تبرير الأخطاء قبل ارتكابها
«هذه قضية (جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري) بالغة التعقيد، وهناك عدد من التحديات التي تواجهها عملية التحقيق والإجراءات»، يقول المدعي العام في المحكمة الدولية عبر «فيديو» موقعها الإلكتروني (www.stl-tsl.org). إن أهمية هذا التوصيف للقضية يكمن في أنه قد يُستخدم لتبرير «أخطاء» يرجّح أن بلمار سيرتكبها عبر اتهامه المرتقب لأشخاص مرتبطين بحزب الله بالضلوع في جريمة 14 شباط 2005. فدانيال بلمار نفسه، الذي عمل في كندا قبل انتقاله إلى بيروت ثمّ لاهاي، استشهد في مقدّمة دليل الادعاء العام في كندا (2005) بالنائب السابق لوزير العدل الكندي موريس روزنبرغ من خلال قوله «إن المدعي العام الذي يتوقّع اليقين والحقيقة المطلقة يعمل في غير مجاله. فمهمات المدعي العام ليست علماً دقيقاً، وكلّما تعدّدت الأمور وتعقّدت، توسّع هامش الخطأ». وبالتالي، فإن وصف قضية اغتيال الحريري بأنها «بالغة التعقيد» قد يبعد شبهة تسييس الاتهام عن بلمار، إذ يمكنه القول إنه ارتكب «خطأً مهنيّاً». فبحسب ما نقله بلمار، هناك هامش واسع للخطأ في توجيه القرار الاتهامي وصوغه.
آراء بلمار وتكهناته
يقول بلمار كذلك عبر «فيديو» لاهاي: «يبدو لي أن من يدّعي أن المحكمة مسيّسة يخشى نتائج قرار المحكمة أو جهود المحكمة لكشف الحقيقة». يشير هذا الكلام إلى انقلاب بلمار على نفسه، إذ إن الدليل الكندي الذي شارك بلمار في صياغته يحرم المدعين العامين التعبير عن التكهنات (الفقرة 10.4.2.3). أضف إلى ذلك أن بلمار يعبّر في كلامه عن رأي شخصي أراد، على ما يبدو، إعلام اللبنانيين وغيرهم من المتابعين للمحكمة به. وبالتالي انقلب الرجل على نفسه هنا أيضاً، إذ إن الفقرة 10.4.1 من الدليل الكندي تنصّّ أن على المدعين العامين «تقديم الوقائع لا الآراء (...) فالهدف هو تطوير المفهوم لا خلق الإثارة». وبدل أن يناقش ويطرح أفكاراً بنّاءة وجامعة، يبدو أن توتر المدعي العام الكندي الذي يتولى للمرة الأولى قضية جنائية دولية، دفعه إلى الردّّّ على «من يدّّعي أن المحكمة مسيّسة» عبر اتهامهم بالضلوع في الجريمة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فنتائج قرار المحكمة وكشف حقيقة الجريمة لا يخيفان إلا الضالعين فيها والمقرّبين منهم.
لم يتوقف بلمار عند هذا الحدّ من تجاوز مبدأ عدم تعبير المدعي العام عن رأيه في قضية جنائية، بل عبّر عن تحليلاته السياسية وفذلكاته العدلية الخاصّة (التي بدت في منتهى السذاجة) عبر قوله إن «المحكمة مهمة، لأنها تثبت أن أولئك الذين ارتكبوا الجريمة لا يمكنهم الإفلات من العقاب، وأعتقد أن العديد من اللبنانيين وضعوا آمالهم في هذه المحكمة التي ستساعد على استعادة حكم القانون في لبنان، وأن الجميع متساوون أمام القانون، ولا أحد فوق القانون. وإضافة إلى كشف حقيقة ما حصل في شباط 2005، فإن هدف المحكمة على المدى الطويل هو إعطاء الأمل للبنانيين والسماح لهم بالإيمان بالنظام والسماح لهم بالشعور بالحرية في بلدهم ولمنح المؤسسات الرسمية اللبنانية القوة التي تحتاج إليها لتستمرّ بدعم الديموقراطية». يذكر أولاً أن هذا التحليل لأهداف المحكمة ليس من اختصاص المدعي العام المهني، بل من اختصاص رئيس المحكمة القاضي أنطونيو كاسيزي والمتحدث الرسمي باسمها. لكن ما هو لافت في خطاب بلمار أنه لا يلتفت إلى «العديد من اللبنانيين» الذين يشكّكون في أن المحكمة وجدت لتخدم إسرائيل عبر اتهام المقاومة باغتيال الحريري وإشعالها بذلك فتنة داخلية يراهن البعض على إضعافها حزب الله وإرباكه. وتناول بلمار السماح للبنانيين بالشعور بالحرية في بلدهم، ولم يعرف كيف تحقق المحكمة الدولية ذلك. فهل جمع جهة دولية قريبة من إسرائيل معلومات شاملة من دوائر النفوس ومصلحة تسجيل السيارات والآليات والمصارف والجامعات والاتصالات في لبنان يتيح للبنانيين الشعور بالحرية في بلدهم؟
ازدواجية معايير
لكن، لعلّ أبرز ما يشير إلى انقلاب المدعي العام الكندي على نفسه هو كشفه ازدواجية المعايير التي يعتمدها في تحقيقاته خلال حديثه إلى موقع إخباري إلكتروني لبناني في 30 آب 2010، حيث أكّد أن المحققين في مكتبه استمعوا إلى «مسؤولين في حزب الله» بصفتهم شهوداً، لكن عندما سئل عمّا إذا كان قد استمع إلى إسرائيليين أو إلى أشخاص في إسرائيل، رفض الإجابة أو التعليق بحجّة أن ذلك يدخل في سرّية التحقيق. وبالتالي كشف بلمار أن المعايير التي تنطبق على حزب الله لا تنطبق على الإسرائيليين. وبدا أن المدعي العام لم يستمع إلى شهود إسرائيليين، على الرغم من أن الالتزام بالمعايير المهنية في التحقيقات الجنائية يفترض الاستماع إلى إفادات كلّ من يحتمل أن تكون لديه معلومات عن الجريمة. وكان السيد حسن نصر الله قد أعلن في 9 آب 2010 أن طائرة تجسس إسرائيلية كانت موجودة في مسرح الجريمة أثناء وقوعها. لكن ازدواجية معايير بلمار تتيح له إغفال معلومات نصر الله والاستعانة في المقابل بمعلومات علمت «الأخبار» أن أجهزة استخبارات غربية نقلتها إليه، وهي تتضمّن أسماء أشخاص على صلة بحزب الله.
الانقلاب على الإعلام
إن سياسة الادعاء العام الكندي تقتضي تزويد الإعلام بالمعلومات المتعلّّقة بإدارة العدالة الجنائية على نحو سريع وكامل ودقيق بهدف ضمان ثقة الرأي العام بالإدارة القضائية (الفقرة 10.2). لكنّ بلمار انقلب على تلك السياسة لدى توليه منصب المدعي العام في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان من خلال تأخير إجاباته عن أسئلة الإعلاميين، وعبر عجزه عن تعيين متحدّّث رسمي باسم مكتبه بعد استقالة هانرييت أسود من ذلك المنصب (بعد ثلاثة أسابيع على تعيينها). وكانت عملية تعيينها قد استغرقت نحو ثلاثة أشهر بعد استقالة راضية عاشوري. يُذكر أن المحكمة لم توضّّّّح بنحو مقنع أسباب استقالة السيدتين، وكانت عاشوري قد عبّرت لـ«الأخبار» عن مشاكل بين الموظفين أدّت إلى ارتفاع نسبة التوتر بينهم، ووجّهت عبارات انتقاد شديدة اللهجة إلى أداء بعض زملائها.
يعدد دليل الادعاء العام في كندا التوجيهات في التعاطي مع الإعلام، وإضافة إلى وجوب تقديم معلومات لا آراء، ينصّ الدليل على وجوب:
ـــــ الحفاظ على صدقية المحكمة عبر «عدم استباق الأحكام بحق المتهمين».
ـــــ احترام حاجات الصحافيين؛ «فمن المهم أن تعترف بأن على الصحافيين القيام بواجباتهم إذا ساعدتهم أو إذا لم تفعل. ولأنهم سيتابعون عملهم، فمن الأفضل أن تجيب عن أسئلتهم».
ــــــ التجاوب، «إذ إن عبارة «لا تعليق» ليست إجابة مقبولة لمن يطلب معلومات».
ـــــ الإجابة بسرعة، «فالمعلومات الخاطئة التي لا تصحح تمسّ بسمعة النظام».
خدعة إليو ماري تستهدف نصر الله ومغنية
شددت وزيرة الخارجية الفرنسية ميشال إليو ماري، أمس، على أهمية استمرار عمل المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وقالت، في مقابلة مع صحيفة «20 مينوت» نشرت أمس، إن المحكمة الدولية التي تحقق في اغتيال الحريري، هي نتيجة «رغبة دولية ولا يمكن أحداً أن يلغيها أو يمنعها من العمل». وفيما بدا خدعة لم تعد تخفى على أحد، أشارت إليو ماري إلى أن الاتهامات التي ستوجهها المحكمة ستكون بحقّ أشخاص لا إلى حزب أو طائفة.
وأضافت أن لحزب الله ممثّلين منتخبين في المؤسسات اللبنانية، وأشارت إلى أنه إذا وجهت المحكمة اتهامات إلى أشخاص، فسيعاملون «كأشخاص لا كممثلين لحزب أو طائفة».
خدعة إليو ماري تكشفها المادة الثالثة من نظام المحكمة الدولية التي تحدّد «المسؤولية الجنائية» وعلاقة الرئيس والمرؤوس، إذ يُعدّ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله «رئيس» الحزب، و«في ما يتصل بالعلاقة بين الرئيس والمرؤوس، «يتحمّل الرئيس المسؤولية الجنائية عن أي من الجرائم التي يرتكبها مرؤوسون يخضعون لسلطته وسيطرته الفعليتين، نتيجة لعدم سيطرته سيطرة سليمة على هؤلاء المرؤوسين»، حيث: «أ) يكون الرئيس قد عرف أو تجاهل عن عمد أي معلومات تبيّن بوضوح أن مرؤوسيه يرتكبون أو هم على وشك أن يرتكبوا تلك الجرائم؛ ب) تتعلق الجرائم بأنشطة تندرج في إطار المسؤولية والسيطرة الفعليتين للرئيس؛ ج) لم يتخذ الرئيس جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع أو قمع ارتكاب مرؤوسيه لتلك الجرائم أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والملاحقة القضائية» (المادة 3). يعني ذلك أن أي قرار يصدر عن المدّعي العام، يتّهم «أفراداً» من حزب الله، سيستدعي التحقيق مع قادة الحزب. كذلك يمكن اعتبار ذلك الاتهام موجّهاً إلى القائد الشهيد عماد مغنية، حيث إنه كان يشغل، يوم وقوع الجريمة، مركز رئيس المجلس الجهادي في حزب الله، إذ إن نقل أكثر من طن من المتفجّرات وتوضيبها في شاحنة وتفجيرها، إضافة إلى عمليات المراقبة والتنسيق والتخطيط تحتاج إلى جهود كبيرة يُستبعد أن تُبذل من دون علم «الرئيس». فهي «أنشطة تندرج في إطار المسؤولية والسيطرة الفعليتين للرئيس». (ب)، وبالتالي قد يُتّهم نصر الله ومغنية بعدم اتخاذهما «جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطتيهما لمنع أو قمع ارتكاب مرؤوسيهما لتلك الجرائم».