البقاع| يخطئ من يظن أن اللبنانيين غير جاهزين للفتنة كأحد أشكال التعبير عن الانقسام السياسي المتمذهب بعباءات هوية الزعماء الطائفية. ومن يرد الاطلاع على الحال هنا، يمكنه ذلك بمجرد استقلاله «فاناً» عمومياً يعمل على خط بعلبك ـــــ زحلة ـــــ سعدنايل ـــــ شتورا. هنا، يلاحظ مدى الاصطفاف الذي أخذ يتبلور في أحاديث المواطنين: فالاعتراض على الغلاء وارتفاع اسعار المحروقات، برغم الحاجة الملحّة لهما في مناطق بقاعية جبلية باردة
، سرعان ما تبخر مع أول تصريح يعلن أن الحكومة التي يرأسها سعد الحريري سقطت مع استقالة وزراء المعارضة + 1. هذه المشهدية من لوحة تمذهب الأزمة السياسية في الشارع، تترجمها اللافتات في قرى البقاعين الغربي والأوسط، ولا سيما «السنية»، فتعليق اللافتات جاء بعد صلاة الجمعة الماضية، المؤيدة لعودة رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري الى ترؤس الحكومة العتيدة.
ليس اللبناني المحايد وحده من يخاف فتنة في الشارع شرارتها بين أصابع أفراد «موتورين» من الطرفين، إنما أيضاً أي زائر للبنان من جهة المصنع. فبمجرد عبوره نقطة الأمن العام نحو الأراضي اللبنانية، والتفاته الى الجهة الشمالية التي لا تبعد إلّا أمتاراً، يلاحظ حاجزاً ثابتاً جديداً للجيش اللبناني، أقيم هنا فور «سقوط» الحكومة، تحسباً لرد فعل قد يأتي من جهة بلدة مجدل عنجر، وتُقفل طريق المصنع الدولية مثلما حصل في 7 أيار، كما لفت مصدر أمني لـ«الأخبار».
من هؤلاء المتخوفين، محمد (اسم مستعار) الذي ينتسب الى الأقلية العلمانية اليسارية. كفر الشاب «بالبلد» وقادته. يروي لـ«الأخبار» كيف فشل في فض مشكل نشب في «فان» استقلّه من بيروت الى بعلبك «بلشت بتلاسن بين راكبين وسباب لسعد الحريري»، وعلى أثرها توسعت التعليقات على الحريري ومعاونيه، يتابع محمد «حسيت إنو في شخص ومعه زوجته امتعضا من هذا الحديث، فحاولت أن أهدّئ الأخرين، ما نفعت، ولما وصل الـ«فان» الى سعدنايل طلب هذا الشخص النزول هناك، قبالة مفترق البلدة الذي يعجّ بصور ويافطات مؤيدة للحريري، وعلى الفور وقف الرجل امام الـ«فان» وبدأ بالصراخ وبشتم السيد حسن نصر الله والشيعة، فتجمهر المواطنون حول الـ«فان»، ولحسن الحظ أن غالبيتهم كانوا من كبار السن وليسوا من الفتيان، فأفسحوا الطريق أمام الـ«فان» وطلبوا من السائق الانطلاق بسرعة، تجنباً لأي احتكاك». وكان قد وقع إشكال بين أحد مواطني البلدة مع شبان من تيار المستقبل، على خلفية نزعه يافطة موقعة باسمه علّقت من دون علمه.
وفي البقاع الغربي الوضع ليس أفضل حالاً، ففي بلدة البيرة عند الطريق الرئيسية المؤدية نحو الجنوب، وقع إشكال استخدمت فيه العصي والحجارة بين مناصري تيار المستقبل ومناصري المعارضة، على خلفية تعليق يافطات تندد بالمعارضة ورموزها، ما استدعى تدخل القوى الأمنية.
كذلك في حوش الحريمة وكامد اللوز، حيث نشب خلاف أمس بين راكبين سنيين، أحدهما من المعارضة والآخر من الموالاة، ما استدعى تدخل الجيش. وفي كامد اللوز، حصل خلاف بسبب يافطة موقعة باسم اشخاص طالبوا بشطب اسمائهم عنها إذ لم يستشرهم أحد في ذلك.
متابع للوضع هنا، قريب من المعارضة السنية، يجزم بأن أحد أسباب التوتر هو تراجع جماهيرية تيار المستقبل بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، وخصوصاً في القرى التي كان يعدّها خزاناً جماهيرياً له، ويشير الى أن نسبة مناصري المعارضة ارتفعت «لكون تيار المستقبل، رغم إمساكه بالحكم عجز عن معالجة مشاكل المواطنين، من بطالة وغلاء، إضافة الى توقف الإمدادات المالية الشهرية فور إعلان نتائج الانتخابات النيابية السابقة». ويستدل الرجل على ذلك بالقول إن مناصري المعارضة أصبح حضورهم في القرى السنية أمراً غير قابل للشك، بدليل «أنهم خرجوا وقالوا للمستقبل: لن نقبل يافطات موقعة باسم البلدة»، موضحاً أن هذا ما يثير القلق من توسع رقعة التوترات بعد تأجيل المشاورات، بحكم أن الاحتكاك بين مناصري الفريقين مباشر، ما يهدد باندلاع إشكالات أمنية إذا لم يعد الحريري إلى الإمساك بالسلطة. لكن هؤلاء من السنة، فهل يغلّبون مصالحهم المواطنية المعيشية على ولائهم الطائفي؟ يؤكد الرجل: «لن يكون الوضع فقط «سني ضد شيعي»، بل داخل القرى السنية، لأنه حتى اليوم لم تُعقد مصالحات سياسية بين رموز السنة المعارضين في البقاع وتيار المستقبل».