انطلقت في أوساط فريق 14 آذار مناقشة المرحلة الانتقالية من السلطة إلى المعارضة. حاول هذا الفريق الإيحاء بالأمر، أوّل من أمس، عبر الاعتصام «العفوي»، الذي نُظّم في الأشرفية بين مركز الأمانة العامة لـ14 آذار وفندق «لو غبريال». في الأكثرية السابقة، ثمة قوى مستعدّة لهذا النمط من العمل السياسي، كالقوات اللبنانية وحزب الكتائب، وربما ما بقي من حركة اليسار الديموقراطي، وهي أطراف وصلت فجأةً إلى الحكم بعد عهود طويلة من التهميش.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في قدرة تيار المستقبل على إعادة هيكلة تنظيمه وجمهوره وخطابه لخوض التجربة المعارضة. فقد عقد المستقبليون في الأيام الأخيرة، اجتماعات قيادية عدة لوضع خطة تفصيلية لمواجهة المرحلة المقبلة. كل تلك الاجتماعات لم تنتج صيغة نهائية، ولم تضع نقاطاً واضحة تمثّل المشروع السياسي المرحلي للتيار، في ظل ارتباك واضح في صفوف المستقبليّين، وخصوصاً على صعيد القطاع الإعلامي، الذي لم ينجح حتى ساعة متأخرة من مساء أمس، في بلورة الموقف السياسي للمستقبل. عشرات القادة التقوا في اجتماعات مطوّلة، انضم إليهم مسؤولو جميع القطاعات، ولم ينجحوا سوى بصياغة مسودة اقتراحات للشعارات السياسية المرحلية، وأجمعوا على أن تبقى الورقة التي توصلوا إليها «مسودة» لحين نيل موافقة الرئيس سعد الحريري، الذي لم يطّلع على تفاصيلها بعد.
رأس تلك الاجتماعات الأمين العام لتيار المستقبل، أحمد الحريري، بحضور أعضاء الأمانة العامّة وعدد من أعضاء المكتب السياسي. اجتمع هؤلاء وحدّدوا مجموعة من العناوين التي قد تتصدّر بعد أيام الشاشات الموالية للأكثرية السابقة، وأهمّها: أولاً، التشديد على أنّ ما حصل انقلاب سياسي ترهيبي، وأنّ ما جرى أشبه باغتيال سياسي للرئيس سعد الحريري وحلفائه، وهو عنوان يتضمّن مجموعة من البنود منها سلاح حزب الله وقدرته الأمنية، ترهيب النائب وليد جنبلاط، إضافةً إلى اغتيال العدالة والمحكمة الدولية.
ثانياً، هذا الانقلاب هو اعتداء على الطائفة السنّية بكاملها، ويهدف إلى إقصائها عن السلطة، الأمر الذي يُعدّ انقلاباً على الدستور واتفاق الطائق والميثاق الوطني. واللافت أن معظم رجال الدين السنة حرّكوا السبت الماضي لغة القلق على الطائفة والخوف على مصالحها.
ثالثاً، بحث كيفية التعامل مع العودة السوريّة إلى لبنان، وهي عودة من الباب السياسي أساساً لا من الباب الأمني أو أجهزة الاستخبارات. وبشأن هذه النقطة، لم يجد المستقبليّون جواباً سوى العودة إلى مرحلة الوجود السوري في لبنان والتجاوزات التي كانت تحصل في تلك الفترة، إضافةً إلى إثارة ملف «اللبنانيين المفقودين في السجون السورية»، وهو ملف لم يطرحه الرئيس سعد الحريري على طاولة البحث مع الرئيس بشار الأسد خلال مرحلة زيارته إلى دمشق.
رابعاً، التشديد على الهيمنة الإيرانية على لبنان، دولة ومؤسسات، ومحاولة تظهير أيّ حكومة لا يرأسها الحريري كأنها حكومة خارجة عن الشرعية اللبنانية والدولية، وتسعى إلى الإضرار بعلاقات لبنان الدولية وتهديم ما جرى بناؤه على صعيد العلاقة بالخارج، وتحويل لبنان إلى دولة مواجهة مباشرة مع الغرب.
خامساً، التشديد على الانهيار الاقتصادي الذي قد يصيب لبنان، بحيث يجري إعداد مجموعة من الدراسات الاقتصادية التي عليها أن تظهر تراجع الوضع الاقتصادي منذ خروج الحريري من السلطة.
إعداد أجندة سياسية تتماشى مع الظروف المستجدة، بات أمراً محسوماًَ في التيار، وخصوصاً أنّ المسقبليّين لم يروا في ما جرى في الأشرفية، أوّل من أمس، ما يبشّر خيراً. فتمنُّع فندق «لو غبريال» عن استضافة فريق 14 آذار مثّل الأرضية اللازمة لإعادة تصويب الصورة على «اضطهاد» ما بدأت تتعرّض له هذه القوى.
خرج هذا الفريق ليتّهم أجهزة الاستخبارات بممارسة هذه الضغوط والتأكيد على أنّ قرار المنع اعتداء على الحرية والديموقراطية.
تيار المستقبل غير راضٍ عمّا جرى بين مركز الأمانة العامة لقوى 14 آذار و«لو غبريال»، ولم يتبنَّ الكلمات التي ألقيت، ولم يقدّم إليها السقف السياسي.
وأبرز ما يدل على ذلك حذف تلفزيون المستقبل في تقريره الإخباري، كلمة المسؤول المستقبلي نصير الأسعد، وتلخيص معظم الكلمات التعبوية والرنانة التي ألقاها الأكثريون السابقون على الطريق العام الممتدة بين السوديكو وساحة ساسين. وثمة بين المسؤولين في تيار المستقبل من يرى أنّ «الأمور فلتت» في الأشرفية، وخصوصاً أن الأمر لم يكن متوقعاً، إذ إنّ معظم نشاطات الأمانة العامة، في السنوات الأربع الماضية، كانت تُعقد في الفندق نفسه دون أن تسجّل إدارته أيّ ملاحظة على الشكل أو المضمون السياسي لهذه النشاطات.
لم يجرؤ المستقبل على خوض معركة «لو غبريال» حتى النهاية، وخصوصاً أنّ قادة في التيار «يقطنون» في هذا الفندق منذ أكثر من أسبوع لأسباب أمنية وعملية: فكيف يمكن تصديق أن فندقاً، ينزل فيه عشرات الأكثريين السابقين، يرفض عقد اجتماع لهم في إحدى قاعاته؟ ربما هي عملية البحث عن «الأكشن» وإعادة ترتيب العلاقة في ما بينهم وبين جمهورهم، وخصوصاً أن النقد الذاتي بدا واضحاً في بعض النقاشات التي حصلت في الشارع بين الشخصيات الأكثرية، وأهمها بشأن منطق عدم مخاطبة الجمهور عند اتخاذ القرارات السياسية الأساسية.