أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الحريري يخسر حكومة الوفاق على باب ... أوباما

الخميس 13 كانون الثاني , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,090 زائر

الحريري يخسر حكومة الوفاق على باب ... أوباما
دخل لبنان بدءا من أمس في مرحلة جديدة، ستكون مفتوحة على أزمة سياسية وحكومية عميقة وطويلة الأمد، بعدما أخفق المسعى السوري السعودي في الوصول الى النتيجة المرتجاة منه.
وفي توقيت بليغ برمزيته، قدم وزراء المعارضة، إلى جانب الوزير عدنان السيد حسين، استقالتهم من الحكومة في اللحظة ذاتها التي باشر فيها الرئيس سعد الحريري اجتماعه مع الرئيس الاميركي باراك أوباما، ما حوّله خلال لحظات الى رئيس سابق لحكومة الوفاق الوطني، بما يعكس رسالة واضحة من خصومه في بيروت فحواها أن أوباما ونيكولا ساركوزي وبان كي مون وهيلاري كلينتون لا ينفعون جميعهم في التعويض عن غياب التفاهم اللبناني ـ اللبناني، ولا يفيدون جميعهم برغم ما يمثلونه من «قوى عظمى» في إبقاء الحريري رئيسا للحكومة.
والأكيد أن المعارضة فاجأت 14 آذار وربما السعودية والولايات المتحدة في خطوتها السريعة بالاستقالة من الحكومة، غداة الإعلان عن فشل المسعى العربي، الأمر الذي أتاح لها ـ حسب أوساطها ـ الإمساك بالمبادرة وفرض إيقـاعها قبل أن يصـدر القرار الاتهامي، في حين ترى قوى 14 آذار أن المعارضة أدخلت نفسها والبـلاد في مـأزق كبيـر، مؤكـدة تمسـكها بثـوابت المحكمة والحريري والحوار.
وكان لافتا للانتباه الموقف الاميركي الحاد الذي برز بعد استقبال أوباما للحريري، إذ صدر بيان عن البيت الابيض جاء فيه ان «الجهود التي يبذلها التحالف الذي يقوده حزب الله لانهيار الحكومة اللبنانية يظهر فقط خوفهم الخاص وتصميمهم على منع قدرة الحكومة على تسيير أعمالها وتقدم تطلعات كل الشعب اللبناني».
كما ورد في البيان أن أوباما «شدد على أهمية عمل المحكمة الخاصة بلبنان كوسيلة للمساعدة على إنهاء حقبة الاغتيالات السياسية مع الإفلات من العقاب في لبنان، وأن النقاش تطرق بشكل خاص إلى الجهود الموحدة مع فرنسا والسعودية ولاعبين رئيسيين آخرين دوليين وإقليميين للحفاظ على الهدوء في لبنان وضمان أن عمل المحكمة يستمر من دون عائق من قبل أطراف ثالثة». وعبّر أوباما والحريري عن «عزمهما على تحقيق الاستقرار والعدالة في لبنان خلال هذه الفترة الصعبة من تقلب الحكومة واتفقا أن على كل الأطراف تجنب التهديدات والأفعال التي قد تسبب عدم الاستقرار».
وعلى خط مواز، بحث وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو هاتفيا مع الحريري في آخر المستجدات على
الساحة اللبنانية، فيما وصل إلى بيروت مساء أمس موفد قطري للتداول مع بعض المسؤولين في تفاعلات الأزمة وإمكانية احتوائها.
في هذه الأثناء، بدا واضحا أن رئيس الجمهورية ميشال سليمان ينتظر عودة الحريري، الذي توجه الى باريس للقاء ساركوزي، كي يتشاور معه في التطورات المستجدة، ما يفسر تأخر القصر الجمهوري في إصدار بيان يعتبر الحكومة مستقيلة ويطلب منها تصريف الأعمال الى حين تشكيل حكومة جديدة.
إلا أن مرجعا قانونيا بارزاً قال لـ«السفير» إن الأصول كانت تفرض صدور بيان فوري عن المديرية العامة لرئاسة الجمهورية أمس يعتبر الحكومة مستقيلة ويكلفها تصريف الأعمال، باعتبار انه ينطبق عليها مضمون المادة 69 من الدستور التي تنص على ان الحكومة تُعد مستقيلة في حال استقالة أكثر من ثلث أعضائها، مشيرا الى أن الرئيس سليمان لا يملك حق الاستنساب في توقيت إصدار هذا البيان، بل هو ملزم دستوريا بذلك، وعدم انتظار عودة رئيس الحكومة من الخارج، لأن الاختصاص الملزم أقوى من اللياقات.
وأوضح المرجع أن الخطوة الثانية التي يجب ان يقوم بها سليمان تتمثل في عدم استئخار الدعوة الى استشارات نيابية ملزمة لتكليف شخصية بتشكيل حكومة جديدة، لأن هذه الاستشارات هي إجراء تمهيدي لإنشاء سلطة إجرائية، لافتا الانتباه الى ان سليمان يحق له في هذا الجانب التشاور المسبق مع الحريري والرئيس نبيه بري لتحديد موعد إجراء الاستشارات.
وعلى أهمية هذا المسار الدستوري، إلا أن المشكلة الحقيقية لا تكمن فيه بل في المسار السياسي المعقد، ذلك ان الاسباب التى أدت الى استقالة وزراء المعارضة وبالتالي انفراط عقد الحكومة الحالية، ستحول هي ذاتها، وحتى إشعار آخر، دون تشكيل حكومة جديدة وتسمية رئيس لها، ما لم يتم التوصل الى تفاهم سياسي حول الخلاف الأصلي والمركزي، المتصل بكيفية التعامل مع تحدي القرار الاتهامي والمحكمة الدولية.
ولعل من أهم نتائج خطوة المعارضة بالاستقالة أنها تمكنت من إسقاط الجهة الرسمية والدستورية التي كانت ستتلقف القرار الاتهامي وتتعامل معه، أي الحكومة، وبالتالي فإنه لم تعد توجد في لبنان الآن سلطة رسمية تستطيع ان تشكل مرجعية محلية لهذا القرار أو أن تؤمن له الغطاء الشرعي عند صدوره، بحيث إن تأييد الرئيس سعد الحريري القرار الاتهامي والمحكمة الدولية لن يتجاوز بعد اليوم كونه تأييدا من فريق سياسي، في مواجهة الاعتراض عليهما من فريق سياسي آخر تمثله المعارضة.
وبرغم أن قرار المعارضة عكس تطوراً دراماتيكياً في اتجاه الأزمة، إلا أنه يظل مندرجا ضمن قواعد اللعبة الديموقراطية، تحت سقف المؤسسسات، وهذه المرة كانت خطوة المعارضة مُحكمة، فلم تترك مجالا للاجتهاد حول شرعية الحكومة او دستوريتها كما حصل في أيام حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الاولى، إذ إن استقالة وزرائها العشرة إضافة الى «الوزير الملك» عدنان السيد حسين، أسقطت حكومة الرئيس سعد الحريري تلقائيا وجعلتها مستقيلة فورا.
أسئلة ما بعد الاستقالة
والأسئلة المطروحة الآن بعد استقالة وزراء المعارضة هي:
- كيف سيتصرف الرئيس سليمان، وهل سيدعو سريعا الى استشارات نيابية لتسمية رئيس الحكومة الجديدة ام إنه سيأخذ وقته في تحديد موعد هذه الاستشارات بانتظار الاتصالات السياسية التي سيقوم بها؟
- ما هي مواصفات المرشح الأوفر حظا لترؤس الحكومة المقبلة، ومن سيكون مرشح المعارضة الى هذا المنصب، وهل يمكن أن تقبل بعودة الحريري أم إنها ستدعم مرشحا آخر؟
- ماذا سيكون موقف الكتل والشخصيات المتمايزة، من وليد جنبلاط ولقائه الديموقراطي إلى الرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي والنائب أحمد كرامي؟
- هل سيمتلك أي مرشح سني في المعارضة أو في الوسط جرأة الموافقة على ترؤس حكومة تعلن عن وقف التعاون مع المحكمة الدولية، خلافا لموقف الرجل الأقوى في الطائفة السنية سعد الحريري؟
- أين ستقف سوريا والسعودية من معركة تسمية رئيس الحكومة، وكيف ستتعاملان معها بعد فشل مبادرتهما؟
- هل ستتشكل أكثرية نيابية جديدة مغايرة لتلك التي أفرزتها الانتخابات النيابية السابقة، وتتولى التحكم بدفة اختيار اسم رئيس الحكومة ورسم توازناتها؟
المعارضة تخفي ورقة مرشحها
وفي حين فضلت أوساط مقربة من حزب الله عدم كشف ورقة مرشح المعارضة لرئاسة الحكومة، قالت أوساط أخرى في المعارضة لـ«السفير» إنها تستبعد عودة الحريري إلى السرايا، كونه بات جزءا من المشكلة وليس من الحل، لافتة الانتباه الى أن التسمية ستخضع لاتصالات محلية وإقليمية، متوقعة أن يكون لسوريا اليد الطولى في تحديد الاسم مقابل تراجع التأثير السعودي بعدما أدى إخفاق المسعى العربي الى إعادة خلط الأوراق.
ورأت هذه الأوساط أن الكرة باتت الآن في ملعب الفريق الآخر الذي يتوقف عليه الحد من خسائره إذا أحسن التقاط رسالة استقالة وزراء المعارضة، مشيرة الى ان هذا الفريق ارتكب خطأ كبيرا بإجهاض التسوية والتماهي مع المصلحة الاميركية، لأن أضرار أي حل تظل أقل وطأة من أضرار الخيارات الاخرى. وأضافت: لقد خسر الحريري الحكومة من دون أن يربح فعليا المحكمة التي ستتوقف مفاعيلها عند الحدود اللبنانية.
وتمنعت الأوساط عن كشف طبيعة الخطوات المقبلة التي ستقدم عليها المعارضة في المرحلة المقبلة، لافتة الانتباه إلى أن تحديدها يتوقف على كيفية تعامل قوى 14 آذار مع قرار الاستقالة.
14 آذار متمسكة بالحريري
وبينما تعقد قوى 14 آذار اجتماعا موسعا برئاسة الرئيس الحريري خلال اليومين المقبلين، قالت مصادرها لـ«السفير» إن هذه القوى ستتعامل مع استقالة وزراء المعارضة انطلاقا من الثوابت الآتية: التمسك بالمحكمة الدولية، الإصرار على بقاء سعد الحريري رئيسا للحكومة، وعدم قطع سبل الحوار والتواصل بين اللبنانيين من دون أن يعني ذلك خضوع أي طرف للابتزاز.
واعتبرت أن المشهد العربي والدولي اليوم شبيه بما كان عليه واقع الحال عشية الـ2005، «إذ تقف الى جانبنا السعودية ومصر والولايات المتحدة وفرنسا، ونلقى حتى عطفا تركياً وقطرياً، في حين أن وزراء المعارضة هم من انقضوا على اتفاق الدوحة فقدموا استقالاتهم بعدما سبق وتعهدوا في الدوحة بألا يفعلوا».
واعتبرت المصادر أن «المعارضة مأزومة وهي غير قادرة على الذهاب أبعد مما أقدمت عليه»، مشيرة إلى أن الشارع خيار مجرب وخاسر وأفقه مسدود، ومتسائلة: في وجه من ستحرك المعارضة الشارع بعدما استقالت الحكومة فيما مؤسسات البلد مشلولة؟
مرشحون لرئاسة الحكومة؟
وبينما بدأت الصالونات السياسية تتداول بأسماء محتملة لرئاسة الحكومة المقبلة، قال الرئيس عمر كرامي لـ«السفير» إنه إذا بقيت الأكثرية الحالية على ما هي عليه فإنها ستعيد تسمية الحريري، آملا في تسمية من يستطيع إنقاذ البلد، وما عدا ذلك فكل الامور لا تستأهل أي مخاطرة تؤدي الى مشكلات تؤذي لبنان وشعبه.
وقال الرئيس سليم الحص لـ«السفير» «إنه ليس ممن يقولون إما هذا أو لا أحد، فدوماً هناك بدائل، لكن الاستقالة برأيي ستضع البلاد في أزمة سياسية طويلة».
أما الرئيس نجيب ميقاتي، فأبلغ «السفير» أنه «لا يمكن منذ الآن تحديد موقف قبل أن نجري اتصالات مع القوى السياسية والشخصيات النيابية للوقوف على رأيها في الموضوع الحكومي». وأضاف: أنا أتمنى أن يعود الرئيس الحريري لكن على رأس حكومة بصيغة أخرى جديدة مقبولة وناجحة تقوم على تفاهم مسبق قابل للتنفيذ.

Script executed in 0.19283699989319