، فرض على الإعلام «نجوميته»، تارة عبر مواد «سكوبية» نثرها يمنة ويسرة، وطوراً من خلال احتلاله هواء البث، ليصبح ضيفاً بـ«القوة» على الأثير.
صاحب الشهادة الأكثر شهرة، أدخلته نادي «المشاهير»، المتخفين... وحدها صورته وأحياناً صوته، يطلاّن من خلف العدم. يرسمان معالم «شبحية» لرجل يفترض أنه يعرف «كلّ شيء» وهو موجود في كل مكان وزمان. سوبرمان بقدرات خرافية، يتحّكم بمصائر الغير، يسطّر مذكرات توقيف، ويحّرر معتقلين... ومن دون سبب مقنع... إلا بؤس المحققين المحليين والدوليين.
تنقّل الصديق في رحلة عابقة بالأسرار والغموض... والكذب، منذ الرابع من شباط 2005، قال كلاماً كثير الوضوح، زيادة عن اللزوم، أمام لجنة التحقيق الدولية: تلمّس الشواهد وأدوات «الجريمة»، حدّد الشقة حيث «ركّبت المؤامرة»، سمّى أسماء ووقائع ورسم سيناريو «الزلزال».
من المادة 104 إلى المادة 117، كان الصدّيق يطوف في تقرير المحقق الدولي ديتليف ميليس الذي صدر في خريف العام 2005، سارداً روايات على لسانه، وعن حركته، على قاعدة شاهد «أصبح مشتبهاً به، أعطى تفاصيل ومعلومات عن المهمة المتعلقة بالجريمة»، أفضت إلى تشييد «بناء» اتهام سوريا... على رمال إفادات «وهمية».
يومها استند المحقق الدولي لكلام «الشاهد المشتبه» الذي قال إن «قرار اغتيال الحريري اتخذ في سوريا، بعد اجتماع سري في لبنان بين مسؤولين لبنانيين كبار وضباط سوريين، أوكلت اليهم مهمة التخطيط وتمهيد الطريق امام تنفيذ الاعتداء. هذه الاجتماعات بدأت في تموز 2004 واستمرت حتى كانون الاول 2004. المسؤولون السوريون السبعة والضباط اللبنانيون الأربعة ادعي عليهم على انهم متورطون في الجريمة».
«شقة معوض» التي صارت ملاحقة من جانب الإعلام اللبناني، شهدت على اجتماعات التخطيط التي «بدأت في شقة السيد الصديق في خلدة وجرى نقلها إلى شقة في الضاحية (حارة حريك عقاريا)، في الضاحية الجنوبية لبيروت. بعض هؤلاء الاشخاص زاروا المنطقة حول فندق السان جورج تحت ستارات متعددة وفي أوقات مختلفة للتخطيط والتحضير للاغتيال».
كما الموقع، كذلك الأدوات، وأبرزها «الميتسوبيشي» التي «كان سائقها عراقياً و«أوحي إليه أن المستهدف هو رئيس الوزراء العراقي اياد علاوي». كما أبلغ أن «الـTNT وبعض المتفجرات الخاصة استخدمت بهدف توجيه الشبهة نحو مجموعات اسلامية، كون هذه المتفجرات استخدمت بالعادة في عمليات في العراق».
لم ينته دور «بطل التفجير» عند هذا الحدّ، بل ذهب «مع عبد الكريم عباس إلى معسكر في الزبداني، وصرح الصديق انه رأى شاحنة الميتسوبيشي في هذا المعسكر. كان الميكانيكيون يعملون عليها ويفرغون جوانبها. نزعت الجوانب وكذلك الابواب حيث تم توسيعها وحشوها بالمتفجرات، وكذلك تحت مقعد السائق. لقد رأى في المعسكر شابا كان قادرا على تعريفه بأنه السيد أبو عدس بعد ان شاهد شريط الفيديو على التلفزيون في 14 شباط 2005».
واعترف ميليس بأن «كمية معينة من المعلومات المعطاة من السيد صديق لا يمكن تثبيتها من خلال دليل آخر»، لينهي كلامه في هذا المجال بالقول «حقيقة أن الصديق ورط نفسه في الاغتيال، ما أدى في النهاية إلى توقيفه، تضيف إلى مصداقيته».
حرب «التقارير الدولية»، التي نسفت بعضها بعضا، لم تحم رأس «الشاهد الملك». والمسار الذي رسمه ميليس، ولم يسلكه خلفاؤه، زاد من «عمق» الحفرة التي حفرها «بطله» بيده. فيما استعادة الضباط الأربعة لحريّتهم بـ«صك براءة» دولي، فجّرت كلّ «الفيلم الصديقيّ» الذي تكرر مرارا على الشاشات الصغيرة، وخاصة «الشاشة الزرقاء»، علماً بأن هناك من يقول إن ميليس نفسه كان يدرك عدم «أهلية» الصدّيق، وفقاً لتقييم أجراه يطابق بين شهادته والوقائع، ولكنه بقي طيّ الكتمان، ولم يطلع عليه، حتى وكلاء دفاع الضباط الأربعة.
وبعدما كانت إفادة الصدّيق «ألماسية» تلمع في فضاء التحقيق الدولي، صارت من «التراب»، معرّضة «مجنّديه»، للملاحقة من جانب المتضررين اللبنانيين أولاً، وفي طليعتهم اللواء جميل السيّد، ومن القوى السياسية الخصمة، التي حوّلت، معركة «المحكمة الدولية» المخاضة بوجهها، إلى معركة «شهود الزور»، كمنظومة دفاعية.
ويقول أحد المتابعين لملف الصديق إن معادلة شهود الزور، تعني وضع اليد على ملف الصديق، لأن بقية الشهود لا قيمة لهم من هسام هسام إلى الموقوفين أحمد مرعي وأكرم شكيب مراد وإبراهيم ميشال جرجورة، ويضيف أن مسيرة الصديق من سوريا الى لبنان، فماربيا في اسبانيا ثم الرياض وأخيرا باريس قبل أن يصبح «مندوبا متجولا متخفيا».. تجعل كل محطة من هذه المحطات محور أسئلة وشبهات، تتجاوز «المشغلين» اللبنانيين من بعض الأمنيين أو الصحافيين والسياسيين لتطال أسماء أمنية وسياسية عربية وغربية، «تدرب» الصديق على يدها...
حجر زاوية معادلة شهود الزور، من مواليد سوريا في العام 1963، متزوج خمس مرات. سجن أكثر من مرة في سوريا لاحتياله، سكن في العام 1996 في خلدة بعد زواجه من درزية لبنانية من آل الغصيني من بلدة بعقلين في قضاء الشوف. أوقف مرة بتهمة النصب في مخفر بعقلين. وهو مجند سوري فار من الجيش وادعى انه رائد في المخابرات السورية ومدير مكتب اللواء حسن خليل، وأن «آخر مهمة أوكلت إليه، كانت رئاسة قسم المخابرات السورية في مخيم عين الحلوة»!
قامت النيابة العامة التمييزية اللبنانية بالاجراءات القانونية والدولية للتحقيق معه واستقدامه إلى لبنان، بعدما أوقفه القضاء الفرنسي في باريس بتهمة تضليل التحقيق وبعدما ادعى عليه ايضا النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا بتهمة التدخل في الجريمة. ولكن سرعان ما أعلنت السلطات الفرنسية هروبه في 8 نيسان 2008، حيث كان يعيش لأكثر من عامين. وفي 6 تشرين الأول 2009 صدر حكم في الإمارات العربية المتحدة يقضي بسجنه ستة أشهر بجرم استخدام جواز سفر... وتبين أنه دخل الامارات بجواز سفر تشيكي مزور على يد أحد أجهزة الاستخبارات الأوروبية الذي كان يرعاه لفترة من الزمن.
قال شقيقه، مرّة، إن آخر اتصال أجراه معه كان يوم انتحار وزير الداخلية السوري اللواء غازي كنعان، سأل خلاله عن أولاده، وأفصح لشقيقه أنه سيعترف بما اقترف في أول لقاء مع لجنة التحقيق الدولية.
ويبدو أنه، كلما شعر «مجنّدوه» بالتفاف حبل الكذب حول أعناقهم، أطلقوا سراحه من «زنزانته الاختيارية» المتنقلة بين عاصمة أوروبية وأخرى، ليطلق العنان لأحاديثه الصحافية، التي لا تطلبها وسائل الإعلام عادة، بل «تقدّم» إليها على طبق «الحدث».
وبعدما كان «ملكاً» غير متوج على عرش «إفاداته»، التي انصبت على سوريا والضباط اللبنانيين الأربعة، عاد واحتل المنبر الإعلامي ذاته، ليوجّه الاتهام هذه المرّة، إلى «حزب الله» ومن المنابر الاعلامية نفسها التي جعلته يضلل المحققين، مدعياً أنه يستند إلى وثائق زوّده بها غازي كنعان، مشيراً في حديث الى صحيفة «السياسة» الكويتية، في 15 أيلول 2010، إلى أن هذه الملفات تدين «حزب الله» و«تثبت تورط قائده العسكري عماد مغنية بجرائم اغتيال مثل جريمة اغتيال رفيق الحريري والمفتي حسن خالد ورموز فلسطينية كانت تقيم في لبنان ورمزي عيراني، بالإضافة إلى جريمة خطف الطائرة الكويتية (الجابرية في نيسان 1988) ومحاولة استهداف نائب الرئيس السوري المنشق عبد الحليم خدام أثناء فترة وجوده في الحكم». وشدد على أن «جريمة اغتيال الحريري حصلت بمباركة من «حزب الله» وكان على علم بها»، معتبراً أن «الدليل على ذلك هو وجود ضباط سوريين قبل وقوع الجريمة في الضاحية الجنوبية لبيروت»!
قال الصديق في 12 نيسان 2010، للصحيفة ذاتها، إن «هناك كوادر في «حزب الله» متورطة لوجستياً في عملية اغتيال الحريري، ولا أعلم إذا كانت قيادة «حزب الله» على علم بذلك. بعد أن تلقى المحقق السابق ديتليف ميليس تهديدات قدم استقالته وآثر الابتعاد، أما القاضي دانيال بلمار فهو لا يخاف أحداً وأعاد التحقيق إلى مجراه الطبيعي. كيف يتحدث حسن نصر الله عن شهود الزور وقرار الاتهام لم يصدر بعد؟ إذا كان يعتقد أن 7 أيار قد يتكرر فهو مخطئ، إذ لا أحد يجرؤ على ترهيب المحكمة. لقد سبق وصرحت أن الحقيقة كاملة موجودة لدى لجنة التحقيق منذ عهد ميليس، وما يجري الآن أمور تقنية يقررها المدعي العام».
لا عنوان للصديق اليوم. كشف أخيراً أنه يقيم في احدى الدول الأوروبية، في مخبأ سرّي قريب من المحكمة الدولية، «حفاظاً على حياته لأنه مهدد». قبلها نسجت روايات حول محل إقامته، وبعضهم قال إنه يسكن في فيلاّ ضخمة في استراليا ويتنقل في سيارة رباعية الدفع، محاطاً بمرافقين...
الصدّيق، الرجل المفقود في الجغرافيا، حاضر ليس بالضرورة في تاريخ «الصنّاع»، بل «المصنوعين».

Script executed in 0.033939123153687