وللوقوف على الحقيقة في هذا الموضوع، يجدر التذكير بداية بأن الاتفاق المذكور وقّعه القادة اللبنانيون في العاصمة القطرية بتاريخ 21 أيار 2008، وكان سبقه التوصل في بيروت، وتحديداً في فندق الفينيسا، إلى اتفاق آخر قبل ستة أيام، اعتبر جزءاً لا يتجزأ من إعلان الدوحة.
وفي مراجعة سريعة لبنود الاتفاق، يتبين ما يلي:
بالنسبة إلى البند الأول، الذي ينص على انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً توافقياً، لم تبرز العرقلة إلا من جانب فريق الحريري، إذ اعترض كل من الوزير بطرس حرب والوزيرة السابقة نايلة معوض مثلاً- وفي جلسة الانتخاب- على العملية برمَّتها، في عراضة إعلامية مكشوفة.
أما في البند الثاني الذي نص على أسس تشكيل حكومة الوفاق الوطني، فورد تعهد الأطراف "بعدم الاستقالة أو إعاقة عمل الحكومة". وإذا سلَّمنا أن استقالة الوزراء الأحد عشر مخالفة لاتفاق الدوحة، فماذا عن كل ما تعرض له وزراء تكتل التغيير والإصلاح مثلاً طوال عهد الحكومة الحريرية؟ ألا يسمى كل ما عرض له الوزراء جبران باسيل وشربل نحاس وفادي عبود من الرابية، "إعاقة لعمل الحكومة"؟
وبالانتقال إلى البند الثالث الذي حدد قانون الانتخاب الجديد، فقد وردت فيه "الموافقة على إحالة البنود الإصلاحية الواردة في اقتراح القانون المحال على المجلس النيابي، والذي أعدته اللجنة الوطنية لإعداد قانون الانتخابات برئاسة الوزير السابق فؤاد بطرس، لمناقشته ودراسته وفقاً للأصول المتبعة". فهل يذكر اللبنانيون إسهام فريق الحريري في منع إقرار الغالبية الساحقة من الإصلاحات في المجلس النيابي، بحجج واهية؟
وفي البند الرابع، وردت إشارة إلى ضرورة "تطبيق القانون واحترام سيادة الدولة في كافة المناطق اللبنانية، بحيث لا تكون هناك مناطق يلوذ إليها الفارون من وجه العدالة، احتراماً لسيادة القانون، وتقديم كل من يرتكب جرائم أو مخالفات للقضاء اللبناني". أما الجواب الحريري على هذا البند، فجاء من مجدل عنجر والمصنع وسواهما، حيث سقط شهداء للجيش اللبناني، منعاً لبسط سلطة الدولة، تماماً كما في المخيمات الفلسطينية، التي يسرح في بعضها ويمرح، أصدقاء معروفون لتيار المستقبل.
إذاً، وبناء على كلّ ما تقدم، يتبين أن استقالة الوزراء، وإحجام قادة المعارضة عن المشاركة في الحوار الذي يترأسه رئيس الجمهورية، يمكن اعتبارهما خروجاً على اتفاق الدوحة، غير أن عدم اعتبارهما ردّ فعل على تمادي الحريريين في ضرب هذا الاتفاق منذ اليوم الأول، وعلى مستويات عدة، يعدّ خضوعاً لدعاية سياسية تنجح بعض الأحيان، ولبعض الوقت، في تشويه صورة الحقيقة...