أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

هل تُعيد التسوية حقيبة المال إلى الشيعة؟

الثلاثاء 04 كانون الثاني , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,853 زائر

هل تُعيد التسوية حقيبة المال إلى الشيعة؟
يتحدّث بعض المعلومات عن أن التسوية السعودية ـــــ السورية المنتظرة تسهب في جوانب من إعادة بناء السلطة في المرحلة السياسية المقبلة، تحت عنوان التزام اتفاقي الطائف والدوحة واحترام أحكامهما. ومن غير أن تخوض في مسائل دستورية بحتة تُستشم منها جهود لتعديل بعض أحكام الدستور، إلا أنها تذهب بعيداً في تكريس أعراف انبثقت من اتفاقي الطائف والدوحة، أو أتت مكمّلة لهما، وخصوصاً على صعيد تحقيق أوسع مشاركة في الحكم. وإذ تعوّل التسوية السعودية ـــــ السورية على ترسيخ الاستقرار، بيد أنها لا تقاربه بمعزل عن نزع بعض فتائل تقويضه، بما في ذلك تثبيت أعراف أتت بديلاً من أحكام لم تلحظها التعديلات الدستورية المنبثقة من إصلاحات اتفاق الطائف. ولكنها أصبحت اليوم، وخصوصاً في ظلّ حكم وممارسة للسلطة مستمدين من اتفاق الدوحة، من المقوّمات الرئيسية للاستقرار، كالرئيس التوافقي وحكومة الوحدة الوطنية والنصاب المعطّل. هكذا، بعدما حلّل اتفاق الطائف أعرافاً، أتى اتفاق الدوحة كي يحلّل أخرى، وأحياناً تناقض أعراف الاتفاق الذي كان قد سبقه قبل 19 عاماً. بعض تلك الأعراف كان قد مورس منذ عام 1989 لبعض الوقت، ثم أخلّت به الطريقة التي أدير بها الحكم في لبنان في عقد التسعينات في ظلّ القبضة السورية. سرعان ما حاول اتفاق الدوحة، على أثر أحداث 7 أيار 2008، إقران الاستقرار في الأمن بالاستقرار في السلطة. وهي المعادلة التي تعيد التسوية السعودية ـــــ السورية تبنّيها في المرحلة المقبلة، على نحو مماثل للطريقة التي أديرت بها منذ عام 2008 حتى الآن، وربما إلى ما شاء الله، في انتظار انقلاب آخر في موازين القوى. مثّلت هذا المنحى الحكومة الثانية للرئيس فؤاد السنيورة عام 2008، والحكومة الأولى للرئيس سعد الحريري عام 2009، عندما وضعتا المثالثة من ضمن المناصفة في صلب ممارسة الحكم، وكرّستا عُرفها عملاً بما انطوى عليه اتفاق الدوحة: فقد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف جزءاً أساسياً من صلاحياتهما في تأليف الحكومة. لا يُسمّيان الوزراء جميعاً، ولا يوزّعان عليهم حقائب الحكومة الجديدة، بل يسلّمان بحصة المعارضة في وزرائها ـــــ وأحياناً كما تشترط ـــــ وتسميتها لهم، وتوزيعها الحقائب عليهم. أضف أنه بات في وسع المعارضة، في ضوء التجربة الأخيرة مع ملف شهود الزور في جلستي مجلس الوزراء في 10 تشرين الثاني و15 كانون الأول 2010، فرض جدول أعمال مجلس الوزراء على رئيس الجمهورية وعلى واضعه الدستوري رئيس مجلس الوزراء. وفي وسعها كذلك فرض الاحتكام إلى التصويت، تحت وطأة التهديد بالحؤول دون التئام نصاب انعقاد مجلس الوزراء أو الانسحاب من الجلسة. ويكاد إصدار مرسوم تأليف الحكومة، المنصوص عليه في المادة 53 من الدستور، الصلاحية الوحيدة التي يملكها رئيس الجمهورية من غير أن يكون مقيّداً برئيس مجلس الوزراء، أو مجلس الوزراء. فلا يصدر مرسوم تأليف الحكومة الجديدة خلافاً لإرادته، أو تجاوزاً له. وما عداها يشترك معه رئيس مجلس الوزراء أو مجلس الوزراء في الصلاحيات الأخرى التي ناطها به الدستور. حول أحد العناصر الجديدة، بل المستعادة على صعيد المشاركة في السلطة والحكم، يدور الجدل بين دمشق والرياض، من غير أن تكون بيروت بعيدة عنه، وهو تثبيت عُرف وضع حقيبة المال لمرة أخيرة بين أيدي الشيعة. تبعاً لذلك يسترجع الموارنة حقيبة الخارجية، كي تبقى من ثمّ، وفق توزيع الحقائب السيادية على الطوائف الأربع الرئيسية، حقيبتا الدفاع الوطني حصة أرثوذكسية والداخلية حصة سنّية. على أن للتركيز على حقيبة المال، وحصرها بالشيعة، مبرّرات شتى، قد يكون أبرزها: 1ـــــ أن وزير المال يكاد يكون الوزير الوحيد الذي يوقّع تقريباً كل المراسيم التي يتخذ مجلس الوزراء قرارات في صددها، إلى جانب توقيع رئيس الجمهورية الماروني ورئيس مجلس الوزراء السنّي. وتحقيقاً لمشاركة في السلطة يلحّون عليها، يفتقر الشيعة إلى توقيع دستوري ثالث ملازم للتوقيعين الآخرين. ولا يكاد يصدر مرسوم لا يمهره وزير المال نظراً إلى اقتران كل المراسيم بإنفاق معيّن، وإن أضيف إلى التواقيع الثلاثة هذه تواقيع وزراء مختصين آخرين من جرّاء علاقة وزاراتهم بالمرسوم. بعد اتفاق الدوحة، في ظلّ الحكومتين الأخيرتين للسنيورة والحريري، لم يكن في وسع مجلس الوزراء اتخاذ قرار لا يوافق عليه الوزراء الشيعة، بعدما امتلكوا النصاب المعطّل مباشرة أو بطريقة الوديعة. وصاروا في الواقع، عرفاً بلا نصّ دستوري، يملكون التوقيع الإضافي في المراسيم، ولكن بحبر أبيض، أو بحبر سرّي غير مقروء. أضحوا شركاء أصليين في السلطة الإجرائية. 2ـــــ كانت مداولات اتفاق الطائف عام 1989 ناقشت التوقيع الشيعي في مراسيم السلطة الإجرائية. ومن غير تثبيت حقّ للشيعة في نطاق صلاحيات دستورية في المادة 54، اتّفق على عُرف تولية شيعي حقيبة المال في كل حكومة يُصار إلى تأليفها طبقاً للإصلاحات الدستورية المنبثقة من اتفاق الطائف، وذلك تفادياً لحصر منصب بطائفة دون سواها. صحّ ذلك أيضاً على أعراف أخرى مثلت جانباً مخفياً من النصّ الدستوري. لم تُدوّن، ولكن اتفق على ممارستها في تلك المداولات، من بينها أن لا يُعهد إلى رئيس مجلس الوزراء بأي حقيبة وزارية ويكتفي بكونه رئيساً لمجلس الوزراء لمراقبة سير عمل الوزارات وأداء وزرائه، وأن لا يقل عدد وزراء الحكومة عن 14 عضواً من أجل ضمان تمثيل الأرمن فيها. إلا أن أكثر من إخلال رافق بعض تلك الأعراف، فطالب رؤساء حكومات بحقائب لهم. ورغم أن حكومة الرئيس سليم الحص عام 1989 أبصرت النور قبل إدماج إصلاحات اتفاق الطائف في الدستور، في مجلس النواب في 21 آب 1990، ولم يُصر إلى تأليفها أيضاً تبعاً لما نصّت عليه المادة 53 المعدّلة التي تنشئها من استشارات نيابية ملزمة، فسمّى الرئيس الياس الهراوي الحص وفق الأعراف التي كانت لا تزال معتمدة قبل إقرار اتفاق الطائف، إلا أن حقيبة المال أعطيت لشيعي، وكان أول وزير يثبّت العرف في الحقيبة علي الخليل. ثم درج، في الحكومتين اللتين خلفتا حكومة الحص، توزير شيعي في المال. استمر الخليل وزيراً في حكومة الرئيس عمر كرامي عام 1990، ثم عُيّن أسعد دياب وزيراً للمال في حكومة الرئيس رشيد الصلح عام 1992. ولم يحدث إخلال في تطبيق هذا العرف، إلا مع تأليف حكومة الرئيس رفيق الحريري عام 1992، عندما أصرّ، بعد جدل طويل، على وضع حقيبة المال بين يديه. فعُيّن هو وزيراً للمال وأعطي الوزير الجديد فؤاد السنيورة مهمة وزير دولة للشؤون المالية. تكرّرت الحال مع الحكومة الثانية للحريري عام 1995 قبل تمديد ولاية الهراوي، والحكومة الثالثة عام 1996 بعد الانتخابات النيابية. كان السنيورة الوزير الفعلي للحقيبة، في ظلّ الحريري الذي قرن ترؤسه الحكومة بإطلاق يده في الاقتصاد والإعمار. ولم يتردّد، على أبواب تأليف حكومته الأولى، في طلب صلاحيات اشتراعية استثنائية لم يوافق الرئيس الجديد للبرلمان نبيه برّي، عام 1992، على التخلي عنها. اشتكى الحريري إلى دمشق، وزارها تكراراً قبل إعلان تأليف حكومته الأولى، ثم سلّم بتوازن قوى في ذلك الوقت كان يحول دون منحه، وحده، أكثر ممّا تحتمله الطبقة السياسية الحليفة لسوريا، الممسكة مذ ذاك بكل مفاصل السلطة على أثر انتخابات 1992. مع تسلّم الرئيس إميل لحود صلاحياته الدستورية، لم يُعد العمل بعُرف عام 1989. اعتذر الحريري عن عدم ترؤس أولى حكومات العهد الجديد، فألفها الحص عام 1998، وعهد فيها بحقيبة المال إلى ماروني هو جورج قرم. ثم عاد الحريري إلى رئاسة الحكومة عام 2000، وأعاد معه حقيبة المال إلى السنّة وأسندها إلى السنيورة وزيراً أصيلاً. وكذلك فعل في الحكومة التالية عام 2003. السنة التالية، على أثر تمديد ولاية رئيس الجمهورية عام 2004، ألّف كرامي حكومة عهد فيها بحقيبة المال إلى أرثوذكسي هو الياس سابا، قبل أن تنتقل مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي إلى ماروني هو دميانوس قطار عام 2005، ثم إلى ماروني آخر مع الحكومة الأولى للسنيورة عام 2005 هو جهاد أزعور. ثم يستعيدها السنيورة في حكومته الثانية عام 2008، في مطلع عهد الرئيس ميشال سليمان، كي يضعها بين يدي محمد شطح الذي استرجع بدوره عُرف 1992 المضاد لعُرف 1989، بإيكال الحقيبة إلى سنّي. كذلك فعل الحريري الابن في حكومته الأولى عام 2009، بأن وضع الحقيبة بين يدي ريا الحسن. في حمأة التناحر على مقاعد تلك الحكومة، طالب النائب ميشال عون بحقيبة المال لقاء تخلّيه عن حقيبة الاتصالات، وذهب في القول إلى أنه يتخلّى عن كل الحقائب المسندة إلى وزرائه في مقابل حقيبة المال وحدها. وفي تصوّره أنها باب عريض لولوج حقبة الحريري الأب ومحاكمة سياساته المالية والاقتصادية. فلم يُستجب طلبه. واقع الأمر أن ما بات يتعدّى التسوية السعودية ـــــ السورية، خلاصة انتهى إليها الفريق الشيعي، مفادها: ـــــ إذا كان على الحريري الأب التمسّك بحقيبة المال كي يتسنّى له الحكم ويقبل بترؤس الحكومة، فإن على الحريري الابن أن يعيدها إلى عُرف 1989 كي يتسنّى له هو الآخر الحكم. مع يقين الفريق الشيعي بأن انتزاع الحقيبة من أيدي الحريري ليس بالأمر السهل، وقد لا يكون واقعياً إلى هذا الحدّ. يجعل ذلك الجدل حيال مصير حقيبة المال، بين أيدي من تكون وأيدي مَن لا تكون، برسم الاستفاضة التي لم تصل بعد إلى خواتيمها. ـــــ في ضوء دروس تجربة الحكومة الأولى للسنيورة بين عامي 2005 و2008، لن يكرّر الفريق الشيعي الخروج من السلطة الإجرائية كي يعتكف أو يستقيل، ويُدير ظهره لحكومة تستمر وتتخذ من دونه قرارات ترتّب عليه أثماناً سياسية باهظة. بعض تلك الأثمان تغلّب عليه في أحداث 7 أيار 2008 كإسقاط منطق الأكثرية والأقلية والاستئثار بالحكم والقرارات وتهديد سلاح المقاومة وتجاهل الصوت الشيعي في الحكومة وتعطيل تنفيذ القرار 1559، وبعضها الآخر لا يزال يستنزفه كالمحكمة الدولية في اغتيال الحريري الأب. ـــــ لن يعود الاقتصاد والإعمار والمال في يد، والأمن في يد أخرى. ولأن استعادة حقيبة المال ـــــ إذا حدثت ـــــ تشير إلى مثالثة معلنة في المشاركة الفعلية في الحكم والقرارات يريدها الفريق الشيعي، فإن الاقتصاد والمال والأمن تصبح عندئذ مسؤولية مشتركة بين طرفي الحكومة. في تجربة حكم الحريري الأب في عهدي الهراوي ولحود، كان الاقتصاد والمال والإعمار في يده، والأمن في يد سوريا مباشرة أو بواسطة الأجهزة الأمنية اللبنانية.

Script executed in 0.19222593307495