أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

سباق الأكثريّات الضعيفة: كرامي الأوفـر حظّاً إلّا إذا...

الإثنين 17 كانون الثاني , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,885 زائر

سباق الأكثريّات الضعيفة: كرامي الأوفـر حظّاً إلّا إذا...

تتّسم الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية الرئيس المكلف تأليف الحكومة، في جولتيها المقرّرتين اليوم وغداً، ببعد غير مسبوق مذ بدأ العمل بها لأول مرة عام 1990، مع حكومة الرئيس عمر كرامي. وتجعل المفارقة أنه المرشح الأكثر احتمالاً لترؤس الحكومة الجديدة ـــــ وهي حكومته الثالثة ـــــ في ظلّ استشارات تتخذ طابع التنافس والتلاعب بالغالبية النيابية، والمواجهة التي لا تقتصر على التكليف

، بل تشمل أيضاً التأليف. وأكثر من أيّ وقت مضى، تجد الغالبية النيابية، التي لا تزال قوى 14 آذار تمسك بزمامها منذ نتائج انتخابات 2009، نفسها أمام امتحان الصمود أو التفكك، من غير أن يترافق ذلك مع انقلاب حقيقي في أوزان القوى الممثلة في مجلس النواب، الموزّعة على قوى 8 و14 آذار، بل لن يتعدّل انتقال الغالبية من كفة إلى أخرى، إذا صحّت حسابات المعارضة، إلّا بفارق ضئيل لا يتجاوز ثلاثة أصوات قد تكون كفيلة، ربما، بتوفير أكثرية نيابية لتسمية الرئيس المكلف، لكن من غير أن تكون كذلك عند مثول الحكومة الجديدة أمام مجلس النواب لنيل الثقة، إذ تحتاج عندئذ إلى الأكثرية المطلقة، الضائعة بين بعض نواب رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ونواب مستقلين آخرين.
لم يُواجه أيّ ممّن ألّفوا الحكومات المتعاقبة تبعاً لأحكام المادة 53، المتصلة بتسمية الرئيس المكلف في استشارات نيابية ملزمة، تنافساً بسخونة تتجاوز المرشح إلى الاستحقاقات التي تنتظره، وخصوصاً في مسألة شائكة كالمحكمة الدولية. لم يخبر الرؤساء سليم الحص ورفيق الحريري وعمر كرامي ونجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة هذا التنافس، ولا طبعاً قبلهم الرئيس رشيد الصلح. فسمّوا رؤساء مكلفين بصفتهم مرشحين وحيدين كانوا يضمنون غالبية الأصوات، ما خلا التباساً رافق استشارات 1998 لتكليف الحريري الأب ارتبط بتفويض أصوات إلى رئيس الجمهورية لا يملك أن يجيّرها، ولا أن يحسبها في عداد النواب المستفتين. وهو التباس كان قد بدأ لأول مرة في استشارات 1995 مع الحريري الأب أيضاً، لكنه لم يُثر ضجة.
لكنّ الأمر لا يبدو كذلك مع الرئيس سعد الحريري، إذ يبدو، وحلفاءه، واثقين بإعادة ترؤسه الحكومة الجديدة، مقدار وثوقهم أيضاً بأنّ صوتاً أو اثنين كافيان لتقويض صورة زعامته كمرشح لرئاسة الحكومة وزعيم الغالبية النيابية، يخسر معركة سياسية ترتبط بالدعاية التي كانت قد رافقت عودته إلى السرايا الحكومية كوارث لوالده، وكمتصلّب في الإصرار على المحكمة الدولية وصدور القرار الاتهامي.
تسبق اليوم الأول الطويل من الاستشارات النيابية الملزمة، اليوم، المعطيات الآتية:
1 ـــــ أبلغ جنبلاط دمشق والأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله أنه وثلاثة نواب حزبيين (غازي العريضي ووائل أبوفاعور وأكرم شهيب) سيقترعون إلى جانب المعارضة في تسمية الرئيس المكلف، وهو أمر محسوم بالنسبة إليه. ولم يسعه إلّا أن يعد ببعض نواب اللقاء الديموقراطي للانضمام إلى موقفه إذا مارس ضغوطاً عليهم، كأنطوان سعد وهنري حلو وإيلي عون، متجنّباً طلب موقف مماثل من ثلاثة نواب (الحزبي علاء الدين ترو لأسباب تتصل ببيئته السنّية، ومروان حمادة وفؤاد السعد). أما النائب نعمة طعمة، فاستُدعي على عجل صباح أمس إلى الرياض للبحث معه في موقفه من تسمية الرئيس المكلف.
والواضح أن الآمال التي سيظلّ جنبلاط يعلقها، في الساعات القليلة المقبلة، على إمكان التفاهم مع الحريري على عودة مشروطة إلى رئاسة الحكومة، تقترن بتخلّيه عمّا أحجم عن الإقدام عليه حتى الآن، تتوخى أيضاً إبقاء التوازن الداخلي قائماً، فلا يأتي كرامي على رأس حكومة جديدة في ظروف مشابهة لترؤس الحص حكومة 1998، وكرامي حكومة 2004، في حمأة مواجهة مع الحريري الأب آنذاك، وقد التصق به الشارع السنّي.
2 ـــــ راهن جنبلاط في الاجتماع الذي عقده في دمشق السبت الماضي، مؤيَّداً من رئيس المجلس نبيه بري، على إبقاء الحريري على رأس الحكومة شرط التزامه بنود التسوية السعودية ـــــ السورية بتعهّد مسبّق، وتحديد آلية مباشرة تنفيذها كي يعود جزءاً من الحلّ، لا سبباً آخر في المشكلة. الأمر الذي لم يُوح الحريري بعد بأنه على استعداد للمضي فيه.
بيد أنّ جواب القيادة السورية كان أنها لا تأمل مثل هذا التعهّد بعدما تخلى أحد أطراف التسوية ـــــ وهم السعوديون ـــــ عنها عندما نعوها وأبلغوا دمشق وقف استمرارهم فيها. يشير ذلك أيضاً إلى عدم حماسة سوريا لعودة الحريري إلى رئاسة الحكومة في ضوء علاقتها المقطوعة تماماً به منذ أشهر.
3 ـــــ أبلغ نواب طرابلس الأربعة (ميقاتي والوزير محمد الصفدي وأحمد كرامي وقاسم عبد العزيز) الحريري أنهم لن يسمّوه لرئاسة الحكومة، إلّا أنهم لن يسمّوا سواه، وهم تالياً سيشاركون في الاستشارات النيابية الملزمة من غير أن يتّخذوا موقفاً، فلا تحتسب أصواتهم عندئذ. في المقابل حسم النائب نقولا فتوش خيار الوقوف في صف المعارضة، بينما يتّسم موقف النائب ميشال المرّ بغموض، وإن رجّح بعض أوساط المعارضة انضمامه إلى قوى 14 آذار وترشيحه الحريري، إلّا أنها أحجمت عن الاتصال به لاستكشاف موقفه: لا سوريا تحبّذ الوقوف على رأيه، ولا حزب الله ولا الرئيس ميشال عون يريدان فتح حوار معه.
4 ـــــ رغم أنه يتصدّر قائمة من ثلاثة مرشحين محتملين لرئاسة الحكومة، في حساب المعارضة، مع النائب السابق عبد الرحيم مراد والدكتور عبد الرحمن البزري، فإنّ كرامي يبدو أنه أضحى مرشح المعارضة لتبوّء المنصب بعدما ضمنت هذه ـــــ في ضوء حسابات الساعات الأخيرة ـــــ أكثرية نيابية لا تمثّل بالضرورة الأكثرية المطلقة لإمرار تسميته وترجيحه على الحريري، إذا مضى في ترشيح نفسه للمنصب. بذلك تواجه الاستشارات النيابية الملزمة، منذ مساء أمس وربما في الساعات المقبلة، امتحان وجود منافسين لترؤس الحكومة بفارق ضئيل للغاية من الأصوات.
ولعلّ المفارقة في الأمر أنّ كرامي والحريري ذهبا ضحية حكومة إما كانت أضعف من مقدرتها على المواجهة، أو كانا أضعف من مقدرتهما على الصمود. سقطت حكومتا كرامي عامي 1992 و2005، الأولى في الشارع بتواطؤ سوري مهّد للانتخابات النيابية عام 1992 ووصول الرئيس رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة، والثانية في مجلس النواب بعد اغتيال الحريري الأب وعجزها عن مواجهة انتفاضة المعارضة حينذاك، فيما سقطت حكومة الحريري من داخل مجلس الوزراء.

Script executed in 0.17536997795105