أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

دراسة «إدراك» عن تأثير الحرب وأحداثها على الصحة النفسية:

الجمعة 21 كانون الثاني , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,440 زائر

دراسة «إدراك» عن تأثير الحرب وأحداثها على الصحة النفسية:
يروي أحد الأطباء النفسيين عن زيارة طبعته، قامت بها إحدى السيدات إلى عيادته، وهي منهارة، طالبةً تقييم الوضع النفسي لابنها العشريني «قبل ما يلحق بأخيه».
جلست السيدة، بثياب الحداد، والحزن يطغى على نبرة صوتها ويسكن عينيها. قالت إنها فقدت، قبل حوالى ثلاثة أشهر، ابنها البكر لمّا أطلق النار على نفسه منتحراً، ناهياً ثلاثة وعشرين ربيعاً بطلقة رصاص.
كان ما يزيد من وجع الأم الثكلى هو إحساسها بـ«الذنب»، وفقاً لتوصيف الطبيب، لأن ابنها المنتحر كان يعاني اكتئابا حادا لم تنفع معه كل الزيارات والاستشارات التي عمدت العائلة إلى ترتيبها مع... رجال دين وبعض الذين يدعون «فك السحر»، والبصارات... كما أن السيدة كانت قد اصطحبت ابنها إلى أحد أطباء الصحة العامة الذي أكّد لهما أن الشاب «لا يشكو من شيء».
يؤكد الطبيب أن اللجوء إلى ذلك النوع من الحلول لدى إصابة فرد من أفراد الأسرى بمرض نفسي أو عصبي منتشر إلى حد ما في لبنان، إذ يمتنع عدد كبير من المصابين بأمراض نفسية عن استشارة طبيب مختص، أو طلب مساعدة متخصصة.
وطبعاً، لا تؤدي الأمراض النفسية دوماً الى الانتحار، ولكن، وحده الإعلان عن حدوث انتحار يسمح باعتماد الحالات المعلنة كمؤشر مثبّت لبعض اتجاهات التعاطي مع الاضطرابات النفسية في البلاد، «إذ نادراً ما يعترف الناس بحالات الانتحار لأسباب اجتماعية ودينية وعائلية بالدرجة ألأولى».
هكذا، وعلى الرغم من أن أكثر من ربع اللبنانيين يعانون اضطرابا نفسيا واحدا على الأقل، وعلى الرغم من أن الاكتئاب هو أكثر أنواع الاضطرابات شيوعاً، إلا أن اللبنانيين يجهلون المبادئ الأساسية للصحة النفسية من عوارض وعلاجات، كما أنهم لا يعون أهمية الاعتناء بصحتهم النفسية.
دراسة «إدراك» للبنان
وتشير «الدراسة الوطنية لتقييم الصحة النفسية للبنانيين» (دراسة «لبنان») التي نفذتها جمعية «إدراك» ما بين العامين 2003-2002، أن 17 في المئة فقط من اللبنانيين الذين كانوا يعانون اضطرابات نفسية شديدة في السنة التي سبقت الدراسة، حاولوا أن يستعينوا بـ«أحد». ويمكن ذلك الأحد أن يكون طبيب صحة عامة، أو مختصا بعلم النفس، أو أي شخص آخر كالمعالج النفسي أو الممرض أو الاستشاري أو المرشد الروحي أو المعالج بالأعشاب أو بوخز الإبر أو البصار، وذلك بحسب الاختصاصي في علم النفس والرئيس التنفيذي لجمعية «إدراك»، الدكتور إيلي كرم.
ويؤكّد كرم أن معظم الذين استعانوا «بأحد» ذكروا أنهم قصدوا اختصاصيا في المجال الطبي، فيما يقصد حوالى اثنين في المئة من هؤلاء رجل دين أو بصارا.
وأنجزت الدراسة في إطار دراسات عالمية أجريت بعنوان «صحة العالم النفسية والعقلية 2000»، وشملت أكثر من 29 بلداً حول العالم، من بينها لبنان. وقد نُشر جزء من نتائجها في مجلة «لانست» في آذار 2006 ونشر الجزء الآخر في «بلوس مديسن» في نيسان 2008.
ونفذت دراسة لبنان مؤسسة «إدراك» بإشراف د. كرم وبمشاركة أطباء اختصاصيين في قسم الطب النفسي وعلمه في مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي، وكلية الطب في جامعة البلمند، وهدفت إلى تحري نسبة انتشار الاضطرابات النفسية في حياة الفرد، ومدى السعي لطلب العلاج، والعمر الذي ظهر فيه الاضطراب للمرة الأولى، وعلاقة ذلك كله بالحرب في لبنان، وما إذا كانت الحرب في قد أثَّرت على الصحة النفسية لمواطنيه.
وتكمن أهمية الدراسة في إنتاجها معطيات دقيقة توثق للمرة الأولى مؤشرات محددة عن الصحة النفسية للبنانيين في ظل كل الحديث الشفهي والتقديري الذي كان يدور في لبنان بعد انتهاء الحرب الأهلية، وما تخللها وتبعها من اعتداءات إسرائيلية متتالية كان آخرها عدوان 2006.
وكانت مؤشرات تناول اللبنانيين لأدوية الأعصاب ترتفع، وفقاً لما تفيد به الصيدليات وبعض الاختصاصيين، وجاءت دراسة «إدراك» لتوصف علمياً الوضع النفسي للبنانيين، ومدى علاقة أسبابه بالحرب وبالأحداث المرتبطة بها.
وشملت دراسة لبنان عينة عشوائية تمثل المجتمع اللبناني من عمر 18 سنة وما فوق. وبناء على إجابات الذين شملتهم الدراسة، يرجع كرم سبب التمنع عن استشارة طبيب نفسي إلى عدم معرفة المريض بمرضه وإلى أسباب أخرى كتدني الدخل المادي، واعتقاد البعض أن بمقدورهم تخطي الحالة بمفردهم والخوف من وصمة العار أو نظرة الآخرين.
اكتئاب متفشٍ
ويؤكد كرم أن نتائج الدراسة أثبتت «أن لبنانياً واحداً من بين أربعة تعرّض لاضطراب نفسي واحد على الأقل في وقت من الأوقات في حياته، وان اضطراب الاكتئاب هو الأكثر شيوعاً في لبنان من بين الاضطرابات الأخرى، يليه اضطرابات القلق».
كما بينت الدراسة أنه من المتوقع «أن يعاني ثلث اللبنانيين تقريباً اضطرابا نفسيا واحدا أو أكثر في حياتهم قبل عمر الخامسة والسبعين. والأهم هو أن نتائج الدراسة ربطت بين التعرض للحروب وللأحداث المتعلقة بها، وبين حدوث اضطراب نفسي للمرة الأولى في حياة الإنسان حتى بعد مرور عشر سنوات على انتهاء الحرب. وينطبق ذلك أساسا على اضطرابات القلق والمزاج والتحكم بالاندفاع».
وسأل الباحثون الأشخاص المشاركين في الدراسة أيضا عن تجاربهم خلال الحرب والمتعلق منها بالأحداث الصادمة، كأن يكون الشخص مدنياً في ساحة حرب أو التعرض للتهديد بقوة السلاح.
وأظهرت الدراسة أيضا، بوضوح، أن 17 في المئة من البالغين اللبنانيين ينطبق عليهم على الأقل معيار واحد من معايير تشخيص الإصابة بالاضطراب النفسي في السنة التي سبقت إجراء الدراسة.
في المقابل، تنطبق على حوالى ربع العينة (25.8 في المئة) معايير (عوارض) المعاناة من الاضطراب النفسي لمرة واحدة على الأٌقل في حياتهم حتى ساعة البحث، ومن بين هؤلاء 10.5 في المئة عانوا أكثر من اضطراب نفسي واحد في حياتهم.
وتبين أن اضطرابات القلق كانت أكثر انتشاراً (16.7 في المئة) من اضطرابات المزاج (12.6 في المئة) ومن التحكم بالاندفاع (4.4 في المئة) وسوء استعمال المخدرات والإدمان عليها (2.2 في المئة).
وتشير معطيات الدراسة إلى أن التفشي الأهم للاضطراب الفردي ضمن فئة اضطرابات المزاج كان الاكتئاب بنسبة (9.9 في المئة). وتختلف الاضطرابات وفقاً للفئة العمرية، وهي ثابتة في انتشارها في الفئة العمرية الشبابية، كما ان النساء يعانين اضطرابات القلق والمزاج في حياتهن أكثر من الرجال، في حين أن الرجال، يعانون اضطرابات سلوكية أكثر، وسوء استعمال المخدرات والإدمان عليها.
ويمكن تعريف الاكتئاب، مثلاً، بأنه يتمثل في شعور الشخص الدائم بالحزن وباليأس، وإحساسه بأنه فقد دوافع للعيش.
أما القلق، فيتجلى بهموم غير واقعية ودائمة تتعلق بالحياة اليومية، ويمكن أن تتسبب بمشاكل كامنة (نائمة)، وبعوارض جسدية كآلام في المعدة.
وتظهر لدى الأشخاص الذين يعانون اضطرابات التحكم بالاندفاع (عدم السيطرة على ردود الفعل) ومشاكل في السيطرة على طباعهم أو ردود فعلهم التي يمكن أن تقود أحيانا إلى إيذاء أنفسهم أو أشخاص آخرين.
تهجير وتهديد وفواجع: هذه هي الحرب
تبين أن أكثر حدثين مرتبطين بالحرب فداحة هما أن يكون الشخص المعني مدنياً في ساحة حرب (55.2 في المئة) ومهجراً (37.7 في المئة).
وقد تعرض نصف اللبنانيين تقريباً (47.0 في المئة منهم)، لحادث أو حادثين خلال الحرب، فيما تعرض ربعهم تقريباً لثلاثة أو أكثر. في المقابل، هناك 31.2 في المئة من اللبنانيين لم يتعرضوا لأي من تلك الأحداث.
وفي ما يخص التعرض لحوادث مرتبطة بالحرب، كان الذكور أكثر عرضة من النساء، كأن ينخرطوا (الرجال) في أعمال الإنقاذ أو أن يكونوا قد شاهدوا جرحى وقتلى، أو رأوا بعض الأعمال الشنيعة أو تعرضوا للخطف أو سلبوا أو هددوا من قبل مسلحين.
في المقابل، كانت النساء أكثر عرضة من الرجال كأن يكنّ مدنيات في مناطق حرب أو مهجرات. أمّا الأحداث الخارجة عن السيطرة كموت شخص مقرب، أو تعرض شخص حبيب لحادث جسيم فقد عانى منها الرجال والنساء بالتساوي.
وبناء على تحاليل النتائج الإحصائية، تبين أن الأفراد الذين تعرضوا لحوادث فردية مرتبطة بالحرب معرضون وبنسبة كبيرة للإصابة باضطراب نفسي للمرة ألأولى في حياتهم حتى بعد مرور أكثر من عشر سنوات على انتهاء الحرب، وذلك بعد الأخذ بعين الاعتبار تحليل معطيات كالعمر عند وقوع الحرب، والنوع الجنسي (الجندر)، والوضع العائلي والمستوى التعليمي.
كما يشير التحليل الخاص بتأثير الحرب على الصحة النفسية مع مرور الوقت، إلى أن خطر إصابة من كان يافعاً عند بدء الحرب في لبنان (من صفر إلى عشر سنوات) باضطراب نفسي للمرة الأولى يزيد، وهنا أيضا تتفوق النساء على الرجال في نسبة التعرض لخطر الإصابة باضطرابات القلق والمزاج.
خطورة على مدى الحياة
بناء على تحليل نتائج الدراسة، يؤكد كرم أنه من المتوقع أن يعاني ثلث اللبنانيين تقريباً اضطرابا نفسيا واحدا أو أكثر في حياتهم قبل عمر الخامسة والسبعين، وان اضطراب الاكتئاب هو الأكثر توقعا (بنسبة 17.2 في المئة).
ولتقييم عبء الاضطرابات النفسية كالاكتئاب والقلق والاحتياجات اللازمة للتعامل معها من خلال الدراسة الوطنية، تمت مقابلة المستجيبين للدراسة، وفقاً لمعايير ومقابلات التشخيص العالمي المعتمدة من قبل منظمة الصحة العالمية.
وتعتبر الدراسة من الدراسات الأولى من نوعها في لبنان وفي الوطن العربي، إذ ان المعطيات المنشورة عن تفشي الاضطرابات النفسية والعلاج في المنطقة العربية على المستوى الوطني ضئيلة جداً. علاوة على ذلك، لم يكن تأثير الحرب كمسبب للبداية الأولى للاضطراب موثقاً على المستوى الوطني لا في لبنان، ولا في المنطقة العربية عند تنفيذ الدراسة.
التأخر بطلب العلاج
ُتبرز المعطيات المستخلصة أيضا أنه في لبنان، يزيد التعرض لأحداث متعلقة بالحرب من خطورة تطوير عدد من اضطرابات نفسية. وهناك حاجة لدراسات أخرى لاكتشاف إذا كان من الممكن تعميم المعطيات ذاتها على بلدان أخرى. ولكن دلت المعطيات على أن العديد من اللبنانيين الذين يعانون مرضا نفسيا لم يتلقوا أي علاج ملائم.
ويتراوح متوسط التأخر في تلقي العلاج أو طلب المساعدة المختصة ما بين ثلاث سنوات لاضطراب التحكم بالاندفاع (عدم التحكم بالسيطرة على ردود الفعل) وست سنوات لاضطرابات المزاج، وتسع سنوات لسوء استعمال المخدرات والإدمان عليها، و28 سنة لاضطرابات القلق.
واستشار 49.2 في المئة ممن يعانون اضطرابا في المزاج طبيبا أو اختصاصياً آخر، لكن في الوقت نفسه بلغ متوسط تأخر استشاراتهم لاختصاصي ست سنوات بعد إصاباتهم.
واستشار 12.3 في المئة فقط من بينهم اختصاصيا في السنة نفسها التي أصيبوا بها بالاضطراب المزاجي.
وكانت معدلات الخضوع للعلاج اقل في الاضطرابات الأخرى. وجاءت نسبة الذين التمسوا العلاج للاضطرابات الأخرى منخفضة مع 37.3 في المئة للقلق و35.4 في المئة لسوء استعمال المخدرات والإدمان عليها، و15.1 في المئة للتحكم بالاندفاع أو السيطرة على ردود الفعل.
ويعود التأخر الطويل والملحوظ للسعي إلى العلاج في اضطرابات القلق إلى أن العديد منها يحدث في عمر الطفولة، فيما يتم العلاج في مرحلة البلوغ. في المقابل، لم يكن نقص العناية الصحية في لبنان واحداً من أسباب التأخر في السعي إلى العلاج، حيث يقدر ان هناك حوالى 325 طبيباً لكل مئة الف نسمة في لبنان، وهي النسبة الأعلى في الدول العربية، والتي تتساوى مع مثيلتها في الدول الصناعية.
وبينت الدراسة أن المطلوب هو زيادة الوعي بظروف وشروط الصحة النفسية والتقليل من تحريم وحظر الحديث عنها أكثر.
وتدل معطيات دراسة لبنان إلى أن تفشي الاضطرابات النفسية فيه شبيه بما هو عليه في بعض الدول الصناعية الأوروبية مثل ألمانيا وبلجيكا وهولندا حيث إن نسبة الذين عانوا اضطرابا نفسيا واحدا على الأقل في حياتهم هي حوالى 25 في المئة من عدد السكان، فيما ترتفع إلى حوالى 50 في المئة من عدد السكان في الولايات المتحدة.
عبء اقتصادي إضافي
تؤثر الاضطرابات النفسية جدياً على العمل، وعلى العلاقات ونوعية حياة الشخص المريض وحياة عائلته. من ناحية ثانية، يمكن غالبية الناس الذين يعانون مرضا نفسيا عيش حياة مليئة بالإنجازات، ومنتجة مع مساعدة مناسبة وعلاجات مختصة.
وقدمت الدراسات العلمية السائدة (ومنها دراسات تستقصي عوامل تأثير صحة الشعوب على حياتهم) معلومات مهمة عن عبء الأمراض النفسية في البلدان الصناعية. ولكن المعلومات المتوفرة حول التفشي الاضطرابات النفسية أو كيف تؤثر الأحداث الجسام، كالحروب، على صحتهم النفسية، هي نسبياً ضئيلة في الوطن العربي.
في الواقع، فإن عبء الاضطرابات النفسية في لبنان يمكن أن يكون حالياً أعلى من النتائج التي توحي بها الدراسة، ربما بسبب التحريم المتلازم مع الحديث عن الأمراض النفسية، وهو ربما يكون قد حال، أو منع بعض المشاركين في الدراسة، من التصريح عن مشاكلهم.
وتبين الدراسة أن تفشي الاضطرابات النفسية في لبنان وظهورها في عمر مبكر في مرحلة الشباب وفي السنوات الإنتاجية يتسبب بعبء وطني ملحوظ.

Script executed in 0.18826603889465