أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الحريري يفضّل الكرامة والمعارضة تريد كرامي

السبت 15 كانون الثاني , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,058 زائر

الحريري يفضّل الكرامة والمعارضة تريد كرامي

بعد يومين من إسقاط المعارضة للحكومة، وقبل 4 أيام من تبلور حقيقة موازين القوى بين الطرفين الأساسيين في البلد، التي ستظهرها نتيجة الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية الشخصية التي ستكلف بتأليف الحكومة الجديدة، عاد رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري من جولة خارجية شملت نيويورك وواشنطن وباريس وأنقرة، وبدلاً من أن يتوجّه مباشرة للقاء رئيس الجمهورية ميشال سليمان، لتسلم مرسوم تكليف حكومته تصريف الأعمال، أقام مأدبة غداء على شرف أمير موناكو ألبير الثاني، ثم سلك طريق بعبدا عبر كليمنصو، حيث التقى النائب وليد جنبلاط الذي يسعى الجميع إلى كسب رضى أصوات كتلته هذه الأيام.
ويبدو أن اللقاء مع زعيم اللقاء الديموقراطي لم يغيّر حرفاً في بيان مكتوب تلاه الحريري بعد لقائه رئيس الجمهورية، وضمّنه 7 نقاط سمّاها «حقائق»، مهّد لها بالقول إن استقالة وزراء المعارضة تعديل لقوانين اللعبة «وإنهاء مفاعيل الهدنة السياسية، وفتح الباب أمام أزمة حكومية، مجهولة العواقب». ثم بدأ بالنقطة الأولى وهي أن الجهود السعودية ـــــ السورية المشتركة «أدّت دوراً مركزياً في تثبيت الهدنة السياسية في لبنان، طوال الأشهر الماضية»، وأنتجت «مناخاً مؤاتياً لبلورة مجموعة من الأفكار، كانت أساساً موضوعياً وصالحاً لمعالجة التداعيات المرتبطة بعمل المحكمة الدولية، ومواكبة صدور القرار الاتهامي». وهي المرة الأولى التي يستخدم فيها عبارة «التداعيات المرتبطة بعمل المحكمة الدولية».
وحملت «الحقيقة» الثانية اعترافاً حريرياً مباشراً بعهود «قطعناها على أنفسنا» بشأن الأفكار السورية ـــــ السعودية «لا سيما لخادم الحرمين الشريفين، ولكل من كان على صلة بهذه الأفكار أيضاً». واتّهم في المقابل الطرف الآخر بأنه كان يريد حمله «على تقديم تضحيات شخصية ووطنية من دون مكاسب مقابلة للبنان الدولة، الأمر الذي وضع المساعي الأخوية أمام الحائط المسدود».
وفي ما بدا تبرئة له من التعطيل وللسعودية من التعرض لضغوط، أسف لبلوغ المساعي السعودية ـــــ السورية «هذا الطريق المسدود»، مردفاً أن «أيّ جهد سيبذل في هذا السبيل، لا بد من أن يقتدي بالإرادة الطيّبة لخادم الحرمين الشريفين، في العمل مع الرئيس بشار الأسد على مساعدة لبنان، وعدم الركون للتأويلات والشكوك، التي تضع الجهد السعودي تحديداً، في خانة التراجع عن مدّ يد المساعدة للبنان بفعل ضغوط مزعومة».
وخلافاً لحديث فريقه عن «انقلاب قوى 8 آذار»، أكّد الحريري أن قرار وزراء المعارضة الـ11 بالاستقالة هو «حق ديموقراطي في أساس الدستور»، لكنه «تطوّر لا سابق له في تاريخ الحكومات في لبنان». وخشي من أن يتحول «إلى نموذج من فشل اللبنانيين في تأليف حكومات وحدة وطنية»، ورأى في هذه الاستقالة «خروجاً على روح اتفاق الدوحة».
وفي ما بدا تحسباً لانتقال الأكثرية من طرف إلى آخر، ذكّر الحريري بتخلّي فريقه «عن حقوق الأكثرية النيابية في تأليف الحكومة، التزاماً بموجبات الوفاق الوطني»، متحدثاً عن «عاصفة سياسية في الاتجاه المعاكس، ويطلب منا دعاة التوافق قلب المعايير من جديد فتُعطّل جلسات مجلس الوزراء، بذريعة عدم إدراج هذا البند أو ذاك في جدول الأعمال، ثم تأتي المطالبة بالدعوة إلى عقد مجلس الوزراء، ويُحدَّد جدول الأعمال، خلافاً للأصول والدستور». ورأى في ذلك «صيفاً وشتاءً على سطح واحد». وأضاف أنه شخصياً لن يعطي «أياً كان، فرصة الالتفاف على الصلاحيات التي أناطها الدستور برئاسة مجلس الوزراء».
ورأى أن حكومته لم تنجح في ترجمة الوحدة الوطنية في عملها، لكنه أشاد بما سمّاه مقاربة بيانها الوزاري لـ«القضايا الحيويّة الكبرى»، محدّداً «القضايا التي كانت محلّ تجاذب اللبنانيين، ومثّلت العناوين الأساسية للقاءات الحوار الوطني»، في إشارة إلى موضوع السلاح. ورأى أنه لن يكون «لأي حكومة جديدة أن تتجاوز العناوين التي جرى التوافق عليها، أو أن تعمل على تحوير هذه العناوين والتلاعب فيها».
وأعلن أنّه وسائر الحلفاء والأصدقاء، سيشاركون في الاستشارات النيابية ويتعاونون مع رئيس الجمهورية «إلى أقصى الحدود، في سبيل تأليف حكومة جديدة، تلتزم مقتضيات الوفاق الوطني، وتتيح فرصة للبلاد لتغليب منطق العقل على عوامل الاحتقان والتشنج». وشدّد على أن «لا بديل لنا جميعاً من الحوار، وأنّه لن يكون في مقدور أي جهة أن تلغي جهة أخرى في لبنان».
وترك الباب موارباً أمام رغبته في العودة إلى رئاسة الحكومة، إذ أكد التزامه الانفتاح على التعاون مع سليمان «وكل القيادات، على قاعدة الحوار الدائم» لـ«التوصل إلى حلول منطقية لقضايانا المشتركة، مهما كانت شديدة التعقيد»، معلناً في الوقت نفسه أنه لم يكن يوماً ساعياً إلى السلطة بأي ثمن، فـ«بين السلطة كرامة أهلي وأبناء وطني، أختار كرامة لبنان وكرامة اللبنانيين. إن كرامة كل طائفة، وكل مجموعة في لبنان، هي من كرامتي ولن يكون في مقدور أحد دفعي إلى التفريط بهذه الكرامة، مثلما لن يكون في مقدور أي كان، حملي على القبول بما يمكن أن يهدّد وحدة لبنان، أو أن يسيء إلى أي فئة من اللبنانيين». وبعدما استشهد بعبارة والده بأن «لا أحد يمكنه أن يكون أكبر من بلده»، تمنّى لرئيس الجمهورية «التوفيق في معالجة الأوضاع بالحكمة والتروّي والصبر»، ليختم بشكر «كل القيادات والشخصيات والهيئات التي عبّرت عن تضامنها معي».

الثالثة ثابتة؟

وفيما لم يصدر أي تعليق مباشر من قوى 8 آذار على كلمة الحريري، قرأت مصادر في هذه القوى تصعيداً في الكلمة و«استقواءً» غير مباشر بالمذهب الذي ينتمي إليه، خصوصاً حديثه عن صلاحيات رئاسة الحكومة وتخصيصه لـ«كرامة أهلي» قبل «أبناء وطني»، مع الإشارة إلى أن ما لم يقله الحريري مباشرة، حضر صريحاً في مواقف نواب كتلته وحلفائه، بدءاً من «الاختصاصي» النائب محمد كبارة الذي قال إن المسألة لم تعد مسألة الحريري «بل أصبحت تتعلق بكرامة الطائفة السنية وبالعيش المشترك». ورأى النائب هادي حبيش أن بقاء الحريري في رئاسة الحكومة «هو شرط من شروط تجنّب الفتنة السنية الشيعية في لبنان». أما رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع، فذهب إلى حد التحذير من أن عدم تسمية الحريري «هو نفخ بنار الفتنة، فهو مرشح أكبر تكتل نيابي في المجلس وهو يمثل مع حلفائه في الطائفة السنية أكثر من 85% من السنة»، مستغرباً «كيف أن البعض يظهرون أنهم ضنينون بالابتعاد عن أي فتنة ومن جهة أخرى «يحركشون» بأمور تؤدي تلقائياً الى الفتنة»... وكأن المعارضة ستسمّي غير سني لموقع رئاسة الحكومة!
في هذا الوقت، أكد مصادر من المعارضة أن الشخصية التي سيسمّيها نواب قوى 8 آذار والتيار الوطني الحر في الاستشارات النيابية، ستكون من مدينة طرابلس، مرجحة الاتفاق على تسمية الرئيس عمر كرامي لترؤس الحكومة المقبلة. وشددت على أن رفضها لعودة سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة نابع من قرار لا عودة عنه. ولفتت إلى أن المعارضة، إذا تمكنت من تأليف حكومة في وقت قريب، فإنها ستضمّن بيانها الوزاري تعهداً بإلغاء البروتوكولات الموقّعة مع المحكمة الدولية، وهو القرار الذي ستتخذه الحكومة في أول جلسة تعقدها.
ورجحت المصادر أن يحسم النائب جنبلاط موقفه بشأن التصويت إلى جانب المعارضة في الاستشارات المقبلة عقب لقائه اليوم الرئيس السوري بشار الأسد، بعدما وصل مساء أمس إلى العاصمة السورية وتناول العشاء إلى مائدة معاون نائب الرئيس السوري اللواء الركن محمد ناصيف «أبو وائل». وتلفت هذه المصادر إلى أن موقف دمشق يظهر انعدام ثقة القيادة السورية بالحريري، واقتناعاً بأن عودته إلى الحكم ستعني أن العلاقات اللبنانية السورية ستكون في غاية التوتر.
وعلم أن الوزير في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل زار أمس دمشق، حيث التقاه الرئيس الأسد.
وفيما تتجه الأنظار إلى بدء الاستشارات النيابية يوم الاثنين في قصر بعبدا، وعلى ما سترسو عليه أصوات كتلة جنبلاط أو النصف زائداً واحداً منها، واتجاه أصوات نائب زحلة نقولا فتوش، والشماليين الأربعة: نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي وأحمد كرامي وقاسم عبد العزيز، لتحديد الأكثرية الجديدة، اقتصرت اللقاءات والاتصالات الداخلية والعربية، على اتصال تلقاه رئيس الجمهورية من الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، ولقاء بين الرئيس نبيه بري وسفير مصر أحمد البديوي. إضافة إلى لقاء بين النائب ميشال عون والسفيرة الأميركية مورا كونيللي، التي أصدرت بياناً دعت فيه باسم بلادها «جميع الأطراف السياسية إلى التزام الهدوء وممارسة ضبط النفس في هذا الوقت الحرج»، و«العمل معاً لإيجاد حل للقضايا العديدة» عبر التزام «الحوار البنّاء وتجنّب تصعيد التوتر». وأعلنت أن واشنطن ستواصل العمل مع الحريري «كرئيس لحكومة تصريف الأعمال»، وأنها ستستمر في دعم المحكمة الدولية التي هي «مسار قضائي دولي غير قابل للإلغاء، وعملها ليس مسألة في السياسة بل في القانون، واستقالة بعض الوزراء في لبنان لا تؤدي الى تغيير في هذا الوضع». وختمت بالقول: «نتوقع تأليف حكومة جديدة من خلال الإجراءات الدستورية وشراكتنا القوية مع لبنان سوف تبقى ثابتة».

حرقوا ورقتهم الوحيدة

أما باريس (بسام الطيارة) فذهبت أبعد من واشنطن، لأن الحريري هو رئيس الحكومة ورئيس الأكثرية النيابية، حسب تعبير الناطق الرسمي لوزارة الخارجية الفرنسية برنار فاليرو، في ما بدا نوعاً من «إعلان نوايا» يدل على مرشح باريس لرئاسة الحكومة المقبلة، إذ تحت قبّة هذه النوايا المعلنة عُقد لقاء الـ٤٠ دقيقة الليلي بين الحريري والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في الإليزيه. ونقل فاليرو أنّ «الرسائل» التي سمعها الحريري عن «الأزمة التي يجتازها لبنان اليوم» تضمّنت «حث اللبنانيين وممثلي المؤسسات على تأليف حكومة جديدة واحترام المؤسسات والأطر المؤسساتية التي حددها اتفاق الطائف، إضافةً إلى مبادئ الديموقراطية»، وأنه بعد تأكيد حرص فرنسا على «استقرار لبنان واستقلاله»، ذكّر محدّثه بأن «فرنسا تتمسك بالمحكمة الدولية وباستقلاليتها وضرورة متابعة مسارها».
وفسر فاليرو الحديث الفرنسي عن «تأليف مجموعة اتصال» للبحث في ملف لبنان بأنه دعوة للمجتمع الدولي واللاعبين الإقليميين وشركاء لبنان إلى الإسهام في استقرار بلاد الأرز واحترام مبادئ العدل الدولية. وفيما لم يؤكد أي مسؤول فرنسي الشكل الذي يمكن أن تأخذه هذه المجموعة أو عدد المشاركين فيها وعلى أي مستوى، أشار مقرب من الملف إلى أن العمل كان يجري على قدم وساق لإعلان التفاصيل عندما نفذت المعارضة تهديداتها وأسقطت الحكومة، واصفاً ما حصل بأنه «تسرّع من المعارضة» ناتج عن «حشر المعارضة في الزاوية بسبب مقاومة الحريري للضغوط». ورغم أن هذا المصدر يعترف بـ«إيجابية واحدة» لخطوة المعارضة وهي أنها سياسية مئة في المئة، فإنه يراها «مكسباً سياسياً للحريري» يتمثل بتخلصه «من وزر إعطاء ما تطلبه منه المعارضة»، وبالتالي فإن «المعارضة حرقت الورقة الوحيدة التي كانت معها».

Script executed in 0.18268585205078