أكدت شركة «نوبل إينرجي» وجود الحوض وسارعت إسرائيل إلى بدء استثماره باتفاق على ترسيم الحدود مع قبرص. الاتفاق أثار حتى الآن حفيظة تركيا التي ترى أنه يتجاهل حق الجزء التركي من الجزيرة، وتوقفت عنده مصر التي لم يُنسّق معها فيه، ولا سيما أن المياه الإقليمية بينها وبين قبرص غير محدّدة تماماً بعد، وهناك قسم من الحوض قبالة ساحل سيناء ينتظر التنقيب.
بات لبنان أمام استحقاق تاريخي لا يسعه التسويف فيه. فالثابت أن لبنان اكتفى بإيداع خرائط لدى الأمم المتحدة توضح حدوده البحرية، كما أكد مندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة نواف سلام لـ«الأخبار» في غير مناسبة. وقال في 24 آب الماضي إنه يتطلّع إلى أن تقوم اليونيفيل بدور في مجال إعادة المعدّات الإسرائيلية التي وُضعت منذ أعوام داخل المياه اللبنانية إلى الحدود الدولية، «من خلال اللجنة الثلاثية» التي تضم ممثلين عن لبنان واليونيفيل وضباطاً إسرائيليين. ولم يطلب لبنان من الأمم المتحدة ترسيم الحدود البحرية أو إعطاء رأي قانوني فيها رسمياً حتى الآن.
أما الأمم المتحدة، فقد تفادت التدخل عندما قضمت إسرائيل جزءاً من المياه الإقليمية بمدّ خط المعدّات. تصرّف عدواني لم يكن عفوياً، ولا يمكن تفسيره سوى بأنه من أجل فرض حدود الأمر الواقع كما دأبت في كل المواضع.
واكتفت قوات اليونيفيل بالقول إن ترسيم الحدود البحرية للبنان ليس من ضمن ولايتها. وإذ تتولى بوارج اليونيفيل منذ حرب تموز 2006 مراقبة الساحل اللبناني، فالسؤال هو كيف تحدّد الأمم المتحدة الخروق البحرية إذا كانت لا تعرف الحدود هناك حتى عمق 12 كيلومتراً تُعدّ الحدود السياسية البحرية لأي دولة؟ وبناءً على ذلك، كيف يحق لها اعتراض أي زورق في عرض البحر إذا كانت لا تعرف الإحداثيات الحدودية البحرية؟
قانوناً، اكتفى لبنان بإيداع خرائط لدى الدائرة القانونية في الأمانة العامة للأمم المتحدة في 11 تشرين الأول الماضي تتعلق بالحدود البحرية الغربية للمنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة. والمنطقة الاقتصادية تصل إلى بعد 200 ميل من الساحل اللبناني. وأُرفق بها لائحتا إحداثيات، إحداها للنقاط المحددة للحدود البحرية الجنوبية، والثانية للجزء الجنوبي من الحدود البحرية الغربية للمنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان. لكنه لم يطلب أي وساطة أو أي رأي قانوني في خرائطه. ومن خلال التصريحات الإسرائيلية المهددة بأنها ستمضي قدماً في استغلال حقول الغاز والنفط وتحميها، كما ورد على لسان وزير البنى التحتية الإسرائيلي عوزي لينداو، بات من المؤكد أن ترسيم الحدود وتحديد الحصص والحقوق باتا مسألة تمسّ السلم والأمن الإقليميين والدوليين.
ولذلك تصبح مسؤولية لبنان التحرك السريع من أجل الدفاع عن حقوقه بطلب جلسة عاجلة لمجلس الأمن لتثبيت حقوقه ومنع سرقتها من الجانب الإسرائيلي. ولا ينبغي أن يبقى لبنان ينتظر الحصول على حقّه بعد اتفاق مصر وتركيا وإسرائيل وقبرص على المياه الإقليمية، لأن ذلك لن يتحقق في القريب وحسب، بل لأن لبنان هو الدولة المعنية أكثر من غيرها بالقضية. فالحقل الأكبر للغاز الذي تنوي إسرائيل استغلاله هو في المياه الإقليمية اللبنانية ـــــ الفلسطينية المشتركة، كما تُظهر خرائط شركة «نوبل إينرجي» نفسها. وفيها يظهر أن حقل ليفياتان يضم 16 تريليون قدم مكعب من الغاز، وحقل تمار المحاذي له ضمن المياه اللبنانية 8.4 تريليونات قدم مكعب.
شركة «نوبل إينرجي» الأميركية التي تعمل على تطوير الحقلين أكدت أن الإنتاج في حقل تمار سيبدأ في عام 2013، وسيكون مخصصاً للاستهلاك الداخلي. أما حقل ليفياتان فلن يكون جاهزاً قبل عام 2017.
إضافة إلى هذه الكمية الهائلة من الغاز التي تجعل لبنان من الدول المصدّرة للطاقة النظيفة المطلوبة في مولدات الكهرباء الحديثة، رجّحت الشركة وجود 4.2 مليارات برميل من النفط الخام تحت الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة. وهذه منطقة تمتد إلى البر.
قد تستطيع قبرص اليونانية أداء دور وسيط في ترسيم المنطقة البحرية الاقتصادية بينها وبين لبنان من دون تجاوز تركيا ومصر في هذا التنسيق، مع العلم بأن إسرائيل قد تختار إبقاء الأزمة في الأروقة الدولية رهن التجاذبات لمدة طويلة بينما تمضي في عملية استغلال الثروات المكتشفة، مستفيدة من الحماية الأميركية لها على الصعد كلها. ولن يكون ممكناً تحقيق أي فائدة من الثروات اللبنانية تحت البحر إلا إذا حدث تدخّل دولي جدّي لتثبيت الحقوق بوضوح وفقاً لقوانين البحار المعتمدة دولياً التي تُطوّر سنوياً في الجمعية العامة للأمم المتحدة.