أكدت وقائع الساعات الأخيرة وتطوراتها أن الحل لا يزال يدور في حلقة مفرغة، على الرغم من الجهود التي بذلها رئيس الوزراء القطري محمد بن جاسم ووزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو في الثماني والأربعين ساعة الماضية إلى بيروت في ضوء مقررات قمة دمشق الثلاثية.
عراقيل متعددة
وبدا أمس أن هذه الجهود تصطدم بعراقيل ناجمة عن أسباب خارجية وداخلية، ففريق 14 آذار الذي بقي متشدداً تجاه اتفاق الحل وتطبيقه سارع أيضاً إلى إصدار المزيد من المواقف التصعيدية لا سيما في بيان أمانته العامة الذي طاول إيران مباشرة ولم تسلم منه دمشق أيضاً، مستكملة الحملة على المعارضة وحزب الله.
أما في الخارج فقد أثار موقف وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل للتلفزيون السعودي قلقاً ممزوجاً بالتساؤلات حول خلفية هذا التصريح وأسبابه.
وكان هذا الأمر موضع الاهتمام لدى الأوساط السياسية والشعبية أمس، وقوبل باستغراب واستهجان لا سيما أنه تضمن مواقف تشكل صدمة للأوساط المراقبة إن لجهة حديثه عن رفع اليد السعودية عن مساعي التهدئة في لبنان أو لجهة حديثه عن الانفصال والتقسيم وهو ما وجدته الأوساط المراقبة غير مبرر وغير مفهوم.
استغراب
وقد برز هذا الاستغراب في لقاء الأربعاء النيابي أمس في عين التينة، إن خلال ما عكسه النواب في تصريحات مباشرة، أو من خلال أوساط الرئيس بري التي لم تُخف استغرابها مثل هذا الكلام.
ويبدو أن أصداء هذا الموقف قد ولّدت تداعيات على غير مستوى خصوصاً أن القمة الثلاثية كانت قد حرصت كما هو معلوم على الاتصال بالقيادة السعودية قبل التحرك نحو لبنان.
وهذا ما استدعى إجراء رئيس الوزراء القطري أمس اتصالاً بالوزير السعودي الفيصل حيث أطلعه على نتائج اللقاءات التي أجريت في لبنان كما أعلن عن اتصال بين رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري وسعود الفيصل وأذيع على اثره بيان بأن الوزير السعودي أعرب عن تأييده الجهود الجارية من دون أن يتضمن ذلك أي توضيح آخر.
قطع طريق
وكانت مصادر سياسية قد ذهبت إلى أبعد من ذلك في تفسيرها مواقف الفيصل وصولاً إلى اعتبارها بمنزلة قطع طريق على التحرك القطري ـ التركي ونعي للمبادرة العربية المتمثلة بالمسعى السوري ـ السعودي بشكل كامل.
ورأت مصادر أخرى في كلام الفيصل ما يشبه التشجيع للحريري وفريقه على السير في الخيارات الأميركية ورفض أي تسوية قد تتقدم بها تركيا وقطر. ولاحظت المصادر أن كلام الفيصل يمكن تفسيره بأحد أمرين: إما أنه جرت محاصرة الملك عبدالله وفريقه داخل العائلة المالكة في السعودية. وإما أن القيادة السعودية مجتمعة بما في ذلك تيار العاهل السعودي لا تريد الاعتراض على الموقف الأميركي المعرقل للتسوية في لبنان.
"المستقبل": قلق وعدم فهم
من ناحيتها أبدت أوساط تيار المستقبل قلقها من إعلان الفيصل رفع يد القيادة السعودية عن لبنان، محذراً من تقسيمه. وكان القلق بادياً في ما قاله مسؤول إعلامي في "المستقبل" لدى سؤال "البناء" له عن تعليق قيادته على تصريح الفيصل فأعرب عن تفاجؤ فريقه السياسي والحزبي به كما عن تشاؤمهم بمضمونه. كاشفاً عن عدم فهم بعض نواب كتلة المستقبل له من جانب، وتفسيرهم التشاؤمي له من جانب آخر. وفسر المسؤول "المستقبلي" تصريح الفيصل على قاعدة تزعزع الثقة بين الطرفين، نتيجة "سوء فهم" متبادل لبعض المعطيات الأخيرة. لكون الملك السعودي غائباً كلياً عن تطورات الأيام الأخيرة وأنه أبلغ بنتائجها من الوزير الفيصل ونجله عبد العزيز في مقر نقاهته في الولايات المتحدة الأميركية.
وأعرب المسؤول الإعلامي في تيار المستقبل لـ"البناء" عن وجود اعتقاد راسخ لدى قيادة تياره عن استفادة بعض المتضررين من مواقف الرئيس سعد الحريري والمنتقدين لها في المرحلة الأخيرة على صعيد مساعي التسوية السورية ـ السعودية من غياب الملك عبدالله عن البلاد وانهماكه بمعالجة صحته، ليفتح كل جناح منهم قنوات خاصة صبت نتائج معظمها في خانة تحميل الحريري مسؤولية الوضع الحالي. باستثناء نائب وزير الدفاع الأمير خالد بن سلطان الذي يخوض مواجهة مفتوحة مع شقيقه بندر حول الملف اللبناني إلى حد تدخل والده ولي العهد الأمير سلطان والطلب إليه التوقف عن استقبال شخصيات لبنانية مناوئة للحريري، ومنها من ينتمي إلى الطائفة السنية وهو في وضعية وسطية بين فريقي 8 و14 آذار.
كما كشف المصدر الإعلامي عن الإرباك الذي أصاب الرئيس فؤاد السنيورة لدى سماعه تصريح الوزير الفيصل، محاولاً الاستفسار منه عن الأبعلاد التي يرمي إليها كلامه، لكنه لم يوفق بالاتصال الهاتفي رغم المحاولات المتكررة، ولم ينف المصدر إجماع المسؤولين المتحدرين من العائلة المالكة السعودية على الاستياء من كلام الحريري للجنة التحقيق الدولية عن وزير الداخلية السعودي الأمير محمد بن نايف، الذي تعتبره العائلة الحاكمة بكل فروعها صمام أمان النظام السعودي وحاميه، كما أنه لم ينف عدم عودة العلاقات بين الحريري والعائلة المالكة السعودية إلى سابق عهدها بسهولة لأن الحريري تلقى أيضاً معلومات جدية عن استياء أمراء من آل سعود من محاولته الأخيرة الاستعاضة عن الدعم السعودي المتقلب له بدعم تركي أثناء زيارته إلى أنقرة منذ أيام. وعدم دعوة القيادة السعودية إلى قمة دمشق التي ضمت سورية وتركيا وقطر منذ ثلاثة أيام.
حزب الله غير قلق
من جهته رفض حزب الله التعليق على تصريح الفيصل، مكتفياً بإظهار عدم مبالاته وارتياحه، وقال مصدر نيابي في كتلة الوفاء للمقاومة لـ"البناء" أنه شخصياً غير قلق من تصريح الفيصل بالإضافة إلى عدم صدور توجيه قيادي لأفراد الكتلة إزاءه. ونفى المصدر النيابي في حزب الله وجود تفاؤل ملموس لدى قيادته بنتائج إيجابية للجهود القطرية والتركية، معتبراً أن الأمر لم يخرج حتى اللحظة عن إطار التمنيات.
ولذلك رجحت المصادر أن تذهب الأمور نحو مزيد من التأزم في الأيام المقبلة، ما يعني أن كل الخيارات ستصبح واردة.
ونقل عن أوساط عربية قولها: "إن كلام الفيصل يحمل دلالات خطيرة ومنها أن هناك محاولة سعودية لدعم فرنسا في إنشاء مجموعة دعم دولية، ما يدول قضية لبنان. وكذلك يهدف إلى التشويش على المسعى القطري ـ التركي".
مسودة مشروع
أما على صعيد نتائج مهمة حمد وأوغلو، فإن الأجواء بحسب وصف مصدر مطلع لـ"البناء" بقيت على حالها، لكن الجديد هو أنه بدأ البحث في مسودة مشروع حل يستند إلى الحل السوري ـ السعودي ويتضمن نقاطاً إضافية تتعلق بجوانب الأزمة السياسية اللبنانية.
وقالت المعلومات إن هذا الأمر اعتبر إشارة إيجابية يمكن التأسيس عليها ولذلك، مدد حمد وأوغلو مهمتهما يوماً آخر بعد أن كانا سيغادران بيروت في وقت متأخر من ليل أول من أمس أو فجر أمس اثر لقائهما الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله.
ووفق المعلومات أيضاً فإن مشاورات مكثفة أجراها الرجلان عبر أكثر من شكل نهار أمس وحتى المساء مع الرئيسين بري والحريري والسيد نصرالله.
وواكبت ذلك بحسب المعلومات مشاورات مكثفة داخل فريق 14 آذار وداخل فريق المعارضة.
أزمة الاستشارات
إزاء هذا التحرك، لم تتحدث معلومات مصادر سياسية عليمة عن إمكان حصول خرق في جدار الأزمة المستعصية التي دخلتها البلاد بعد إسقاط الأميركي وحلفائه للتفاهم السوري ـ السعودي. ورجحت أن تعود أزمة الاستشارات الأسبوع المقبل إلى ما كانت عليه قبل تأجيلها يوم الاثنين الماضي. مع عدم وجود أي احتمال للوصول إلى مخرج حول الاستشارات أو حول الأزمة القائمة.
وأوضحت المصادر أن الأمور يبدو أنها تتجه نحو أحد خيارين يوم الاثنين المقبل، فإما أن يعاد تأجيل الاستشارات مرة جديدة إفساحاً في المجال أمام المسعى السوري ـ التركي ـ القطري وأما أن تتم تسمية رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري من جديد بأكثرية قد تصل إلى 66 صوتاً مشيرة في هذا السياق إلى أن النائب وليد جنبلاط ما زال في اتجاه تسمية الحريري رغم المساعي التي بذلت معه مؤخراً.
وضع خطير
وكان الفيصل قد وصف أمس الوضع في لبنان بالخطير، محذرا من وصول الامور الى الانفصال وتقسيم لبنان.
ونقلت قناة "العربية" عن الفيصل قوله ايضا عن الوضع اللبناني: خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز اتصل مباشرة بالرئيس السوري بشار الاسد، فكان الموضوع بين الرئيسين بالالتزام بانهاء المشكلة اللبنانية برمتها، ولكن لم يحدث ذلك، وقال خادم الحرمين الشريفين انه رفع يده عن لبنان.
ورداً على سؤال بشأن رؤيته إلى الوضع في لبنان بعد هذه المحاولات، أجاب الفيصل:
ـ الوضع خطير، فقد وصلت الامور الى الانفصال، تقسيم لبنان. انتهى لبنان كدولة تحتوي على هذا النمط من التعايش السلمي بين الاديان والقوميات والفئات المختلفة.
حزب الله والانتشار الأمني
على صعيد آخر، وانسحاباً على الانتشار الذي نفذته المقاومة صباح أول من أمس، كشفت مصادر مطلعة لـ"البناء" أن الهدف المركزي لهذا الانتشار المرئي الذي نفذته المقاومة عند مداخل العاصمة كان لإرسال رسالة للذين يستقدمون بعض الأصوليين العرب إلى لبنان في الآونة الأخيرة بأن المقاومة ترصد كل شيء، وهي تعمدت نشر عناصرها في أماكن محددة ليراهم المستقدمون قبل أن ينزلوا في فنادق باتت مراقبة بإحكام من قبل المقاومة والمؤسسات الأمنية الرسمية.
وقال المصدر "نحن نعلم بكل تحركات هؤلاء وتأتينا المعلومات من قنواتنا الخارجية عن تحركاتهم وخططهم قبل أن يصلوا إلى لبنان، وبالتالي فهم تحت مراقبتنا الدقيقة وسنفقدهم عنصر المفاجأة والقدرة على المبادرة في أي وقت يحاولون فيه التحرك" وعبّر المصدر عن ارتياح المقاومة لوضعيتها الداخلية وهي جاهزة لإحباط أي محاولة لزعزعة الاستقرار وإحداث الفتنة.
جنبلاط: سأصبر وأتحدث
في المواقف الداخلية، الأبرز امس، تشديد النائب جنبلاط على أن "المرحلة الراهنة عالية الحساسية وتتطلب مواقف مسؤولة تتخطى حسابات الاصطفاف السياسي التقليدي لتصب في المصلحة الوطنية العليا وتساهم في اخراج البلاد من حالة التأزم العميق الذي تعيشه"، مضيفا: "نحن أدرى بطبيعة هذه المواقف التي ننسقها مع كل الاطراف التي تحرص على استقرار لبنان وفي طليعتها سورية والسعودية".
وأمل في إفساح المجال امام الجهود القطرية - التركية التي جاءت لتكمل المبادرة العربية التي اطلعنا على عناصرها هذا الاسبوع، ويبقى الحوار هو الخيار الوحيد لمعالجة المشاكل القائمة والخروج من الازمة الراهنة.
من جهة ثانية، اكد جنبلاط في حديث صحافي، انه "مستعد لزيارة دمشق مرة جديدة بهدف بحث الازمة اللبنانية مع الرئيس السوري بشار الاسد"، وقال: "لم اتوقف عن ارسال موفدين الى دمشق، وانا مستعد للعودة والاجتماع مع الرئيس الاسد". وأضاف: "لا مشكلة لدي في لقاء الرئيس الاسد مجددا".
وقال جنبلاط: "سأصبر قليلا ثم سأتحدث بصراحة وفي الوقت المناسب عما جرى معي بين 10 و15 كانون الثاني وهي الفترة التي قابلت خلالها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ورئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري و(الرئيس) الأسد".
وجدد جنبلاط القول إنه وعد الأسد عشية الاستشارات بالابقاء على سرية المحادثات "والآن في الوقت المناسب سيكون علي الإعلان عما جرى".
نجاد يحذّر
في المواقف الاقليمية والدولية، حذر الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد الكيان "الاسرائيلي" والدول الغربية من التدخل في الشأنين اللبناني والتونسي، مطالباً إياها باحترام خيارات هذه الشعوب في تعيين مصيرها.
ودعا نجاد ابناء شعبي لبنان وتونس الى اليقظة والوعي امام مؤامرات الدول الاجنبية.
ولفت الى أن الكيان "الاسرائيلي" يريد إلحاق الضرر بالشعب اللبناني لكن هذا الشعب افشل هذا الامر بوحدته، مشيرا الى أن الشعب اللبناني يمر اليوم بمرحلة تاريخية هو بأمسّ الحاجة فيها للوحدة حيث يسعى الاستكبار لتكريس انقسامه.
وشدد نجاد على أن القوى اللبنانية قادرة على حل مشاكلها بالتفاهم والعدالة وعليها الحذر من الايادي الشيطانية التي تريد تفرقتها، مؤكدا أن الكيان "الاسرائيلي"، يقوم بالاغتيالات وسيسعى الى اتهام الابرياء لإثارة الخلافات والتمهيد للهجوم على لبنان.
من ناحيته، انتقد رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني بشدة التدخل الاميركي- "الاسرائيلي" لعرقلة الوفاق اللبناني.
واكد ان بلاده تدعم التقارب والوفاق بين اللبنانيين بحيث لا يفسحوا المجال امام احد للدخول على خط الخلافات في ما بينهم.
ولفت الى انه رغم وجود تعقيدات جديدة فان هناك من ينفخ في نار المحكمة الدولية ليس من اجل كشف المجرمين بل للنيل من لبنان ووحدة اللبنانيين.
اوباما ـ مبارك
ومن واشنطن لم يجد الرئيس الاميركي باراك اوباما إلا توجيه الشكر لنظيره المصري حسني مبارك "على دعم بلاده لرئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تحاول إنهاء عهد الإفلات من العقاب في الاغتيالات السياسية في لبنان، وتحقيق العدالة للشعب اللبناني"، بحسب ما جاء في بيان صدر عن البيت الابيض.
من ناحيتها، دعت فرنسا جميع القوى "المهمة" في منطقة الشرق الأوسط الى مساعدة لبنان في التوصل الى حل للأزمة الحالية وتشكيل حكومة جديدة.
واعلنت الخارجية الفرنسية على لسان المتحدث باسمها برنار فاليرو، ان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أبلغ قلقه الى عدد من الزعماء الاقليميين والدوليين خلال اتصالات جرت في الآونة الأخيرة.
واكد فاليرو انه "يجب أن تتضافر جهود كل الجهات الفاعلة المهمة في المنطقة لمساعدة اللبنانيين وممثلي المؤسسات اللبنانية على تشكيل حكومة جديدة وإيجاد حل للأزمة الراهنة من خلال الحوار".
وأكد فاليرو مجددا، ان فرنسا تدعم "السلطات اللبنانية" لافتا الى ان فرنسا "لا تزال ملتزمة تجاه المؤسسات والأطر المؤسسية المنصوص عليها في اتفاق الطائف وكذلك احترام مبادئ الديمقراطية والاستقلال والاستقرار وسيادة لبنان".
ورفض المسؤول الفرنسي تأكيد أنباء حول توقعات بأن يجري وفد من تركيا وقطر زيارة الى باريس لإجراء مشاورات على مستوى وزراء الخارجية، مشيرا الى أن وزيرة الخارجية الفرنسية ميشيل اليو ماري ستغادر باريس اليوم في جولة تستغرق أربعة أيام الى الشرق الأوسط لا تشمل زيارة لبنان.