"نقزة" قوى 14 أذار هذه بدت جلية في الأيام الأخيرة، خصوصاً بعد ما شهدناه من إطلاق نار عشوائي على مساعي الحل السورية والسعودية والذي ضبط به الآذاريون متلبسون، ما عكس خشيتهم من حصول التلاقي اللبناني تحت مظلة "السين- سين" العربية بعدما بذلوا الغالي والنفيس لتكريس الطلاق والتجافي من خلال السعي لإبقاء سيف المحكمة الدولية مسلّطاً على رقاب شرفاء هذا الوطن خدمة لمشاريع فتنوية خارجية، فبمجرد أن لاحت الأجواء التفاؤلية في الأفق اللبناني مبشّرة بحصول انفراجات على خط مساعي الحل للأزمة اللبنانية، حتى تبارى صقور قوى 14 آذار الى إعتلاء المنابر وعلت أصواتهم موجهين سهامهم نحو هذه المساعي عبر إشاعة أجواء تشاؤمية في محاولة منهم لإعاقة تقدمّها.
وهنا برز التساؤل حول سر هذا الصخب والضجيج المرتفع والرافض لأية تسوية قادمة، ولأي جهد عربي أو "اتفاق دوحة 2" كما أسماه البعض، أو حتى لمجرد "تغيير حكومي" محتمل. كما بدأ الحديث أيضاً عن السر الكامن وراء إعلان البعض بأن "أي تسوية آتية ستعني تقديم تنازلات من قبل فريقه لن يؤيدها" وإصرار البعض الآخر على أن "التسوية لا أساس لها وأنها مجرد تحليلات صحفية وأن القرار الاتهامي حتمي وغير مرتبط بأي تسوية".
فالمراقبون لمسار الأحداث وتطوراتها، استوقفتهم مطوّلاً "استماتة" مسيحيي 14 أذار بالتمسّك بالقرار الظني ورفضهم لأي تسوية آتية، في وقت تغيب فيه هذه الحماسة العالية عن أولياء الدم أنفسهم فلا نكاد نسمع لهم تصريحاً بهذا الشأن، وهو ما دفعهم للتساؤل : لماذا يكون رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" ورئيس حزب "الكتائب" أمين الجميل أحياناً ملكيين أكثر من الملك؟؟.
ما هي أهداف رفض الحديث عن تسوية مرتقبة ؟
من جهتها، اعتبرت مصادر متابعة أن رفض التسوية من قبل مسيحيي 14 أذار يهدف الى تحقيق العناوين التالية:
1- اظهار خشية الفريق المشار إليه وخوفه من أن تأتي التسوية على حسابه فيظهر أمام جمهوره بأنه خارج اللعبة وعلى هامشها ولا يستطيع أن يغيّر أو يعدّل في مآل الأمور كونه ليس طرفاً أساسياً في المعادلة، خصوصاً في ظل الحديث الذي بدأ يتسرّب عن تعديل حكومي سيطال الحصص الوزارية الخاصة بفريقي "القوات اللبنانية" وحزب "الكتائب"، فضلاً عن مواقع سلطوية اكتسبوها بالاستئثار والهيمنة دون وجه حق.
2 - تحسين شروط التسوية عن طريق توزيع الأدوار مع تيار "المستقبل" بحيث يكون هناك فريق يفاوض وآخر يرفع سقف الخطاب السياسي حتى يمكّن الفريق المفاوض من تحسين شروطه لإعطائه أوراق قوة في مفاوضاته.
3 - القول "نحن هنا فلا تنسوا بأن تحضنونا في أي تسوية قادمة وأنه بإمكاننا أن نعرقل ونعيق أي تسوية من المحتمل أن تأتي ولا تتوافق مع طموحاتنا السياسية أو الحد الأدنى منها".
4 – استكمال المؤامرة الخارجية والتي تتوخى تحقيق أهدافها ومآربها السياسية بوجه قوى المقاومة والممانعة من خلال استمرار مسار التحقيق والمحكمة الدولية عبر بعض الأدوات اللبنانية المتواطئة معها.
نبيل نقولا : التسوية ستكون لمصلحة اللبنانيين ولن تكون لمصلحة الفريق الآخر
وفي سياق متصل، يؤكد عضو تكتل "التغيير والاصلاح" النائب نبيل نقولا أن "أي حل سيأتي سيكون لمصلحة كل اللبنانيين"، مشيراً الى أنه "سيكون هناك متضررون منه، ولن يكون لمصلحة الفريق الآخر".
واذ يلفت نقولا في حديث لموقع "المنار" الالكتروني الى أن "فريق 14 آذار لا يهمه المصلحة المشتركة بين اللبنانيين ما يدفعه لإطلاق النار على أي تسوية قادمة"، يشير في المقابل الى أن "المعارضة الوطنية تشجّع أي تسوية تؤدي الى تحقيق الهدوء والاستقرار في لبنان"، لكنه يعتبر أن ذلك لا يجب أن يتم على حساب المال العام وملف شهود الزور.
وفي هذا الإطار، يوضح نقولا أنه "لا تسوية تقفز فوق ملف شهود الزور كونهم هم من وتروا البلد خلال السنوات الخمس الماضية وسببوا الخوف والقلق للناس وأدخلوا أشخاص وضباط الى السجون وتعرّضوا بالاهانات لدول".
كما يشدد نقولا أيضاً على أنه "لا تساهل بالمال العام في أي تسوية آتية، ولا تغاضي عن الأمور الاقتصادية فيها، خصوصاً بعدما بلغت قيمة الدين العام المترتبة على كل فرد لبناني 14 ألف دولار".
وفيما يعتبر النائب نبيل نقولا أن "التسوية إذا صحّت ستكون لكل الناس وليست لفريق سياسي معين"، يلفت الى أن "الفريق الآخر سيفقتد للاستئثار بالسلطة الذي عاشه طوال السنوات الماضية، لذا فهو يقوم باطلاق النار على أي مساعي قد تؤدي الى تحقيق التسوية".
ألبير منصور: يخافون التسوية لأنها ستعيد النظر بمواقعهم في السلطة
بدوره، يلفت الوزير السابق ألبير منصور الى أن "هناك فريقاً سياسياً في لبنان همه الأساسي استمرار التوتر في البلد من خلال متابعة تنفيذ المخطط الذي وضعته المحكمة الدولية وكذلك مسار القرار الدولي 1559 ".
واذ يعتبر منصور في حديث لموقع "المنار" الالكتروني أن "هناك مجموعة قوى سياسية لها مصالح باستمرار الوضع على ما هو عليه لأنها استلمت مواقع السلطة بهذا المسار"، يرى أنه "باستمرار هذا المسار هم يدافعون عن مواقعهم وعن إستمرار المؤامرة والتوجّه الأميركي الإسرائيلي الذي يتلقون التوجهات بشأنه من قبل مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان".
ويخلص منصور الى الاستنتاج بأن "فريق 14 أذار خائف من أن تتم التسوية لأنها اذا حصلت سيكون هناك إعادة نظر بالمواقع السياسية، وبمعنى آخر فإن أي تسوية ستنال من مواقعهم في السلطة لذا فإنهم يحافظون على استمرار أجواء التوتر كونها مناسبة لهم مئة بالمئة طالما هم يدافعون عنها".
مهما يكن من أمر فان ما تخبئه الأيام القليلة القادمة سيكون كفيلاً بكشف مدى التأثير الذي يمكن أن تخلّفه حدة الخطاب السياسي ونبرته العالية على مساعي الحل المرتقبة للازمة اللبنانية بمظلة عربية، وما اذا كانت مثل هذه النبرة تسير بقوة دفع أميركية، توحي بأن وراء الآكمة ما وراءها، من نوايا تعطيلية تهدف الى جر البلد للفتنة والخراب بعدما وضعته في حالة من المراوحة والجمود طوال المرحلة السابقة.