أكثر من سبب كان وراء إصدار رئاسة الجمهورية، أمس، بياناً أعلنت فيه تأجيل الاستشارات النيابية الملزمة أسبوعاً، وتخفّت وراء المصلحة الوطنية لتبرير التأجيل.
منذ السبت (15 كانون الأول)، تخبّطت المعارضة في تقديرات متناقضة عن مقدرتها في الحصول على غالبية نيابية تمكنها، في الاستشارات النيابية الملزمة، من تسمية الرئيس المكلف تأليف الحكومة الجديدة. وكانت قد حسمت، منذ أعلنت استقالة وزرائها الأربعاء (12 كانون الثاني)، عدم ترشيحها الرئيس سعد الحريري مجدّداً لترؤس الحكومة الجديدة. كانت قد استندت إلى معطيات أقواها تعويلها على أصوات سيأتيها بها رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط من حزبه، ومن اللقاء الديموقراطي، لانتزاع الغالبية النيابية من قوى 14 آذار. بيد أن هذا التعويل لم يكن في محله:
1 ـــــ في اجتماعهما الأخير الخميس (13 كانون الثاني)، غداة إسقاط المعارضة حكومة الحريري، سأل الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله الزعيم الدرزي عن الوضع الذي سيكون عليه نواب اللقاء الديموقراطي في الاستشارات النيابية الملزمة، فأكد له أنه لا يسعه سوى أن يضمن ـــــ إليه ـــــ ثلاثة نواب حزبيين يصوّتون مع المعارضة.
كان جنبلاط قد أبلغ هذا الموقف إلى القيادة السورية سابقاً، عندما طرح إمكان إعادة مناقشة موضوع المحكمة الدولية وبروتوكول التفاهم مع الأمم المتحدة في مجلس النواب، ومدى توافر أكثرية نيابية للتصويت على تجميد البروتوكول، فجزم أيضاً بأربعة نواب. وبرّر جنبلاط الموقف بانتماءات مختلفة لأعضاء اللقاء الديموقراطي، بعضها مناطقي والبعض الآخر سياسي، يجعلهم يلتصقون بقوى 14 آذار ولا يتخلون عن الأكثرية النيابية الموالية.
2 ـــــ مساء الجمعة (14 كانون الثاني)، قصد جنبلاط دمشق واجتمع بمعاون نائب رئيس الجمهورية اللواء محمد ناصيف، وعزاه بشقيقه الأكبر، وأعاد التأكيد له أنه، في أحسن الأحوال، لن يتمكن إلا من تجيير أصوات أربعة نواب حزبيين، هو أحدهم، إلى المعارضة. ثم أعاد الموقف نفسه أمام الرئيس السوري بشّار الأسد اليوم التالي السبت.
إلا أن بضع إشارات أرسلت إلى جنبلاط لاحقاً، عبر قنوات غير مباشرة لم يكن حزب الله ودمشق بعيدين عنها، مفادها أنه لا أحد بحاجة إلى الأصوات الأربعة التي وعد بها بسبب عدم جدواها في ضمان انتقال الغالبية من مكان إلى آخر، وخصوصاً أن التعويل هو على أصوات اللقاء الديموقراطي، لا على النواب الحزبيين.
3 ـــــ منذ ما بعد ظهر السبت (15 كانون الثاني) حتى بعد ظهر الأحد، كانت الصورة قد اكتملت لدى قيادات المعارضة: لا أكثرية نيابية في حوزتها تمكنها من كسر ترشيح الحريري لرئاسة الحكومة، وتأمين تسمية سواه، رغم أن الرئيس عمر كرامي بات في الخيارات المفتوحة لقيادات المعارضة الأوفر حظاً. لكن حصيلة أكثر من بوانتاج أجري في أكثر من مكان، من بيروت إلى دمشق، أبرز أن رئيس حكومة تصريف الأعمال لا يزال الأقوى، والأكثر قدرة على فرض إعادة ترشيحه لرئاسة الحكومة الجديدة.
على نحو المعارضة، كان الحريري يتحوّط من احتمال فقدان الغالبية النيابية، تحت وطأة الضغوط المتبادلة بإزاء المواجهة بينه وقوى 8 آذار.
وبعد زيارة السفيرة الأميركية مورا كونيلي للنائب نقولا فتوش في زحلة الأحد، في محاولة لثنيه عن مغادرة الغالبية النيابية وتقديم دعم مباشر لرئيس حكومة تصريف الأعمال، أوفد الحريري إلى فتوش النائب السابق غطاس خوري، حاملاً عرضاً مغرياً هو توزير نائب زحلة في الحكومة المقبلة لقاء البقاء في صفوف قوى 14 آذار. لم يؤيد فتوش العرض بعدما كان قد حسم أمره بالتصويت إلى جانب المعارضة. سرعان ما أطلع دمشق على عرض الحريري. كان فتوش الصوت الوحيد الذي اجتذبته المعارضة من الغالبية، كي ترفع عدد نوابها من 57 نائباً إلى 58 نائباً.
بدورها، أحاطت التكهّنات بموقف النواب السنّة الطرابلسيين الأربعة (الرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي وقاسم عبد العزيز وأحمد كرامي) الذين كانوا قد أبلغوا إلى الحريري أنهم لن يسمّوه ولن يسمّوا سواه لرئاسة الحكومة، متخذين موقف الحياد. إلا أن احتفاظ الحريري بالغالبية النيابية وإخفاق المعارضة في انتزاعها منه، من شأنها إرباك النواب الطرابلسيين الأربعة وإخراجهم من الحياد كي يدلوا في نهاية المطاف بأصواتهم في حساب قوى 14 آذار.
4 ـــــ في ظلّ الانقسام الحاد بين طرفي النزاع، فإن تكليف الحريري ترؤس الحكومة الجديدة، في حصيلة مواجهة قاسية في الأصوات بينه وبين حزب الله وحلفائه، حمل رئيس الجمهورية ميشال سليمان على اتخاذ قرار تأجيل الاستشارات النيابية الملزمة، في اتصالات متسارعة بين ليل السبت وليل الأحد، لم تكن العاصمة السورية في منأى عنها، وكذلك أفرقاء رئيسيون في قوى 8 آذار.
واستند الرئيس إلى المبرّرين الآتيين:
ـــــ لا يفضي التكليف الاستفزازي إلا إلى مزيد من التصعيد. كذلك فإن فوز الحريري بالتكليف، في ظلّ إصراره على رفض التجاوب مع الشروط التي طلبها منه حزب الله حيال المحكمة الدولية والقرار الاتهامي ـــــ وهو ما يتمسّك به الحريري ـــــ سيضع البلاد في وضع دستوري بالغ التعقيد: الحريري رئيس حكومة تصريف الأعمال، وفي الوقت نفسه رئيس مكلف تأليف الحكومة الجديدة غير المقيّد بمهلة دستورية محدّدة للتأليف، ما يجعله يقبض على الاستحقاق الحكومي بقوة، ولا يسع رئيس الجمهورية عندئذ إرغامه على استعجال إنجاز مهمته: يحتفظ بالتكليف، ويجمّد التأليف.
لم يؤلف الرئيس فؤاد السنيورة حكومته الثانية عام 2008، إلا بعد 44 يوماً على تكليفه. ولم يؤلف الحريري حكومته الأولى عام 2009، إلا بعد 135 يوماً على تكليفه.
ـــــ أبلغ رئيس الجمهورية إلى رئيس حكومة تصريف الأعمال أنه لن يكون في وارد إصدار مراسيم حكومة تتسم بلون سياسي واحد، في ردّ على ما أشاعه بعض أفرقاء 14 آذار من أن فوزهم بتكليف الحريري ترؤس الحكومة الجديدة، في ضوء سيطرتهم على الغالبية النيابية، سيحملهم على إملاء شروطهم على الفريق الآخر لدى التأليف، بما في ذلك رفض إعطاء المعارضة ـــــ إذا رغبت في المشاركة ـــــ الثلث +1 في نصاب مجلس الوزراء.