أحاطت بترشح الرئيس نجيب ميقاتي لرئاسة ثالثة حكومات عهد الرئيس ميشال سليمان، بضعة معطيات تركز بعضها على الآتي:
1 ـــــ منذ أن استقال وزراء المعارضة، وأسقطوا حكومة الرئيس سعد الحريري، كان ميقاتي اسماً متداولاً في أوساط قوى 8 آذار. إلا أنه أظهر بادئ بدء تريثاً حيال الموافقة على ترشيحه، ورغب في أن ينبثق هذا الترشّح، على غرار ترؤسه أولى حكوماته عام 2005، من غطاء عربي، وخصوصاً من السعودية، بغية تسهيل تأليف الحكومة الجديدة، وكي لا يُضفى طابع استفزازي على هذا الترشح، أو تُستشم منه محاولة إحداث شرخ في الطائفة السنّية.
2 ـــــ عندما ذهب رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط إلى دمشق، في 14 كانون الثاني، التقى في الغداة، السبت، الرئيس السوري بشار الأسد. كان يحمل معه نتائج لقائه بالحريري الذي كان قد زاره في منزله في كليمنصو في 14 كانون الثاني، وأبلغ إليه استعداده لعقد مؤتمر صحافي الأحد 16 كانون الثاني، يؤكد فيه الحريري التزامه التسوية السعودية ـــــ السورية، بما فيها على الأخص آلية إخراج لبنان من المحكمة الدولية (وقف التمويل وسحب القضاة اللبنانيين وإلغاء بروتوكول التعاون مع الأمم المتحدة).
رمى استعجال إعلان الحريري موقفه إلى استباق ما كان المدعي العام في المحكمة الدولية القاضي دانيال بلمار قد أخطر به رئيس الجمهورية في ذلك اليوم، 14 كانون الثاني، عبر مكالمتهما الهاتفية، وهو أنه سيحيل القرار الاتهامي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري الاثنين 17 كانون الثاني على قلم المحكمة، وعلى قاضي الإجراءات التمهيدية القاضي دانيال غرانسين اليوم التالي الثلاثاء. سمع الأسد من جنبلاط العرض الذي حمله عن الموقف المتوقع من الحريري، وأطلق يده في استكمال مساعيه الآيلة حينذاك إلى ترئيس الحريري الحكومة الجديدة، انطلاقاً من التزامه التسوية السعودية ـــــ السورية وإخراج الوضع الداخلي من المأزق.
عاد الزعيم الدرزي إلى بيروت السبت. في الساعات التالية، بلغ إلى دمشق أن الحريري تراجع عن التعهّد الذي كان قد قطعه لجنبلاط، بأن أصرّ على عدم تخليه عن المحكمة الدولية. أرسلت القيادة السورية إلى جنبلاط الأحد رسالة من طريق النائب طلال أرسلان بوقف مساعيه، وأنها لم تعد ترى جدوى في التفاهم مع رئيس حكومة تصريف الأعمال ولا تتوقع منه أي دور. كان قد اتخذ عندئذ القرار النهائي بإيصاد أبواب السرايا تماماً في وجه الحريري، ومنع ترؤسه الحكومة الجديدة.
3 ـــــ منذ الاثنين 17 كانون الثاني، بعيد تأجيل الاستشارات النيابية الملزمة أسبوعاً، تحرّكت المعارضة في وجهة خوض معركة منع عودة الحريري إلى رئاسة الحكومة وتجريده من الغالبية النيابية التي كان لا يزال يمسك بها بفضل نواب الحزب التقدمي الاشتراكي واللقاء الديموقراطي بزعامة جنبلاط. صباح الثلاثاء كانت إشارة أولى عبر أصحاب القمصان السود. مساء اليوم نفسه أبلغ الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله وزيري الوساطة التركية ـــــ القطرية أحمد داوود أوغلو والشيخ حمد بن جاسم آل ثاني أنه لا عودة للحريري إلى الحكم في المدى المنظور.
4 ـــــ بعدما تراجع الحريري عن التعهّد الذي قطعه له، مضى جنبلاط في تثبيت خياراته الجديدة والوقوف في صف حزب الله والمعارضة في 21 كانون الثاني. كان قد برّر خروجه النهائي من الغالبية الموالية بأن الحريري وافق على قطع التعاون مع المحكمة الدولية قبل أن ينقلب على نفسه، وهو بذلك أظهر الاستعداد لملاقاة التسوية السعودية ـــــ السورية، ثم تراجع تبعاً لأحد خيارين: إما أنه لم يعد يريد التخلي عن المحكمة، أو أضحى عاجزاً ولم يعد في استطاعته التخلي عنها.
والواقع أنه نُظر إلى تراجع الحريري على أنه محاولة لكسب الرهان على الوقت في التوقيت الأسوأ للتلاعب بالوقت. حمل ذلك جنبلاط في مؤتمره الصحافي على كشف وثيقة التسوية بشقي بنودها المتعلقة بآلية التخلي عن المحكمة الدولية، وبالمطالب الأخرى المقابلة التي قايض بها رئيس حكومة تصريف الأعمال.
5 ـــــ أكثر من سبب حمل ميقاتي على الموافقة على الترشح لرئاسة الحكومة:
أولها، أن الحريري قبل التخلي عن المحكمة الدولية ثم تراجع، إلا أنه ثبّت القاعدة وسجّل السابقة، ما حرّر ميقاتي من وزر إقدامه على ما لم يقدم عليه الحريري. وهو في الواقع أقدم على ما كان الحريري قد وافق على الإقدام عليه ثم انقلب على نفسه بشهادة الضمان الذي حمله جنبلاط إلى الرئيس السوري نقلاً عن الحريري في لقاء كليمنصو.
ثانيها، زيارة قام بها ميقاتي وشقيقه طه لدمشق الأربعاء 19 كانون الثاني، واجتماعهما بالرئيس السوري، مهّدت لإخراج الرئيس السابق للحكومة قراره بالترشح من التريث إلى العلن، وخصوصاً أن هذا التحوّل اقترن بجهود شاركت فيها تركيا وقطر وفرنسا، ولم تكن السعودية بعيدة عنها، مع سوريا بغية تأمين انتقال هادئ للسلطة من الحريري إلى ميقاتي، والتعويل على دور إيجابي للأسد في ضمان الاستقرار في لبنان. في جانب من زيارة ميقاتي دمشق واجتماعه بالأسد الحصول على أوسع تأييد لتأليف حكومة جديدة، عزّزت الحصول عليه علاقات وثيقة تربطه بتركيا وقطر إلى السعودية.
ثالثها، أن عودة النائب نعمة طعمة من الرياض مساء الأحد، وتوجهه للفور للاجتماع بميقاتي، أعطى إشارات إيجابية إلى دعم سعودي لانتقال السلطة الإجرائية من الحريري إلى ميقاتي، وخصوصاً أن لنائب الشوف استثمارات مالية ضخمة في المملكة تصل إلى مليار دولار من خلال شركة المباني التي بات يملك من بين شركائها اللبنانيين والسعوديين ما يزيد على 70 في المئة من أسهمها، الأمر الذي يحمله على مزاوجة موقفه السياسي بمصالحه الاقتصادية. وكان طعمة قد قدّم البارحة دليلاً إضافياً بانضمامه إلى جنبلاط في تسمية ميقاتي رئيساً مكلفاً تأليف الحكومة.
6 ـــــ كان لرئيس المجلس نبيه برّي دور رئيسي في تعزيز حظوظ ميقاتي لرئاسة الحكومة لأسباب:
بعضها اتصل بكونه كان جسر التعويل على ترؤس ميقاتي الحكومة الجديدة، وصلة وصل الحوار بينه وبين المعارضة.
وبعضها الآخر أن برّي لم يندفع كسائر أفرقاء المعارضة في التأييد العلني للرئيس عمر كرامي، تاركاً الباب مفتوحاً أمام ميقاتي الذي تجمعه به صداقة وطيدة.
وبعضها الثالث يتصل ببروفيل الرئيس المرجح تكليفه اليوم حيال الداخل والخارج في آن واحد، وخصوصاً أنه التزم القيام بما تعهّد الحريري القيام به قبله، بالتخلي عن المحكمة الدولية.
وبعضها الرابع أن رئيس المجلس الذي حرص، حتى إسقاط المعارضة حكومة الحريري، على عدم قطع الطريق أمام رئيس حكومة تصريف الأعمال إلى أن أصرّ الأخير على المضي في المواجهة حتى النهاية.