شعار «أولويات الحكومة ـ أولويات المواطنين» الذي رسم صورة وردية، متوهمة وزائفة لمستقبل لبنان أمسى أثراً بعد عين. كأنما الشعار لم يطرح أصلاً. كأنما القصد منه اقتصر على اللعب على الكلام لا أكثر ولا أقل. كل الأطراف تدعي لا علمها بالموضوع، أو أقله بآليات تنفيذه! فكيف لعاقل أن يصدق أن ائتلافاً طائفياً هجيناً وغير قابل للحياة أكثر من بضعة شهور، وبقدرة قادر، بمقدوره الاستجابة لحاجات المواطنين وتلبية مطالبهم الملحة؟! المواطن مصدوم وتكاد عيناه لا تصدق ما تراه، كأنما العالم بأسره اجتمع عليه وهو غير دار بشيء، حتى بنفسه.
هذا من جهة. ومن جهة ثانية، ليس من يسأل عن السبل المتاحة لتجنب أسوأ الاحتمالات والسيناريوهات. هي تلوح في الأفق ولا بديل منها إلا ما هو أسوأ وأشد قتامة. كما أن الاقتصاد هذه المرة ليس بمنأى، ولن يكون بمستطاع مسؤولي مختلف القطاعات والهيئات والمؤسسات الرسمية والخاصة الشعور بالزهو والتغني بقدرة لبنان السحرية على اجتناب أبشع فصول الأزمة المستفحلة. هذه الأزمة لبنانية المولد والهوية، وتداعياتها ومضاعفاتها لن تكون إلا لبنانية وستطاول كل مستويات البنية الاقتصادية والاجتماعية. هي، إذاً، أزمة ذات طبيعة طائفية ـ سياسية بيد أن نتائجها الاقتصادية ـ الاجتماعية مدمّرة.
بعبارة أخرى لا يملك اللبناني العادي إلا أن يدعو لمن يسمع بأن يرأف بأحواله، فما هو مقبل في الآتي من الأيام لا يشبه في طبيعته الكارثية، ولو قليلاً، ما قد خبره طوال السنوات الفائتة.
رئيس نقابة أصحاب المؤسسات السياحية بيير الأشقر لا يخفي قلقه مما هو مقبل على لبنان على المدى القصير والمتوسط والطويل.. فمنذ اللحظة الأولى لاستقالة الحكومة، وما رافقها من أجواء مشحونة وموتورة، والانتظار القلق للقرار الظني، وانعكاسات صدوره المحتملة على الوضعية اللبنانية، لا تشي بالاطمئنان لمستقبل زاهر، خصوصاً أنها تركت، ولا تزال، أثراً سلبياً على البلد وقطاعاته الاقتصادية كافة، على ما يقول الأشقر لـ»السفير».
وعما إذا كان ما رشح عن حصول بعض التحركات الشعبية المتنقلة وذات الدلالات الأمنية الفاقعة، سيترك أثره على القطاع السياحي عموماً والفندقي خصوصاً، يقول الأشقر «لم نرصد بعد رد فعل مباشراً على مستوى القطاع السياحي لما حصل صباح أمس. بيد أن ما هو بحكم المؤكد أن أي أمر مماثل سيشكل ضربة موجعة للقطاع مستقبلاً». ويردف «منذ فترة ونسبة الإشغال في الفنادق مستقرة عند الـ50 في المئة، أكثر أو أقل بقليل. والشهر هذا، على ما هو معلوم، شهر ركود على الدوام. لكن الأرقام التي وصلتنا في الساعات الأخيرة تفيد بأن نسبة الإشغال الفندقي تراجعت إلى حوالى 43 في المئة منذ إعلان الاستقالة من الحكومة. أي بتراجع 7 إلى 8 في المئة، وهي نسبة ليست ضئيلة، وإذا ما توالت الأمور بالوتيرة ذاتها فسيكمل الانخفاض في الاتجاه عينه.
ويشدّد الأشقر على أن ما يجري إذا تواصل، سيلحق أضراراً بالغة بحوالى 135 ألف عائلة تعمل في القطاع السياحي (حوالى 400 ألف مستفيد على عاتقهم)، ينتمون إلى كل الفئات والمناطق اللبنانية بلا استثناء. ويضيف أن الاستقرار يشكل العصب الأساسي للقطاع السياحي. ويلفت إلى أن التخوف المتنامي الذي يبديه ممثلو القطاع الفندقي وأصحاب الشقق المفروشة، إنما يخفف من وطأته بعض التصريحات الايجابية والمطمئنة، لا سيما تلك التي صدرت على لسان قائد الجيش جان قهوجي، والتي طمأن فيها إلى أن الجيش لن يسمح بحدوث أي خلل أو فلتان أمني.
موسم أكثر من ميت!
أما رئيس نقابة أصحاب مكاتب وكالات السياحة والسفر جان عبود، فيتحدث عن أوضاع الحجوزات بنبرة من ابتلي ببلاء عظيم. فالقطاع منذ النصف الثاني من كانون الأول «لم يضرب ضربة»، بحسب ما يقول عبود.
في الأصل الموسم ميت، والحركة اليومية ضعيفة جداً، يضيف، لكن الأمور ازدادت سوءاً، بفعل ما يجري في البلاد والعباد على حد سواء.
ويستطرد عبود في شرح المقدمات التي مهدت لما وصلنا إليه. ففي النصف الأول من شهر كانون الأول كان الشغل جيداً، لكن النصف الثاني شهد تراجعاً ملموساً، مع تصاعد حدة الأزمة اثر الأنباء التي وردت بقرب صدور القرار الظني، حتى بلغت حداً قريباً من الذروة مع استقالة فريق الثامن من آذار من الحكومة.
في العادة، وفي مثل هذا الوقت من كل سنة، يكون الموسم ميتاً والركود سيد الموقف، يوضح عبود. بيد أن مكاتبنا لا تتوقف، بطبيعة الحال، عن تلقي الاتصالات المستفسرة عن الحجوزات لفترة الأعياد والمواسم خصوصاً. ما يجري اليوم، يعلق عبود، أن هواتفنا لا ترن حتى! وبرأي عبود: التراجع المسجل على مستوى بيروت والمناطق، يتخطى بكثير ما هو محقّق في بيانات السنوات العديدة الفائتة.
مخزون المواد الغذائية كافٍ
«لم نسجل أية مظاهر لحركة غير عادية واستثنائية في مختلف التعاونيات الاستهلاكية، سواء اليوم أو من قبل حتى». هكذا يصف رئيس نقابة أصحاب السوبر ماركت نبيل فهد الوضع في مختلف التعاونيات، نافياً بعض الهواجس التي تصاعدت من هنا وهنـــاك، حول وجود حركة غير عادية وطلب استثنائي على مختـــلف أصــناف المواد الغذائية والاستهلاكية، بفعل الهلع والذعر الذي دب في نفوس المواطنين بعد التحرك الأخير الذي حصل أمس.
لا طلب متناميا بغية التموين، يؤكد فهد. فحركة الأسواق طبيعية، وهناك بعض الجمود الذي يسجل في العادة في مثل هذه الفترة من كل سنة، بعد انقضاء فترة الإجازات والأعياد. هذا فضلاً عن تأثير الطقس المتقلّب على حركة الناس والمتبضعين خاصة. ويلفت فهد إلى أن التجار يتحرقون شوقاً لحصول حركة طلب غير عادية في الأسواق، كون فترة الجمود استطالت، مؤكداً أن الأسعار لن تتأثر صعوداً بفعل تزايد الطلب، بل على العكس التجار يجرون عروضات وخفوضات على مختلف السلع ابتغاء اجتذاب الزبائن، وخصوصاً على اللحوم والخضار والفاكهة.
وعما إذا كان مخزون المواد الغذائية المتوافر يكفي حاجات المواطنين، يؤكد فهد «هناك مخزون كاف لدى التعاونيات والشركات المستوردة والتجار لتغطية أية زيادة غير طبيعية في الطلب مهما كان حجمها».