ولا مكان للوسط بينهما: إما معنا وإما ضدّنا. ساعات ثقيلة تمرّ قبل أن تحلّ لحظة الحسم. أمام القصر الجمهوري، صبيحة يوم الاثنين المقبل، ستكون الصورة قد اكتملت، ومسار الأزمة الداخلية سيكون قد تبلور... والريشة بيد «البيك»... وعليها لمسات دمشقية واضحة.
«البيك» يقود حركة مكوكية، التقى سفراء أميركا وفرنسا والسعودية وسوريا وقطر والامارات وايران. زار السيد حسن نصر الله، ولم يكد الرئيس المستقيل سعد الحريري يعود الى بيروت، حتى كان ينفذ انزالا في كليمنصو. حاول جنبلاط إقناعه بالمبادرة التي طرحها أمام «السيد». عنوانها العام البناء على إيجابيات المبادرة السعودية ـ السورية، ومحاولة الرهان عليها مجددا.. لكن المشكلة التي واجهت جنبلاط أن الحريري لم يتجاوب مع كل ما يتعلق بموضوع المحكمة، وكان جوابه واضحا على أفكار جنبلاط في الكلمة التي كانت مكتوبة مسبقا وموضوعة في جيبه وتلاها بعد وقت قليل من مغادرته كليمنصو من القصر الجمهوري في بعبدا.
أقفلت أبواب بيروت. لا بد من طرق أبواب دمشق، «ابو تيمور» سهر أمس في حضرة «ابو وائل» (معاون نائب الرئيس السوري اللواء محمد ناصيف). اليوم يستقبله الرئيس السوري، ومن بعدها تتضح الخيارات الجنبلاطية. «سيد المختارة» سيكون الى جانب آخرين اعتبارا من الاثنين، أحد عناوين الكتلة السورية في المجلس النيابي وفي أية وزارة مؤجلة.
وعليه، لا بدّ من انتظار وصول «كلمة السر»، عبر «الجيب الجنبلاطي»، بعد عبورها نقطة المصنع الحدودية.
وبالانتظار، لا بدّ من تسجيل الملاحظات الآتية:
أولاً، على مستوى الحزب التقدمي الاشتراكي، ثمة حالة استنفار ميدانيّ استثنائية، تحسّباً لتطورات دراماتيكية غير مستحبة. تعليمات «زعيم» الحزب واضحة، المطلوب ضبط النفس، والشارع، إلى أقصى الحدود. لا بدّ من الاتكاء على «عصا» التنسيق مع بقية القوى في الجبل، من الحزب السوري القومي الاجتماعي، إلى «الحزب الديموقراطي اللبناني» (طلال ارسلان)، مروراً بحزب «التوحيد العربي» (وئام وهاب). أبلغ قياديي «التقدمي» بالفم الملآن: لن أغطّي المشاغبين إذا بلغت الإشكالات الأمنية عتبة الجبل، وعلينا تمرير هذه المرحلة بأقل الخسائر الممكنة. ولهذا فإنه من غير المقبول الردّ على الاستفزازات من أي جانب أتت، ولا بدّ من استيعابها وتطويقها.
التنسيق ذاته، طلب جنبلاط تعميمه على مستوى المشايخ ورجال الدين، بهدف الحفاظ على استقرار الشارع وضمان عدم تعرّضه لأي انزلاقات أمنية.
ثانياً، على مستوى «اللقاء الديموقراطي»، ثمة تواصل مستمر، من خلال لقاءات فردية وجماعية، تجمعه بأعضاء كتلته النيابية، للتداول في آخر المستجدات السياسية، لا سيما أنه لا بدّ من جوجلة المشاورات، وسكبها في قالب قرار واضح، سيوضع في صندوقة الاستشارات النيابية الملزمة التي سيستضيفها القصر الجمهوري.
بعض عناوين اللقاء الذي جمع جنبلاط بالأمين العام لـ«حزب الله» السيّد حسن نصر الله، تليت على مسامع بعض المقرّبين منه. أبلغهم أن اللقاء كان ممتازاً، وأن الصورة ستكتمل بعد زيارته العاصمة السورية، التي سيليها اجتماع موّسع لـ«اللقاء الديموقراطي»، سيكون على أبعد تقدير يوم الأحد المقبل، لفصل الخيط الأبيض عن الأسود...
لا مجال لخربطة العلاقة بين جنبلاط والقيادة السورية و«حزب الله». إعلان صريح ردّده «البيك» على مسامع النواب الذين التقوه خلال الساعات الأخيرة، مؤكداً أمامهم أنه لن يسمح بأي خطوة من شأنها إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، أو تعكير صفو العلاقة التي جهد كثيراً في سبيل إصلاحها وتصحيحها.
تصنيف أصوات الكتلة الجنبلاطية بين حزبية وغير حزبية، من باب توزيعها على جبهتي النزاع، إذا بلغت المواجهة عتبة السرايا الحكومية، لم يغب عن طاولة نقاشات «اللقاء الديموقراطي». وحده مروان حمادة يملك، بنظر المتابعين، فيزا «الانتفاضة» على قرار «اللقاء» إذا مشى هذا الأخير بخيارات سوريا و«حزب الله»، بشكل مخالف لخيارات قوى الرابع عشر من آذار، على اعتبار أن محمد الحجار عضو في «كتلة المستقبل النيابية». وما عدا الاسمين المذكورين، فإن بقية أعضاء «اللقاء الديموقراطي»، قد يكونون «مرغمين وليسوا أبطالاً» في تبني خيار المعارضة. وأي محاولة للتمرّد على القرار «الجنبلاطي»، هي بمثابة انتحار سياسي بالنسبة لهؤلاء، الذين يستظلون المظلة التمثيلية للمختارة، كما يقول المتابعون.
جنبلاط بنفسه، همس خلال الساعات الأخيرة أمام بعض من التقاه من النواب، أن حجّة عدم قدرته على «المونة» على بعض النواب المسيحيين في كتلته، قد لا يسري مفعولها بعد اليوم، وقد لا تُصرف في «بنك» القيادة السورية... عذر يدنو من توصيفه بالذنب، الذي قد لا يجد له من يغفره، وفق بعض المعارضين.