أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

المعارضة تمسك الورقة والقلم.. و«دولة الأفندي» يعدّ «منظومته الدفاعية»

السبت 22 كانون الثاني , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,082 زائر

المعارضة تمسك الورقة والقلم.. و«دولة الأفندي» يعدّ «منظومته الدفاعية»
عند الساعة الثانية من بعد ظهر أمس الأول، قبيل تكشّف انقلاب «وليد بك» الأبيض، كانت أسواق منطقة باب التبانة قد أقفلت أبوابها، ليس من باب العطلة، بل خوفاً من أي توتر أمني قد يصيب المنطقة. الحديث عن توزيع السلاح انتشر كالنار في الهشيم، لأنه عرضة للتصديق السريع، نظراً للتجربة المرّة التي عاشتها تلك المنطقة الشمالية لفترة طويلة من الزمن، في «مواجهاتها العسكرية» مع جبل محسن.
كل الاستعدادات النفسية، كانت تترقّب «لحظة الصفر» التي ستنقل المشهد من السرايا الحكومية، إلى «السرايا القتالية»، لتحيل النقاش من «الصالونات السياسية» إلى «شوارعها»... وفجأة يخترق sms جنبلاطي كلّ الجبهات، ويقلب الصورة والموازين.
طرابلس استعادت هدوءها، باتت تعدّ الساعات، قبل أن يفتح القصر الجمهوري أبوابه، يوم الاثنين المقبل، استقبالاً للكتل النيابية، التي يفترض أن تضع أوراقها الاقتراعية في «صندوقة» الرئيس ميشال سليمان، لتكليف شخصية سنّية برئاسة الحكومة، فإما تبقي لقب «الدولة» في عهدة زعيم «المستقبل»، وإما تحمله إلى العاصمة الثانية.
على الورقة والقلم، تجري قوى المعارضة حساباتها. ليس للبحبوحة مكانة، فالصوت النيابي لا يقدّر بثمن، ويفتش عنه بـ«السراج والفتيلة». «إنزال» وليد جنبلاط، أعاد الترجيح إلى كفّة «الأفندي»، الذي أبلغ رسمياً مساء أمس الأول (الخميس)، دعم المعارضة بكلّ أطيافها، لترشيحه للرئاسة الثالثة، وأن سبعة نواب من «اللقاء الديموقراطي»، بالحد الأدنى، ستعطي أصواتها للرئيس عمر كرامي، أي ان المعارضة بأصواتها الـ57+ نقولا فتوش و7 من «اللقاء الديموقراطي» قادرة على كسب 65 صوتا في الحد الأدنى، بمعزل عن الأسماء.
وعلى الرغم من نقل جنبلاط مخزونه النيابي من كتف إلى آخر، فإن «حرب البوانتاجات» لم تضع أوزراها: المعركة على الصوت الواحد، وأي تفلّت نيابي من بين «قضبان» الكتل، سيكون له مفعول ساحر.
حتى أمس، كانت ترجيحات المعارضة تشير إلى قدرتها على تأمين 64 صوتاً، أو 65 صوتاً، بحسب توجه النائب نقولا فتوش، في حين أنه من المرجح أن ينال سعد الحريري 59 صوتاً وربما يصل الى 63 إذا قررت كتلتا نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي منحه أصواتها الأربعة... وهو أمر ما زال قيد الدرس في انتظار اجتماع الأربعة اليوم.
سيناريو متفائل، يغلب ما عداه، في حسابات قوى المعارضة، ولكنه لا يلغي احتمال تأجيل الاستشارات، ليس بقرار من رئيس الجمهورية ميشال سليمان، بل بفعل الأمر الواقع: ماذا لو تعادلت الكفتان بالأصوات؟ ماذا لو تدخّلت يد خفيّة وفرضت تمديد آجال الأزمة من خلال لعبة الأرقام (مثلا 64 مقابل 64 كما يشتهيها أكثر من طرف وبإخراج يتولاه رئيس الجمهورية على طريقة التصويت لموضوع العقوبات الدولية ضد ايران في مجلس الوزراء)؟ ماذا لو تغيرت حسابات البعض؟
تساؤلات ستظل من دون إجابات، أقلّه في الوقت الراهن، وإن كان هناك من قدم تطمينات للرئيس كرامي، بأن مسار التكليف لن يصيبه عطل أو ضرر. ولكن، لا يبدو أن «الأفندي» منزعج من إمكان تأخّر دخوله السرايا الحكومية، ذلك أنه يتهيب الموقف ويخشى من محاولات فريق رئيس حكومة تصريف الأعمال تنظيم حملة ضده بدأت تباشيرها بكلام يتهمه باحتضان المناخ الذي أدى الى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام 2005 وبأنه يساهم مع آخرين بتحضير مناخ لاغتيال سعد الحريري سياسيا اليوم أو من نوع القول إن الراسب في الانتخابات النيابية لا يحق له أن يترشح لرئاسة الحكومة!
يأخذ كرامي هذه الوقائع في الاعتبار، وهو يعتقد أن الوقت لمصلحة فريقه، وفق القراءة الآتية: هناك فريق من المعارضين يعتقد أنه كلما كان التكليف ثم التأليف بطيئاً، كلما اقتربت هذه المجموعة من برّ الأمان، لأنه يتيح استقبال القرار الاتهامي المفترض صدوره خلال الأسابيع المقبلة، بفراغ حكومي، يحول دون وجود سلطة محلية قادرة على التعامل مع موجباته وتداعياته.
ووفق هذا الفريق، فإن ترحيل الأزمة، إلى الأسابيع المقبلة، سيضع البلاد أمام واقع جديد، من شأنه تجنيب حكومة كرامي، لو أبصرت النور من دون عراقيل، تبعات انفجار لغم القرار الاتهامي بوجهها. ولذلك، من الأفضل ترك التكليف والتأليف يسيران بروية لا تضرّ، وعدم سلق المراحل.
«سياسة الوعيد والتهديد» التي يحضّرها الخصوم بوجه «الأفندي» في الشارع الطرابلسي، على قاعدة «ضرب التمثيل السنيّ والاستيلاء على رئاسة الحكومة» و«قبول تسميته من قبل طوائف أخرى»، تؤخذ في حسبان «الكراميين»، وفي كلامهم الكثير من الثقة بالغد، ولا خوف منه، «لسنا مقطوعين من شجرة»، «طرابلس قالت كلمة حق خلال الانتخابات النيابية، على الرغم من كلّ الشوائب والإغراءات المالية، فقد أعطت ثلث أصواتها لمصلحة رئيس الحكومة السابق، أضف إلى أن علم الاجتماع يفيد بأن الرأي العام يتأثر حكماً بالسلطة والنفوذ، ما يعني أن شريحة كبيرة منه ستحسب ألف حساب قبل أن تقف بوجه رئيس الحكومة الجديد».
لا تثيرهم الهمسات التي حملتها رياح الساعات الأخيرة، عن احتمال «إقفال» المدينة أبوابها بوجه «ابن كرامي»، ولا تسبب أي نقزة في نفوسهم... «نحن سنتلقّف كرة النار، ليس حبّاً بها أو بالمنصب الذي ترمز إليه، بل حفاظاً على الاستقرار، ومنعاً لتدهور الوضع الأمني».
الهروب من الفراغ، وما قد يحمله على متن التوتر، هو الدافع الأول والأخير لقبول كرامي بالحمل الثقيل الذي ألقته المعارضة على كتفيه، واحتكامه لمنطق المؤسسات الذي التصق به الحريري، كما جاء في خطابه، لا سيما أن التطورات التي أفضت إلى تدخّل أميركي فاضح، وفق ما ينقل عن مطلعين على موقف كرامي، حمل المعارضة على رفض التمديد لنجل الشهيد، وبالتالي، وضعت البلاد أمام خيارين، إما الفراغ، وإما القبول بالمهمة. ولهذا اختار كرامي أصعب الشرين، بالنسبة لتداعيات هذا الموقف على موقعه، وأهونها بالنسبة لمصير البلاد.
ولهذا يجمع كرامي كلّ المفردات التي تحصّن «بيته» بوجه «تسونامي» الاتهامات التي قد تنهال عليه، فور تكليفه، وإن يبدو حتى اللحظة أنه لا يزال محيّداً من خصومه، ولكن عند تلك العتبة الحاسمة، قد لا يوفرونه من حملات الاتهام. في «منظومته الدفاعية»، يتردد أن توليه رئاسة الحكومة، «هو من باب الحفاظ على مكتسبات الطائفة السنيّة، وليس التخلي عنها، لا سيما أن تطورات السنوات الأخيرة، شكّلت تعدياً على مواقع الطائفة، من خلال الممارسة، وليس النص، بدءاً بمفاعيل اتفاق الدوحة، وصولاً إلى تسديد الضربة القاضية لحكومة الحريري من خلال الثلث المعطّل، كما يقول المطلعون على موقف القطب الطرابلسي، «وذلك بسبب عدم الخبرة وسيطرة الانفعال العاطفي على أداء رجال الدولة».
ليس من الضرروة استعادة شريط المواقف الدفاعية لكرامي عن أبناء طائفته، وهو الذي وقف مراراً بوجه حلفائه في محطات تعرّض المواقع السنيّة في السلطة لهجمات من أبناء صفه، وعليه، يقول المطلعون، إن دخوله السرايا الحكومية هو من باب الحفاظ على مكتسبات طائفته أو السماح بالتطاول عليها، لا سيما أنه قادر على «المونة» على حلفائه، للحدّ من هذا التطاول الحاصل عبر الممارسة المضرّة بحق الطائفة السنية، أو لمنع أي تعديل دستوري قد يكون في ذهن البعض.
ما بعد التكليف لا يقلّ صعوبة عما قبله. التأليف، قد يكون المهمة المستحيلة، على من سيقطن السرايا الحكومية، لا سيما إذا رفض «ما تبقى» من قوى الرابع عشر من آذار، المشاركة في الحكومة «الكرامية»، وهو أمر مرجّح، حيث من الممكن أن يقود الخلاف إلى تشكيل حكومة من لون واحد. في رؤية القطب الطرابلسي، أن جهوده ستصب في خانة السعي لإشراك كلّ القوى اللبنانية من دون أي استثناء.
في المعارضة هناك من يكرر القول «ليس هناك من شخصية قادرة وتملك مشروعية التعامل مع موضوع المحكمة الدولية مثل عمر كرامي، شقيق الرئيس الشهيد رشيد كرامي، خصوصا أن من شرع الباب سياسيا أمام إصدار العفو عن سمير جعجع قاتل شقيقه، رئيس الحكومة والزعيم السني، هو من يرفض اليوم ليس تبرئة قتلة والده بل أولئك الذين يراد توجيه الاتهام سياسيا اليهم ضمن مشروع أميركي ـ اسرائيلي الهدف منه النيل من سلاح المقاومة وهيبتها وسمعتها».

Script executed in 0.19386601448059