ما كشفته وثائق ويكيليكس عنه سرّع خطواته. ورغم عدم وجود من يحاسبه، فإن مكابرته لا تخفي قلقه على مستقبله السياسي الذي لن يكون بعد ويكيليكس على طريقة «السوبر وزير» في تشرين الثاني الماضي، كان رئيس المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري أنطونيو كاسيزي يتحدّث أمام إعلاميين لبنانيين عن تاريخ المحاكم الدولية. لم ينف القاضي الإيطالي وجود انتقائية في سير العدالة الدولية، رابطاً ذلك بالقرار السياسي الذي يصدره مجلس الأمن الدولي والقوى المتحكمة فيه. وعندما سئل كاسيزي عما كشفته وثائق ويكيليكس عن الحرب الأميركية على العراق وأفغانستان، عبّر عن اقتناعه بأن كل مرتكبي الجرائم يجب أن يُحالوا على المحاكم، مشيراً إلى أن كشف وثائق سرية يؤدي إلى ما سمّاه «نوعاً من العدالة الشعبية».
هذا في العالم. أما في لبنان، فيمكن وزير الدفاع الياس المر أن يخرج إلى بتغرين ساعة يشاء. وهناك، سيتبارى العشرات لرفعه فوق أكتافهم. والأمر لا يقتصر على بتغرين، فبإمكان ابن أبو الياس ألا يسير على الزفت بين الدورة والرابية، إذ يستعيض عن ذلك بمناكب رجال تربّوا في العمارة، أو آوتهم هرباً من سلطة أو قضاء، أو اتّقاء غضب من اقترن اسمه باسم لبنان.
لم يتبدل الكثير منذ أن أظهرت وثائق ويكيليكس أن وزير الدفاع الياس المر كان يخبر المبعوثين الأميركيين بأنه وعَد قائد الجيش، ميشال سليمان، بتوفير التغطية السياسية له، لقاء عدم تدخّل الجيش في أي حرب تشنّها إسرائيل على حزب الله. صمتت معظم الأطراف السياسية الوازنة تجاه ما نُسب إلى المر، رغم فداحته. فالوثائق تنقل عنه قوله إنه سينتظر إسرائيل كي تتخلص من حزب الله، وإن على إسرائيل أن تكتفي بقصف البنى التحتية في المناطق الشيعية، وعدم الاقتراب منها في المناطق المسيحية، لأن من شأن ذلك أن يضع المسيحيين في موقف المعادي لإسرائيل (على ذمة وثائق ويكيليكس). هذه العيّنة لم تستفز أحداً. لجنة الدفاع النيابية رأت نفسها غير معنية. رئيسها، النائب سمير الجسر، قال لـ«الأخبار» إن صلاحية اللجنة لا تشمل بحث هذا الأمر. وأبعد من ذلك، فإن الوثائق، التي لم تشكّك الولايات المتحدة في صحتها، ليست موثوقة عند النائب الجسر الذي قال: من يدريني من يسرّب ماذا ومن يجتزئ ما يريد؟!
الجسر يقفل إذاً أي باب لمحاسبة ديموقراطية للمر. ويشجعه، بطريقة غير مباشرة، على موقفه، عدم مبادرة أي طرف ذي وزن سياسي إلى المطالبة بمحاسبة المر. فحزب الله، المعني الأول بما نُقل عن المر، قرّر الصمت. حتى قناة المنار التابعة له، تلقّت في بعض الأحيان تعليمات بعدم إثارة وثائق ويكيليكس إلا من الباب الإخباري. أما الأمين العام للحزب، السيد حسن نصر الله، الذي باتت إسرائيل تضع حزبه على لائحة الأخطار المهدّدة لوجودها، فأعلن ما يُشبه العجز تجاه ما كشفته وثائق الخارجية الأميركية. قال بالفم الملآن: نحن نعرف أخطر مما نُشر. وفي لبنان، لا أحد يحاسب أحداً.
في الخلاصة، أقفل نصر الله الباب أمام أي إمكان للمحاسبة. وزير الدفاع عاد إلى التردّد من وقت لآخر إلى مكتبه في اليرزة. وهو يصبّ معظم جهده اليوم على الإعداد لإعادة إطلاق صحيفة الجمهورية. ينتقي بنفسه المحررين والقيّمين على الصحيفة، ويعد بأنها ستكون «صحيفة المسيحيين». عاد إلى حياته «شبه الطبيعية». مكابرته لا تخفي قلقه على مستقبله السياسي. فهو يعرف أن موقف نصر الله لا يعفيه من محاسبة من نوع آخر، كنزع صفة «غير القابل للنقاش» عن اسمه عند البحث في تأليف أي حكومة مقبلة.