ينظر المحيطون برئيس الحكومة سعد الحريري إلى الجهود السعودية ـــــ السورية من ضمن معطيات منها:
1ـــــ ليس هناك تسوية يجري التفاوض عليها، ولا نوقش أيّ من بنودها المفترضة مع رئيس الحكومة، أو فوتح بها من كل من الرياض ودمشق، بل أفكار لا ترقى إلى وصفها بتسوية يتعيّن عندئذ أن تصبح بنودها أكثر شمولاً. فلا تقتصر على ما يشاع عن التخلي عن المحكمة الدولية، بل تشمل نطاقاً أوسع حيال الخلل الذي بات يعاني منه النظام اللبناني منذ إقرار اتفاق الدوحة. ولا يقتصر وضع تسوية شاملة على هذا النحو على السعودية وسوريا وحدهما، بل تدخل في حيّزها دول أخرى لا تكتفي إذ ذاك بالمحكمة الدولية والقرار الاتهامي.
وما يعرفه المحيطون برئيس الحكومة أن أياً من الدول الواسعة النفوذ في لبنان، إلى سوريا والسعودية، كفرنسا وإيران، لا تخوض في ما يتردّد من أن الرياض ودمشق أصبحتا على قاب قوسين أو أدنى من إبصارها النور.
2ـــــ وفق ما يفصح عنه المحيطون بالحريري، لم يتبلغ حتى الآن، ولم يُدعَ إلى اتخاذ موقف مناقض لما يعلنه من المحكمة الدولية والقرار الاتهامي وتمسّكه بهما، وتأييده أي بحث في تسوية محتملة لتثبيت الاستقرار في لبنان ومعالجة الخلل في ممارسة الحكم في مرحلة ما بعد صدور القرار الاتهامي. ويقول هؤلاء إن تداول الأفكار بين الرياض ودمشق يتناول الآتي:
ـــــ إعادة تطبيع العلاقات اللبنانية ـــــ السورية، وتجاوز الجمود الذي ضربها منذ إصدار القضاء السوري مذكرات توقيف غيابية في حقّ شخصيات لبنانية بينها معاونون لرئيس الحكومة، الأمر الذي يقضي بسحب مذكرات التوقيف هذه توطئة للعودة بتلك العلاقات إلى ما قبل 4 تشرين الأول الماضي.
ـــــ معاودة الحوار المباشر المقطوع مذ ذاك بين الحريري والرئيس السوري بشّار الأسد بعدما كان قد اجتاز شوطاً بعيداً في علاقتهما الشخصية والسياسية. لم يقل الأسد منذ تلك القطيعة إنه لا يريد التعاون مع الحريري، ولا تحدّث أو أوحى بمرحلة سياسية جديدة تستهدف رئيس الحكومة أو تستثنيه منها. كذلك لم يتردّد الحريري في تأكيد إصراره على تجاوز التباعد بينه وبين الرئيس السوري واستئناف حوارهما حيث توقف حينذاك، بعد شهر من إعلان الحريري في صحيفة الشرق الأوسط في 6 أيلول اعترافه بشهود الزور وتبرئته سوريا من اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري.
ـــــ قرن الاستقرار الأمني الذي تلتزم قوى 8 آذار، وأخصّها حزب الله، سقفه باستقرار سياسي تدعى إليه قوى 14 آذار، بحيث تقلل عناصر التشدّد في خطابها السياسي، ويستعيد الطرفان الحوار.
ـــــ تحريك المؤسسات الدستورية واستئنافها عملها، وخصوصاً مجلس الوزراء، بإخراجه من دائرة التعطيل التي أوقعها فيه حزب الله.
3ـــــ ما يثيره الطرف الآخر عن بنود تسوية لا يعدو كونه اقتراحات سورية لم تقل الرياض بعد إنها تبنّتها، يقول المحيطون برئيس الحكومة. وذلك يعكس منحى في وجهة واحدة، هو أن على فريق دون آخر تقديم التنازل الباهظ. والمقصود بذلك تخلّي رئيس الحكومة عن المحكمة الدولية من أجل تبديد هواجس حزب الله من استهدافه، أو إدخال البلاد في فتنة مذهبية، فيما المُعادل الفعلي لتلك الهواجس، يضيف هؤلاء، هو تبديد هواجس مماثلة لدى رئيس الحكومة وحلفائه حيال سلاح حزب الله. كلاهما، المحكمة والسلاح، مصدر هواجس ومخاوف جدّية ومقلقة.
بيد أن المحيطين برئيس الحكومة لا ينظرون إلى سلاح المقاومة إلا كجزء من مشكلة أعمّ، هي أن إمساك حزب الله بالقرار العسكري أفضى ـــــ أو لا يزال يفضي ـــــ إلى إمساكه بالقرار السياسي، وتجاوزه الدولة المركزية. ولا يعدو السلاح هنا إلا إحدى الوسائل التي يدافع فيها الحزب عن الوضع الاستثنائي الذي يتمسّك به في مواجهة إسرائيل، ويحمله على الاحتفاظ به في معرض حماية المقاومة، الأمر الذي يعزّز مخاوف الحريري وحلفائه حيال وظائف إضافية بدأت تترتب على امتلاك حزب الله سلاحه، وهي إحداثه أعرافاً في ممارسة الحكم تتوخى بدورها حماية المقاومة من داخل السلطة أيضاً، كإصراره على النصاب المعطّل في مجلس الوزراء، وعلى طريقة تأليف حكومة الوحدة الوطنية، وتثبيت المقاومة وعلاقتها بالجيش كجزء لا يتجزأ من السياستين الداخلية والخارجية للحكومة في البيان الوزاري، وتقييد صلاحيات رئيس مجلس الوزراء.
يضع المحيطون بالحريري الاجتهاد في إحداث أعراف في الحكم في نطاق تعطيل المؤسسات الدستورية، كان قد شكّل الانقسام حول ملف شهود الزور في مجلس الوزراء في الشهرين المنصرمين تعبيراً صارخاً عنه. تالياً، آلت تلك الأعراف، في معرض حماية المقاومة، إلى تعطيل كامل لآلة الحكم، بدءاً من مجلس الوزراء. بل باتت حماية المقاومة، في نظر هذا الفريق، ملازمة لتعطيل السلطة الإجرائية.
4ـــــ بعيداً من مدى استعداد الحريري التخلي عن المحكمة الدولية، أو استباق صدور القرار الاتهامي باتخاذ موقف يرفضه بغية تقويضه، وهو ما لم يسمع مرة ـــــ يقول هؤلاء ـــــ من العاهل السعودي الملك عبد الله أو من الرئيس السوري حضّاً عليهما أو على أحدهما، فإن أي محاولة للتنصّل من المحكمة أو المطالبة بإلغائها، لا يسع مجلس الأمن النظر إلى جدّيتها إلا في نطاق موقف لبناني جامع منبثق من توافق عام على استرداد ملف اغتيال الرئيس الأسبق للحكومة إلى القضاء اللبناني. ويقتضي أن يعبّر عن مصالحة وطنية حقيقية، واقتناع فعلي بخطوة كهذه يتخذها الحريري بصفته المعني الرئيسي بالملف.
إلا أن مجلس الأمن يصبح أكثر إصراراً على التمسّك بالمحكمة والمضي فيها، إذا انطوت مطالبة كهذه على تهويل وتهديد وتخويف أو فوضى أمنية. 7 أيار جديد، أو أي خيار أمني مماثل، يثبت أقدام المحكمة الدولية، ولا يجمّد عملها.
5ـــــ يبدو الاحتمال الأكثر قبولاً للخوض فيه في محيط رئيس الحكومة، قرن إحالة ملف شهود الزور على المجلس العدلي بغية طمأنة قوى 8 آذار وحزب الله إلى ملاحقة هؤلاء، بموافقة هذا الفريق على اتخاذ مجلس الوزراء قراراً بتمويل المحكمة الدولية، كي لا تفسّر الإحالة على المجلس العدلي بأنها تستهدف ضرب المحكمة التي لا يزال الحريري وحلفاؤه يرون أنها غير قابلة للمساومة.
إلا أن خياراً كهذا يرمي، في المقابل، إلى إعادة تثبيت الإجماع الوطني على المحكمة والتمسّك بها، في وقت يفتقر فيه سلاح حزب الله إلى مثل هذا الإجماع. وهو ينظر، أولاً وأخيراً، إلى المحكمة من زاوية معاكسة تماماً، كان قد عبّر عنها أمينه العام السيد حسن نصر الله عندما وصف المحكمة بداية بأنها إسرائيلية ـــــ أميركية، ثم رفع وتيرة العداء لها بإعلان قطع التعاون معها، ثم إعلانه أن المتعاونين مع المحكمة سيتعامل الحزب معهم على أنهم متعاونون مع إسرائيل.