القاعة امتلأت قبل وقتها. عشرات الصحافيين والمراسلين تحلّقوا في انتظار دخول النائب وليد جنبلاط. السؤال المطروح واحد لا ثاني له: إلى جانب من سيصوّت زعيم المختارة، ومن سيلتزم من نواب اللقاء الديموقراطي معه. عدد الصحافيين يدلّ على أهميّة الحدث. يدخل وليد جنبلاط. يتجه فوراً إلى كرسيه خلف غابة الميكروفونات، من دون أن يرمي كلمةً شمالاً أو يميناً. يلتزم كلمته. لا يحيد عن النصّ الذي كتبه، ولا يُضيف إليه. كلمة وراء الأخرى؛ والمصوّرون الصحافيّون يصرخون كلّ حين فيختفي صوت الرجل.
بدا التعب عليه. بدا كأنه تجاوز سنوات إضافيّة. بدا زعيماً غير ممسك بتفاصيل اللعبة. بدا غير وليد جنبلاط، الذي تزعّم يوماً قوى 14 آذار، أو الذي خاض الحرب الأهليّة... حتى غير وليد جنبلاط الذي خرج من بيروت إلى دمشق قائلاً: «سلمولي على تيمور» بعد اجتياح بيروت.
بدا التعب على الرجل. كلماته عبرت بين حقل ألغام. لم تشف غليل أحد كلياً، لأنها ليست حاسمةً كلياً. وحده موقفه يُشبهه. يحتاج إلى دليل لشرحه. الثابت الوحيد أن الرجل غادر وسطيّته، والتحق بمشروع من مشروعيْن لا يحملان أفقاً واضحاً، ويُمكن أن يجرّا البلد إلى نهايات غير محسوبة. أمس، أغلق باب وليد جنبلاط أمام نسمة الخطاب الجامع التي كانت باقية. أمس، أعلن نفسه اللبناني الأخير، أعلن فشله في تحويل نفسه ومواقفه التسوويّة الأخيرة إلى نقطة التقاء تجمع. فجمع كتلته النيابية. عقد مؤتمراً صحافياً، ثمّ التقى مساءً الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله.
لكن، حتى ظهر أمس، كان الرجل يُراهن على شيء ما يجري في دمشق. راهن على زيارة أمير قطر. أجّل مؤتمره الصحافي أربع ساعات ونصف الساعة بسبب هذا الرهان. وسقط، كما سقط كلّ ما سبقه من رهانات. انتهت هذه الجولة من المعركة بخسارة الحصان الذي راهن عليه جنبلاط، من دون أن يرهن نفسه به. انتهت الجولة بهزيمة المبادرة السعوديّة ـــــ السوريّة، فرفع جنبلاط في مؤتمره الصحافي، ما اتفق عليه ووقّع عليه الرئيس بشار الأسد والسيد حسن نصر الله والرئيس سعد الحريري.
فبعد اجتماع لكتلة اللقاء الديموقراطي غاب عنه النائب نعمة طعمة لوجوده في السعوديّة، «الذي بقي في السعوديّة حتى يُريح الجميع»، يقول أحد المسؤولين في الحزب الاشتراكي.
في محصّلة مؤتمره الصحافي، أعلن وليد جنبلاط أن نوّاب الحزب التقدمي الاشتراكي سيكونون إلى جانب سوريا والمقاومة، يُضاف إليهم النائب إيلي عون. وجنبلاط «لم يقل اللقاء الديموقراطي لأن ليس جميع نواب اللقاء موافقين». لكنّ هؤلاء يعدّون ستة نواب لا أكثر، والنائب علاء الدين ترو ردّد أمس في كليمنصو أن موقفه ليس محسوماً بعد، رغم تأكيد الاشتراكيين أنه حسم خياره. لكن مسؤولين في الحزب تحدثوا عن أن أربعة نواب حسموا موقفهم إلى جانب 14 آذار: مروان حمادة، الذي هو رأس حربة في 14 آذار، فؤاد السعد وأنطوان سعد ونعمة طعمة. كذلك النائب هنري حلو لم يحسم موقفه. ويتحدّث هؤلاء المسؤولون عن أن ستة نواب سيكونون متوفّرين من اللقاء الديموقراطي يُمكن أن يصلوا إلى سبعة، ما يجعل رقم المعارضة يصل إلى 64 نائباً مع النائب نقولا فتوش، وفي أحسن الحالات يصلون إلى 65. ويُشير هؤلاء إلى أن المعارضة أبلغتهم أن نواب طرابلس الأربعة سيكونون محايدين، «لكني علمت أن النائب قاسم عبد العزيز سيصوّت للحريري».
وقد بدأ جنبلاط مؤتمره الصحافي بهجوم واضح على المحكمة الدوليّة قائلاً: «مع وصول البلاد إلى مفترق ومنعطف خطيرين، وبعدما أخذت المحكمة الدولية بُعداً سياسياً بامتياز صار يهدّد الوحدة الوطنيّة والأمن القومي، وما التسريبات المتنوّعة والمتكرّرة في صحف عربيّة ودوليّة إلا لتؤكد هذا البعد السياسي المشبوه، وبعدما تحوّل مسار هذه المحكمة ليصبح بمثابة أداة تخريب وقد خرجت عن مسار العدالة لتدخل في بازار السياسة وسوق الابتزاز والابتزاز المضاد، وبما أن المبادرة العربيّة كانت بنودها واضحة كل الوضوح ولا تحتمل أية مناورة وتنصّ على إلغاء ارتباط لبنان بالمحكمة الدوليّة من خلال إلغاء بروتوكول التعاون ووقف التمويل وسحب القضاة...».
بعد هذه المقدمة تحدّث جنبلاط عن محاولاته مع مختلف القيادات للخروج من المأزق، «وفي الأسبوع الذي جلت فيه على القيادات لاستيضاح بنود المبادرة التي أحيطت بالسرية والتكتم للحفاظ عليها نتيجة دقّة الظرف السياسي وحساسيته، وبقيت في إطار التشاور الضيّق بين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس بشار الأسد والسيد حسن نصر الله والرئيس نبيه بري والرئيس سعد الحريري، حدث الكثير من الوقائع. وبعدما أيّدت المبادرة العربية مراراً وتكراراً ورأيت فيها حلّاً للأزمة الراهنة وتأكّدت من الموافقة المباشرة عليها من كل الأطراف المعنيّة، وذهبت للقاء الرئيس بشار الأسد يوم 14 من الشهر الجاري، أبلغت في الطريق أن السيد دانيال بلمار سيسلم القرار الاتهامي يوم الاثنين في 17 الجاري على أن يعلن ذلك يوم الثلاثاء في 18 منه».
تابع جنبلاط حديثه بالقول إنه خلال لقائه الممتاز بالأسد الذي هدف إلى «المزيد من التأكّد من مهمة ألقيت على عاتقي في خضمّ لعبة الأمم وتضارب المصالح وتناحر المحاور، اتفقنا على الخروج من الأزمة وتثبيت بنود تلك المبادرة من خلال البيان الوزاري عبر النقاط الآنفة الذكر، إضافة إلى نقاط أخرى لم يجر الاسترسال في بحثها».
ورأى جنبلاط أنه في سياق التخريب على المبادرة العربيّة حصل تزامن مريب ومشبوه بين تسليم القرار الاتهامي وموعد الاستشارات النيابيّة، وبما أن «لا قيمة لأي سجال جانبي في هذه اللحظة (...) وعطفاً على موقفي السابق الذي أعلنته مراراً وتكراراً وتشكيكي في صدقيّة تلك المحكمة وقرارها الاتهامي، مع تشديدي وتأكيدي على تلازم مسار العدالة مع مسار الاستقرار، ورغم الاعتراضات التي واجهتني من سفراء من هنا أو مبعوثين من هناك لا يكترثون للوحدة الوطنيّة بل يريدون للمحكمة الدوليّة أن تكون أداة اقتصاص وتصفية الحسابات، وبما أننا أملنا خيراً من المسعى القطري ـــــ التركي الذي ما زلنا نعوّل عليه، أرى لزاماً عليّ، ومن موقعي وموقع الحزب وسيرته التاريخية، وقد رفض الأحلاف الأجنبية من حلف بغداد 1952 إلى مواجهة إسرائيل عام 1982 وإسقاط اتفاق 17 أيار عام 1983 إلى معركة سوق الغرب الأولى عام 1989 التي فتحت بوابة العبور إلى اتفاق الطائف الذي أنجز بشراكة ورعاية سوريّة ـــــ سعوديّة، وصولاً إلى رفض القرار المشؤوم 1559 والتمسك باتفاق الطائف الذي يحدد بوضوح معادلة أنّ أمن لبنان من أمن سوريا (...)، أُعلن الموقف السياسي المناسب لمواجهة هذه المرحلة وتعقيداتها وحيثياتها، مؤكداً ثبات الحزب إلى جانب سوريا والمقاومة، آملاً أن تأخذ اللعبة الديموقراطيّة مداها بعيداً عن التشنجات والاصطفافات المذهبيّة، وأن نبقى، بالرغم من الشرخ الذي حدث وسيحدث، متمسكين بالحوار والاحتكام إلى المؤسسات والدستور، مقدّرين ما أعلنه الرئيس سعد الحريري أمس في هذا الموضوع، ووفق المنطق الديموقراطي الذي تتميز به الحياة السياسيّة اللبنانيّة لأن أي خروج عن هذا المنطق أو اللجوء إلى الشارع من هنا أو من هناك يزيد التشنج ولا يحمي الاستقرار والاقتصاد كما أنه لا يخدم القضيّة المركزيّة في الحفاظ على منجزات المقاومة».
وقال جنبلاط إن «أي قهر أو قهر مضاد هو مخالف لأعراف التوافق والتقاليد اللبنانية بعيداً عن الحسابات العددية في الاستشارات النيابية»، مؤكداً أن «أي محاولة إلغاء من طرف لطرف آخر هي مغامرة مستحيلة لا يمكن إلا أن تولّد المزيد من التشرذم والانقسام، لذلك من الأفضل أن يفسح المجال لتفاعل الأمور بهدوء». ولفت إلى أن موقفه في الوسط كان لتأكيد التواصل مع الآخرين.
ولم ينسَ جنبلاط ملاحظةً سريعة كتبها على عجالة كما قال، هي رفضه لما قاله الحريري من أنه «معرّض لاغتيال سياسي»، معرباً عن تفهّمه «لبعض الجوانب العاطفية»، مضيفاً: «لكن في لبنان أرفض هذا الكلام، كما أرفض ما قاله أحدهم في المعارضة من أن ما قبل القرار أمر وما بعده أمر آخر، لأن القرار الاتهامي عرف بحيثياته التفصيلية من تسريبات «دير شبيغل»، وآنذاك أجمعنا على رفضه»، في رسالة واضحة إلى النائب ميشال عون، هي الثانية في المؤتمر ذاته بعد الكلام عن معركة سوق الغرب.
آخر أمنيات الأكثريّة: تأجيل الاستشارات
نادر فوز
رفض الرئيس سعد الحريري، أمس، استقبال وفود شعبية من بيروت والشمال. وعند سؤاله عن إمكانية استقباله وفداً من الهيئات الشبابية في قوى 14 آذار، حرك كفّ يده صعوداً ونزولاً مطالباً بإبعاد تلك الكأس عن وادي أبو جميل. حتى الساعة، لا يرى الرئيس الشاب وفريقه أنّ دور جمهور الأكثرية قد حان، وهم يؤكدون أنّ مردود هذه الورقة سيكون سلبياً في هذه المرحلة، وقد يطيح البلد كله، دولة ونظاماً وشعباً. وهذه الأبعاد الثلاثة ستكوّن العنوان السياسي الجديد للحريريّة، الذي من المقرَّر انطلاق العمل به الاثنين المقبل.
في هذه الأثناء، لا تزال قوى الأكثريّة تحافظ على الصمت التامّ في شأن الاستشارات النيابية، فتكتفي بتأكيد احترام الدستور والديموقراطية. لكنّ مواجهة إمكان الخروج من السلطة بهذا الهدوء، توجب عرض مجموعة من الأمور التي تراهن عليها قوى 14 آذار.
أولاً، انتظار إعلان ما سيصدر عن الغرب، فالأكثرية مهتمّة بمتابعة الاجتماعات واللقاءات التي تُعقد في كل من اسطنبول وباريس ودمشق. الأمير القطري حمد بن خليفة آل ثاني زار دمشق أول من أمس، ومستمرّ في التواصل مع القيادة الشامية. رئيس حكومة قطر ووزير خارجيّتها، حمد بن جاسم، حطّ فجأة في باريس وطلب، بحسب الأجواء الباريسية، عقد لقاء عاجل مع الرئيس نيكولا ساركوزي. وفي اسطنبول، ينتظر الأكثريون بجدية الرسائل التي يمكن المسؤولين الأتراك نقلها إلى الإيرانيين على هامش اجتماع إيران بدول الـ5+1. يعوّل فريق 14 آذار على هذه اللقاءات الكثيفة، وقد تبلّغوا قبل ساعات أن واشنطن ستتوجه بإعلان واضح بخصوص الأزمة في لبنان، من دون أن يتحدّد إذا كان هذا الموقف سيصدر قبل الاستشارات أو بعدها. وفي السياق نفسه، علم فريق الأكثرية أنّ الرئاسة الفرنسية ستبعث برسالة جديدة إلى الرئيس السوري، بشار الأسد، قد تساهم في تكثيف الضغوط على دمشق.
ثانياً، ينتظر فريق الرئيس الحريري النقاشات التي يجريها المسؤولون السعوديّون مع الوزير محمد الصفدي. وبحسب مصادر مطّلعة على أجواء الرياض، «استدعى» رئيس الاستخبارات السعودية، مقرن بن عبد العزيز، الصفدي للوقوف عند رأيه في إمكان ترؤّسه الحكومة العتيدة، في إطار وساطة جديدة تسعى المملكة إلى طرحها على الأطراف المعنية بالأزمة اللبنانية. وتؤكّد أجواء الشمال هذه المعلومات، إذ إنّ الرئيس نجيب ميقاتي، الذي لم يحدّد موقفه من الاستشارات بعد، لا يزال ينتظر مشاورات الصفدي في السعودية وسيلتقي زميله الطرابلسي فور عودته من الرياض للتباحث في هذا الموضوع.
ثالثاً، جراء كل هذه الاتصالات والرسائل واللقاءات، لا تستبعد قوى 14 آذار إمكان تأجيل جديد للاستشارات. «كبّروا عقولكم يا جماعة»، يقول نائب آذاريّ، فـ«هل يمكن أصوات علاء الدين ترو وأنطوان سعد أن تحدّد الحكومة الجديدة؟». وفي هذا الإطار، يرفض الأكثريون الحديث عن عملية «البوينتاج» لأنّ «الأرقام ستتغيّر بين ساعة وأخرى، حتى في حال حصول الاستشارات». ولم يطلب الرئيس سعد الحريري وحلفاؤه من الرئيس ميشال سليمان التأجيل، لكن أجواء الأكثرية أكّدت أن رئيس حزب الكتائب، أمين الجميّل، الذي زار بعبدا أمس، قال لسليمان إنّ الأوضاع السياسية والأمنية «عرضة للتأزّم» إذا حسمت الكتل النيابية خياراتها في الظروف الراهنة. وهو ما فهمه كثيرون على أنه إيحاء أكثري بالتأجيل.
وفي حركة تمويهية، تعقد قوى 14 آذار عند الرابعة من بعد ظهر اليوم اجتماعاً في فندق «لو غبريال» لمناقشة أزمة الجمهورية والميثاق الوطني. أول الحاضرين في هذا اللقاء سيكون أعضاء الأمانة العامة لقوى 14 آذار، إضافة إلى جمع من نواب الأكثرية وشخصياتها. وسيخرج عن هذا الاجتماع بيان يؤكّد فيه الفريق الأكثريّ مجموعة من الثوابت: اتفاق الطائف، هوية لبنان، المحكمة الدولية، الشرعية الدولية، الاستقلال والسيادة. وانطلاقاً من هذه الثوابت، سيوجّه المجتمعون «نداء إلى الشعب اللبناني»، يدعون من خلاله إلى مساهمة المجتمع المدني اللبناني في التصدّي لتشويه هذه الثوابت وتعريض الجمهورية للخطر. وبالتالي، سيغيب موضوع الاستشارات النيابية عن اللقاء، إذ سبق لكل مكوّنات 14 آذار أنّ أكدت ترشيح سعد الحريري لرئاسة الحكومة.
وإذا أجريت الاستشارات في موعدها، فمن المتوقّع أن «تتداعى» قوى الأكثرية، منتصف الأسبوع المقبل، إلى عقد اجتماع موسع لمناقشة كيفية التعامل مع مرحلة «ما بعد الاستشارات»، سواء بقيت 14 آذار في الحكم أو تراجعت إلى موقع الأكثرية السابقة.