أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

التسوية حول المحكمة قائمة... حكماً

الإثنين 03 كانون الثاني , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,896 زائر

التسوية حول المحكمة قائمة... حكماً

قادة 14 آذار مثلاً يعتقدون أن التسوية ستحيلهم على موقع أضعف، وهذا صحيح ومنطقي، وساذج من يتوقع العكس. لكنهم يعتقدون ـــــ عن غباء ـــــ أن منع التسوية سيتيح لهم الاستمرار بموقع المعطّل كما هي حالهم اليوم. وبعضهم، وخصوصاً الفريق المسيحي، يعتقد أن التسوية ستكون على حسابه، وبالتالي تراهم يتحدثون عن صمود ومعارك وسيادة وحقيقة وعدالة، لكنهم يتّكلون فعلياً على زنود تيار «المستقبل» في حال نشوب المعركة. وحتى في قيادة «المستقبل» وفي محيط الرئيس سعد الحريري من يدعم هذه النظرية، ويتحدث بعض هؤلاء عن أنّ عدم حصول التسوية سيفرض وقائع جديدة تكون في غير مصلحة المعارضة وسوريا. والسذّج من هؤلاء يكرّرون أن المجتمع الدولي سيكون حاضراً لدعمهم في أي معركة.

لكنّ ثمة شيئاً حقيقياً لدى قواعد هذا الفريق، وهو الذي يكون بين منزلتي الخوف من الانفجار، والخشية من الخسارة الشاملة. وبين هذه القواعد تيار كبير يردّد صباح مساء أن التسوية لا بد منها، وخصوصاً بعدما شعر جمهور 14 آذار بأنه يتعرّض للخديعة منذ اليوم الأول لخروج الجيش السوري من لبنان. ولم يبق من كل الشعارات السابقة سوى ما كان قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لناحية السعي إلى تحقيق المصالح المباشرة، وإذا ما شرد هؤلاء تراهم يتخيّلون فريد مكاري وهو يخوض معركة القرار الحر!

في المقابل، ثمة حقيقة قوية لدى قيادات فريق المعارضة، بضرورة تحقيق التسوية. فهم ينظرون إلى المتغيّرات القائمة منذ اتفاق الدوحة إلى الآن على أنها تحقق قسماً لا بأس به من مطالبهم، ويشعرون بأنه كلما تحقق الاستقرار، ضعفت التعبئة المذهبية والتوتر العصبي والطائفي القائم عند الفريق الآخر، وأنه كلما استقرت المؤسسات، ولو على رجل واحدة، ازدادت فرصة تحقيق متغيّرات على صعيد بناء الدولة. ولا ينفي ذلك وجود تفاوتات في المقاربة للتسوية بين قوى داخل المعارضة، بين من يراها بأبعاد جذرية ومن يراها على صورة البلد.

لكن المفارقة تكمن في أن قواعد قوى المعارضة، على اختلافها، تبدو محبطة من فكرة التسوية. والاحتجاجات تتراوح بين رفض التعايش مع المتآمرين على المقاومة وعلى البلاد، ومن يرفض الجلوس مع من يعدّهم سارقين ومجرمين على الطاولة نفسها. وتسود أوساط قواعد المعارضة نزعات نحو الحسم، ويكثرون من الحديث عن أنّ عدم حصول تسوية سيفرض مواجهة لعلّها تكون الفرصة الأخيرة لحسم الأمر مرة واحدة ورمي الآخرين في البحر.

ومع ذلك، فإنّ اللبنانيين سيكونون جميعاً مجبرين على الوقوف أمام الحقيقة التي لا تعجبهم، وهي أن لبنان ليس مكاناً تُحسم فيه الأمور، ولا مكاناً يغلب فيه طرف آخر، ولا مكاناً يتراجع أحد إلى حدود الانفكاء الكلي، وأن النظام الطائفي يحول دون المحاسبة الكاملة والمراجعة الشاملة والمساءلة التي تعيد النظر في الأولويات، وكل تغيير يحصل، إنما يقتصر على الجسم القيادي وعلى آلية إدارة مصالح هذه الطائفة أو تلك. ولم يحصل يوماً أن تقدم أحد بطائفته نحو البلد ككل، ولم يجرؤ أحد على ثنائية أو ثلاثية تذوب داخل فكرة الدولة، بل كانت التحالفات على الدوام تقوم بوجه خصم مشترك، وهو ما سيبقي البلاد أسيرة أبشع أنظمة السمسرة والظلم. وبالتالي، ستظل الاحتجاجات قائمة. وسيظل الخارج متحكّماً في كثير من الأمور، برضى الناس هنا لا غصباً عنهم. ولم يحصل أن أتى الخارج إلى لبنان من دون دعوة، ومن دون أن يجد من يلاقيه ويرحّب به حليفاً بوجه بقية خصومه المحليين.

ولذلك، فإن العنوان الكبير للتسوية المتصل بملف المحكمة، لن يكون النقاش بشأنه قائماً بواسطة القوى المحلية. وحتى اللحظة لم يحصل أن برزت إشارة واحدة إلى أن سوريا أو السعودية أو فرنسا أو الولايات المتحدة أو إيران أو أي عاصمة أخرى اهتمت لربط موقفها في المفاوضات بموقف القوى المحلية، ذلك لأن المحكمة ليست عنواناً محلياً، وما تخشاه سوريا هو بالضبط ما يخشاه حزب الله وما تخشاه قوى المعارضة، وما كان يأمله الأميركيون أو طرف عربي هو أيضاً ما كان يأمله لبنانيون من طرف الموالاة.

لكن ثمة تفاصيل لبنانية كثيرة سنعيش التفاوض بشأنها قريباً، تلك التي تتعلق بمغانم الطوائف والمذاهب والزعامات والمراجع. وهي تفاصيل قاسية، وجب على الجميع الاشتراك في متابعتها، وفي رفض ما يجب رفضه فيها، ويجب التثبّت من أن التسوية الوطنية القائمة تحت عنوان التخلص من وباء المحكمة الدولية، يجب ألا يكون ثمنها كله من جيوب الناس وأعصابهم وأرزاقهم ومستقبل أولادهم.

في التسوية المقبلة رغماً عن الجميع، عناصر محلية يمكن الناس أن يكونوا طرفاً فيها أو لا يكونوا، وهذا بالضبط عنوان المسؤولية أمام قوى الإصلاح على اختلافها.


Script executed in 0.20242309570312