وتتردد معلومات عن تكديس بعض السياسيين ملفات شبه وهمية، بهدف الإيحاء لمراجعهم الأمنية في دمشق وجوارها أن لديهم في مناطقهم هذا الكم من المناصرين.
وسط المترددين الكثر على دمشق هذه الأيام، هناك بعض السياسيين الجديين الذين لا يحتاجون في عبور الحدود حتى إلى بطاقات الخط العسكري، والذين يلتقون مفاتيح سورية قريبة جداً من موقع صناعة القرار الشامي. هؤلاء القلّة من أمثال النائب سليمان فرنجية والوزير السابق ميشال سماحة والنائب السابق إميل إميل لحود، يتحفظون غالباً على ما يعرفونه من معلومات، مكتفين بإبلاغ المقرّبين منهم بعض التحليلات المبنية على هذه المعلومات التي تبقى في عهدتهم سرية. في المقابل، هناك مجموعة كبيرة من زوّار الشام الذين يعيشون بين دمشق وبيروت مسلسلاً مسلياً جداً.
نتيجة لقرار غير رسمي، صادر عن مراجع سورية عليا، التزم غالبية الضباط والمسؤولين السوريين بعدم لقاء نائب سابق كان يعدّ ضمن الأبواق السورية المميزة في لبنان. لكنّ سعادته لم «يحرد»، ما زال يواظب على التردّد أسبوعياً على الشام، يتعشّى، يستيقظ باكراً ليقرأ تشرين وأخواتها، ثم يتسوّق ويقفز إلى المقعد الخلفي في سيارته محاولاً أن يستخلص مما قرأه في الصحف السورية تحليله الخاص لما تفكر فيه القيادة السورية. وحين تختمر الفكرة في رأسه، يتصل بأصدقائه اللبنانيين ليعلمهم بآخر المعلومات.
زميله في النيابة الغابرة، بقاعي، سيفاجأ زائر دمشق بمشاهدته في فندق الشيراتون ثم في فندق البسام (حيث الإقامة بأقل من 10 دولارات لليلة الواحدة)، يذهب ويجيء في بهو الفندق، يتنصّت على محادثة هنا ويتلصّص على مجتمعين هناك، محاولاً التقاط معلومة ليحملها عائداً إلى بيروت. وفي بيروت، تلتئم الطاولات حوله للاطلاع بشغف على المعلومات الثمينة التي يحملها، هو العائد من دائرة صناعة القرار اللبناني. ومع مرور الوقت، يتقن النائب السابق الدور الذي يؤديه، يستعين بالسيجار، إذ لا يعقل أن تكون من زوار المكاتب الأمنية في الشام ولا تدخن السيجار، ويتمادى في عرض المعلومات التي في إحدى جيبيه، متحفظاً على كشف ما في الجيب الأخرى نظراً إلى «حساسيته الشديدة». وسعادته كان يردد أمام أصدقائه أن مروحة علاقاته الأمنية في دمشق تشمل غالبية الضباط، لكنّ أمتنها مع عميد واحد كان له دور بارز في لبنان، إلى أن صدف وصوله لتقديم واجب التعزية بشقيق الرئيس السوري بشار الأسد، مجد، بالتزامن مع وصول هذا العميد، فبدا لغالبية الحاضرين، وجلّهم من اللبنانيين طبعاً، أن معرفة العميد بالنائب السابق البقاعي سطحية جداً.
اللافت أن ثمة جيلاً جديداً من سياسيي الخط العسكري الذين واظبوا بعد 26 نيسان 2005 على زيارة دمشق للاجتماع ببعض الضباط النافذين هناك. وهؤلاء يشعرون اليوم أن كراسيهم مثبتة على الدولاب الذي يدور لمصلحتهم. بينهم واحد حوّل سيارته إلى سرفيس خاص على خط بيروت ـــــ دمشق، يُقل فيه كل رجال الأعمال المستعدين لدفع المبلغ المناسب للسائق الذي يوحي لهم بقدرته على إصلاح علاقتهم ببعض رجال الأمن السوريين. ووسطهم من يثق بأنه الآمر والناهي باسم أستاذه في بيروت، يحقّر زملاءه في المهنة، مختزلاً العلاقة اللبنانية كلها مع «سيادة العميد» في نفسه. أما أبرزهم، فيزور «المعلم» مرة كل أسبوع: ينتظر في الغرفة المجاورة لمكتب معلمه أكثر من أربع ساعات ثم يدخل ليشرب «فنجان القهوة» الذي يعلم زوار «المعلم» المياومون أن عليهم إذا أحبّوه الانتهاء منه في أقل من خمس دقائق. بعد انتهائه من عرض معلوماته، يستمع إلى وجهة نظر المعلم التي يعرضها صاحبها باختصار شبه استثنائي. هنا تبدأ القصة، ولا تنتهي. فلا يكاد يخرج المخبر الطامح إلى الترشح للانتخابات النيابية المقبلة حتى يبدأ باتصالاته، واثقاً بأن لرقمه السوري المميز وقعاً مميزاً في الأوساط الصحافية والسياسية اللبنانية. دقيقتان مع «المعلم» تكفيان ليخترع حضرته عشرات السيناريوات يرويها هنا وهناك، دون أن يجرؤ أحد على التشكيك في صدقيتها، حتى ولو تضمنت «معلومات» عن اغتيال إحدى الشخصيات البارزة أو عن حرب ستنطلق شرارتها في أحد المهرجانات. ومن الجيل الجديد أيضاً، شاب شمالي يسوّق هذه الأيام أنه يعمل على تحسين علاقة العقيد وسام الحسن مع السوريين.
وبينما يتوزع هؤلاء المثابرون على حجز موقع سياسي لأنفسهم «بالتي هي أحسن» على مقاه عدّة في طرابلس، بات لهم محطة ثابتة في شتورة وأخرى في آخر شارع الحمرا. هكذا، يجمعون ما لديهم من معطيات ويقاطعون ما يصفونه بالمعلومات، ويضيف كل منهم بهاراته إلى السيناريو المتخيّل ليلائم أكثر ما سبق أن قاله في مناسبة سابقة. وفي ظل مراوحة الأزمة مكانها بانتظار س ـــــ س، يزداد حضور سياسيي الخط العسكري. فهم رغم كثرة البهارات في ما يقولونه، يسلّون أكثر من نواب وسياسيين يتصنّمون أكثر فأكثر كلما طالت الأزمة.
أحد أصدقاء الوزير السابق وئام وهاب المهضومين يردّد منذ أكثر من شهرين العبارة نفسها، مهما كان الحديث: حين كنت أشاهد باب الحارة كنت أدهش بحجم قناة المياه وضخامة الاستديو، لكن حين زرت مكان التصوير فوجئت بقدرة الكاميرا على التضخيم.