أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

وفاة الشقيق الأكبر لميشال عون: أبو نعيم أو الوجه الحلو للعونيّين

الخميس 06 كانون الثاني , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 5,933 زائر

وفاة الشقيق الأكبر لميشال عون: أبو نعيم أو الوجه الحلو للعونيّين

 لا يتعب قارع الجرس حتى يصبح الخبر المنتظر يقيناً حاضراً. فعل السرطان فعله مع أبو نعيم، تردد جارته أم ربيع بصوت عالٍ كأنها تود إسماع نفسها الخبر في ظل تصنّم زوجها الذي يخرج من المنزل إلى غرفة صغيرة هي أقرب إلى المستودع المهجور. يلحق به ربيع، يتكئ الاثنان على كرسيين قديمين في هذا المكان المثالي لاسترجاع كل صور الياس عون، أبو نعيم، في ذاكرتهما. شقيقه قائد جيش ورئيس حكومة وهو يقود سيارة فولز ـــــ صنعت عام 1954، يرفض الاستفادة من بونات البنزين التي توزع للعسكريين، ويقف مع أبو ربيع بسيارته في الصف الطويل قبالة محطة الوقود أيام الحرب، لملء الفولز بعشرين ليتراً من البنزين. يتجنب أبو ربيع استخدام فعل «كان». أما ربيع فيسمع ما حفظه عن ذلك الرجل الذي هجر الملحمة الصغيرة التي كان يديرها في حارة حريك ونزح مع شقيقيه إلى منزل صغير في جل الديب، ليعمل لاحقاً في مصنع أدوات كهربائية ثم خلف براد اللحم في سوبرماركت.
في الغرفة ـــــ المستودع، بدأ أبو نعيم تنظيم صفوف العونيين إثر 13 تشرين 1990. فالعونيون الخائفون من الاضطهاد في تلك المرحلة لم يخشوا الإفصاح له عمّا في قلوبهم، فتحول إلى صلة وصل بين كثيرين لا يعرف بعضهم بعضاً. تحرك أبو ربيع عن كرسيه، أبعد بعض الأغراض، وسحب طاولة خشبية عتيقة. كنّا صغاراً حوله، يقول ربيع، أنا وريشا وطانيوس وطاشجيان والآخرون، أبو نعيم يخترع شعاراً وبضع عبارات ونحن ننسخها عبر المطبعة اليدوية ليحملها هو إلى مجموعات عونية في مختلف المناطق. يتذكر الأب وابنه قصة الراهبة ويضحكان. مرة قبل انتخابات 1992 النيابية، نجحت إحدى راهبات دير الصليب بتهريب شريط في ثوبها، يحث فيه الجنرال اللبنانيين على مقاطعة الانتخابات، نسخه أبو نعيم ووزعه. وهكذا دواليك، حتى انتقلت النواة التأسيسية من المستودع إلى منزل أبو نعيم.
يقع هذا المنزل على الحد الفاصل تقريباً بين جل الديب وبقنايا. البناية قديمة والشقة صغيرة. في الداخل بيانو لجانين ابنة الياس، صالون لنعيم وكل العونيين، وشرفة ملأها أبو نعيم وثالث أبنائه، جوزف، بشتل الصنوبر لإبقاء «البلد أخضر»، كان يقول أبو نعيم. والمنزل، للمناسبة، مستأجر. منزل الياس عون، يقول رمزي كنج، هو بيتي. كيف؟ لماذا؟ يغرق رمزي في صمت ثقيل. «لا نحوله إلى بطل، يقول زياد عبس، بل نكشف الستار اليوم عن سر شجاعتنا واندفاعنا»، ويتذكر أول مرة سمع فيها صوت أبو نعيم حين كانوا محتجزين لدى استخبارات الجيش ووصل أبو نعيم إلى المكان وراح بملء صوته يطالب برؤية الموقوفين ليتأكد من سلامتهم. وفي النهاية رضي بالحصول على أسماء الموقوفين فقط. فبحسب جورج طاشجيان كان وصول أبو نعيم إلى منزل الموقوف لإبلاغ أهله يريح هؤلاء الذين يرون في شقيق الجنرال بعضاً منه فترتفع معنوياتهم. وتكر الذكريات من إطلاقه مع غسان أبي نادر وآخرين بالونات تحمل صور الجنرال في الذكرى الأولى لـ13 تشرين، إلى تنقله مع الطلاب عشية كل انتخابات طالبية لإقناع الأهالي المترددين بإرسال أبنائهم للتصويت للعونيين «على كفالته». قبل أن يختتم طوني الخوري حرب أمثلة التأكيد لحضور أبو نعيم مع الشباب بالعودة إلى عام ألفين حين هرع أبو نعيم من مستشفى الكرنتينا إلى المتحف للمشاركة باعتصام طالبي حصل فجأة ودون معرفته، حاملاً المصل بجيبه. ولا تغيب عن الشباب تلك القدرة الاستثنائية لدى الياس عون التي يتحدث عنها بحماسة رولان خوري، على تقريب وجهات نظر الشباب واستعداده دائماً للوقوف مع صاحب الحق ولو على حساب أبنائه، ولا سيما نعيم. وهو حتى أعجزه المرض ظل يحاول إصلاح ما انكسر بين العماد عون وزميله في احتضان الحالة العونية الشبابية خمسة عشر عاماً، الجنرال نديم لطيف.
هذه إحدى صور الياس عون، ابن المكنونية أصلاً وابن حارة حريك مسكناً ونشأة، الذي يكبر العماد بخمس سنوات. هناك أيضاً صفات أخرى، نادراً ما يتمتع بها أقرباء المسؤولين. حين غيّر أبو نعيم الفولز، اشترى رينو 12. وحين تعطل محرك سيارته عام 1999، بقي ثلاثة أشهر بلا سيارة. «سمّه فقير الثورة البرتقالية»، يقول أحد الشباب. فقد توفي فقيراً. لا يملك أرضاً باسمه ولا منزلاً ولا حساباً مصرفياً ولولا تسجله في الضمان الصحي والاجتماعي على حساب ابنته أستاذة المدرسة لكان توفي من دون ضمان: رفض اللحام السابق منذ بات شقيقه «العماد ميشال عون» تلقي أية مساعدة «مشبوهة». كان قادراً بحكم حماسته للقضية أن يستأجر مكتباً للعونيين في أنطلياس بثلث الكلفة العادية، وحين انقطعت مرة الكهرباء عن هذا المكتب، اختفى أبو نعيم ساعتين ليعود حاملاً غالوني مازوت ورواية عن كيفية إقناعه صاحب محطة الوقود التي قصدها سيراً بتقديم الوقود تشجيعاً للشباب في نضالهم، هؤلاء الشباب الذين كانوا يعلمون أنهم سيجدون الحل عند أبو نعيم مهما كان مطلبهم. ورغم الحزن الذي حل أمس عنيفاً في منزل أبو نعيم، فإن الشباب هربوا أكثر من مرة بذكرى لطيفة إلى الضحك: مرة أبلغ أبو نعيم عائلات المعتقلين الذين تقرر الإفراج عنهم بكفالة مالية أنه لن يخرج نعيم قبل تدبر جميع الأهالي الأموال لإخراج أبنائهم، فيما كان أصدقاء العائلة يعلمون أن أبو نعيم لا يملك المبلغ الضروري لإخراج ابنه.
مارك شقير، الذي كاد يضرب رفيقه مرة لتدفيعه أبو نعيم ثمن بطاقة الدخول إلى سهرة عونية، لن يكون اليوم مع رفاقه في وداع أبو نعيم. لا هو ولا جو شلهوب وزياد نجار وطوني عتيق وكميل حرب وجانو شلالا وسامر بشعلاني وآخرون من أهل بيت أبو نعيم اضطروا إلى الهجرة، لكنهم أمس، أمس فقط انتبهوا إلى ما تركوه خلفهم.
دائماً كانت العلاقة بين الشباب وأبو نعيم تبدأ باعتبارها علاقة مع أبو نعيم شقيق الجنرال وتتحول بسرعة غريبة إلى علاقة مع أبو نعيم أبو نعيم. ويعترف الشباب المؤسسون للتيار الوطني الحر بأن معرفتهم بالجنرال كانت ثانوية جداً حتى عام 2005، فكانوا يرونه من خلال أبو نعيم. وقد فوجئوا مراراً حين تلمسوا الفرق بين الجنرال من جهة والانطباع الذي كونوه عنه نتيجة إسقاطهم صفات أبو نعيم عليه من جهة أخرى. وكانوا يزدادون إعجاباً بأنفسهم حين يرون شقيق زعيمهم لا يسعى خلف الزعامة. شقيق زعيم يقصد مركز الضمان بنفسه ويرفض واسطة نائب لتوفير الدواء ويترك سيارته يوم 14 آذار 2005 عند نهر الموت ليسير مع المواطنين حاملاً طول الطريق علماً ولافتة. هؤلاء الشباب تنبهوا أمس إلى أن الأخ الأكبر توفي بعد خمس سنوات على عودة الجنرال من المنفى بات لتيار أبو نعيم خلالها أكثر من 25 نائباً في المجلس النيابي، ولم يُكرم.
اليوم، حين سيجتمع العونيون عند الساعة الثالثة في كنيسة مار يوسف ـــــ حارة حريك لوداع وجههم الحلو، سيكون معهم رفيق مسيرة أبو نعيم والعونيين، الجنرال نديم لطيف. يمكن مَن اشتاق البكاء على كتف أبو نعيم إيجاد مكان لدموعه على إحدى كتفي الوجه الذي لا يقلّ جمالاً عن وجه أبو نعيم. وفرص تكريمه لا تزال سانحة.


بيت النخوة مستمرّ

قبل بضعة أسابيع راح نعيم عون يبدو مشتتاً. كانت غالبية الأصدقاء تعلم أن عمر أبو نعيم لا يساعده في مقاومة السرطان، ويلاحظون أن صديقهم يعود غالباً من تشتته ليذكر شيئاً عن حالة أبيه، لكنهم لم يعتقدوا البتّة أن حالة نعيم سببها والده.
أمس فقط، تنبهوا. كان نعيم الواقف أمامهم يدقق في تفاصيل اليومين المقبلين ويردّ على الاتصالات، هو غيره نعيم الذي عرفوه منذ أكثر من عقدين. هو اليوم نعيم من دون أبو نعيم. وهذا ليس بالأمر السهل: سيفتقد عطف الأب طبعاً لكنه سيفتقد أيضاً وأكثر لمن يناقشه بذكاء، يقنعه بالتروي، يساعده في جمع الشباب في منزله، يرطب الأجواء بينه وبين آخرين كثر من بينهم الجنرال ميشال عون نفسه.
ابن أبو نعيم الذي تعلم من والده أن الإعلام لا يصنع زعيماً، اختار مثله عدم الانبهار بالمال، كما اختار الوضوح في العلاقات السياسية. وعلى طريقة أبو نعيم، حاول الابن أكثر من مرة جمع رفاقه المتخاصمين لتقريب وجهات نظرهم والبناء على ما يجمعهم. وحين شاهد كثيرين يهرعون لتقاسم فتات السلطة، فضل النأي بنفسه فابتعد نحو ثلاث سنوات ريثما يهدأ التسونامي. وفي وقت حساس بالنسبة إلى التيار الوطني الحر، كان نعيم يدرس مع أبو نعيم الخيارات المتاحة أمام التيار والوسائل الفضلى لإقناع العماد عون بمأسسة الحالة العونية. ونتيجة شعوره بمسؤوليته تجاه جيل نما بين يديه، كان أبو نعيم أكثر الملحين على الجنرال من جهة وعلى شبابه من جهة أخرى لتوطيد علاقتهم بعضهم ببعض في سبيل بناء حزب قادر على الاستمرار.
اليوم ازدادت المسؤوليات الملقاة على عاتق نعيم. فالمنزل الصغير حيث تعزف شقيقته جانين على البيانو، سيبقى المقصد الرئيسي لكل عوني حقيقي غاضب وكل عوني منتفض وكل عوني حردان و... كل عوني مبتهج. وسينبغي لنعيم ملء الفراغ، على الأقل حتى بروز أبو نعيم آخر.

Script executed in 0.18516206741333