تسير قوى 14 آذار بثقة عمياء نحو الاستشارات النيابية المقررة يومي 17 و18 من الشهر الجاري. يرى هذا التجمّع أن تسمية الرئيس سعد الحريري أمر محسوم، ولا يهمّ بعد ذلك إذا تألّفت حكومة أو لم تتألف. ينظر الأكثريون إلى تشكيلات الكتل النيابية وأعدادها فيهدأ بالهم، ثم ينظرون إلى الواقع السياسي فيرتاحون أكثر. في مجالس 14 آذار تفاؤل سينعكس على الاجتماع الأكثري الموسّع المتوقع عقده بعد ظهر اليوم في منزل الرئيس الحريري في وادي أبو جميل. وستحضر هذا الاجتماع كل الوجوه التي اعتدنا رؤيتها في لقاءات البريستول، باستثناء النائب وليد جنبلاط، وذلك لمناقشة السيناريوهات الممكنة والخطط المناسبة لها.
في لقاء اليوم، سيتبادل زعماء 14 آذار التطمينات، ويكون تأكيد أنّ كل ما جرى منذ الثلاثاء، في لبنان وخارجه، أعاد تركيز قواعد الأكثرية ولحم ما تشقّق منذ الانتخابات النيابية الأخيرة، وأنّ «الفريق الآخر» قدّم «خدمة» كبيرة لم يكن باستطاعة أي من أقطاب ثورة الأرز أو شهدائها تقديمها، وهي إعادة المياه إلى مجاريها بين قوى 14 آذار وبين قواعدها ومع عواصم العالم.
ففي القراءة الأكثرية للوضع الراهن، يواجه حزب الله وحلفاؤه «الشرعية الدولية» وهم فاقدون «الشرعية الداخلية»، وبالتالي، فإنّ أجواء 2004-2005 عادت لتخيّم على الساحة المحلية، إذ يحلو للأكثريين تشبيه ما يحصل اليوم بمرحلة التمديد للرئيس إميل لحود. ووفق التشبيه الأكثري، «قال العالم كلّه لسوريا أن تختار من تريد بدلاً من لحود، لكنّ دمشق رفضت. وبعد أشهر قليلة، خرجت سوريا من لبنان. اليوم، أتى العالم كله وطالب سوريا باحترام المحكمة الدولية والتقيّد بقراراتها، لكن جواب الشام جاء بإسقاط الحكومة التي تصرّ على المحكمة».
أمام هذه الضغوط التي يفترض الأكثريون أن المعارضة تتعرّض لها، ترى مجالس 14 آذار أنّ الحريري سيعود إلى الحكم أقوى مما كان عليه. قرأ حلفاء تيار المستقبل في المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس الحكومة أمس، تأكيد الحريري أنه لن يقبل بأي شرط مسبق على حكومته وبيانها الوزاري، وأن ما من مساومة على صلاحياته رئيساً لمجلس الوزراء.
لكن ذلك لا يحجب حقيقة أنّ الحريري أعاد أمس، بطريقة أو بأخرى، تأكيد أنّ منطقه لم يتغيّر تجاه ما يتضمّنه البيان الوزاري للحكومة المستقيلة من حيث تأكيده سريان مفعول معادلة «الشعب والجيش والمقاومة» مع المحكمة الدولية. كذلك تقدّم الحريري خطوات إيجابية في سياسة «مدّ اليد» عبر تبنّيه لغة والده، أو منطق التوفيق بين الملفات والاتجاهات.
تفتح هذه الخطوات أبواباً أمام سيناريوهات إضافية يفترض أن تناقشها الأكثرية اليوم، وأولها خروج اسم سعد الحريري من لائحة الرئيس ميشال سليمان لتأليف الحكومة. يرتبك حلفاء تيار المستقبل عند طرح هذه الفرضية، فتأتي الأجوبة المتشنّجة على شاكلة: «يحكموا إذا فيهم»، أو «خلّيهم يوصلوا قبل». مع هذه اللغة تنقلب صورة الأكثريين من مشهد الطرف الخائف على الاستقرار والقلق من سلاح خصومه، إلى مشهد الفريق المستعدّ لـ«تخريب الأوضاع» وزعزعة الأمن إذا خسر الحكم.
لم تعدّ الأكثرية حتى اليوم مخططاً لمواجهة خروج سعد الحريري من السلطة، لكن أسهل ما يقال في مجالسها أن الرئيس «سيعود إلى البريستول». بمعنى آخر، سيعود تجمّع 14 آذار إلى صيغته السابقة وسيسترجع حقبة «ثورة الأرز» بتفاصيلها، بما في ذلك ميزتا السلميّة والديموقراطية. وهو أمر يتمنّاه الأكثريون منذ بداية انحدارهم السياسي، بهدف إعادة تنظيم صفوفهم واستعادة ما خسروه بين الناس، إذ تتحدث مجالس الأكثرية عن تنشيط المجتمع الأهلي والعودة إلى ساحة الشهداء، وعن تحريك المجتمع الدولي وصدور قرارات دولية جديدة.
خيار العودة إلى البريستول محسوم لدى فريق 14 آذار، لكنّ ما لم يحسم هو توقيت اعتماده. فثمّة داخل الأكثرية من يشدد على وجوب اتّخاذ هذه الوجهة لحظة خروج الحريري من الحكم وتسلم 8 آذار الحكومة، فيما يؤكد قسم آخر ضرورة التمسّك بـ«هذه الورقة الرابحة» عند إقدام حكومة الـ«لا حريري» على خطوة إسقاط المحكمة الدولية. في كلتا الحالتين، يرى حلفاء الحريري أنّ مستقبلاً وردياً ينتظرهم، حيث سيعودون لملء شاشات التلفزة والساحات ورفع الشعارات. وفي هذه الصورة، سيخصّص سعد الحريري معركته السياسية لموضوع المحكمة الدولية ليتفرّغوا هم، أي حلفاؤه، للعناوين السياسية الأخرى، وهم يرون أنّ الرئيس الشاب سيصبح أكثر جرأة في التعامل مع حزب الله ومع الجميع، من باب أنّ بإمكان التحقيق الدولي أن يتّهم من يتّهمه ويجب محاكمة المتهمين بدل أن يضيع بين حبال تسوية تتبنى الاتهام وترفض تنفيذ الأحكام.
كل هذه الملفات والقراءات سيناقشها الأكثريون اليوم في وادي أبو جميل، فيما تشرق وجوه بعضهم حين يتذكّرون أنّ ثلاثين يوماً تفصل عن مناسبة 14 شباط، فـ«لماذا لا نستغلّ هذه الأجواء ونعود إلى الشارع؟».