قبل أن ينزل بعض مناصري تيار المستقبل إلى الشارع احتجاجاً على استبعاد سعد الحريري عن رئاسة الحكومة، كان المستقبليون يعيشون إحباطاً هو الأقسى في حياتهم السياسية، يقارنوه بالسابع من أيار، فيجدون الأخير أهون
« أما اليوم، فنحن زرعنا خلال السنوات الخمس الماضية، وحصدنا الخيبة. عشنا نشوة نظرية الـso what، قبل أن تسقط بالضربة القاضية». وبرأي مجموعة من الشبان المستقبليين، فإن ما وصل إليه سعد الحريري هو نتيجة سياسية طبيعية لما جرى منذ انتهاء حرب تموز 2006، وما بعد 7 أيار 2008. أحد زملائه يذهب بعيداً. يرى أن الانحدار المستقبلي بدأ منذ عام 2005، وبالتحديد منذ الاتفاق الرباعي. «كنا مترددين، ولم نجرؤ يوماً على الحسم. وبعد حرب تموز 2006، بدأنا بإنشاء تنظيم عسكري وأمني، لكنه انهار في دقائق. ثم ذهبنا بطريقة غير مدروسة إلى دمشق. ومنذ سنتين، لم نوجه لجمهورنا خطاباً سياسياً يوضح له خياراتنا. بعد ذلك، لجأنا إلى مفاوضات التسوية، التي ارتكب فيها سعد الحريري جريمة سياسية عنوانها التخلي عن المحكمة الدولية من دون مقابل. ثم يخرج الحريري ليقول: لا يفرّقني عن حلفائي سوى الموت. يقول ذلك وهو لا يُبلغ سمير جعجع بما يجري بينه وبين سوريا. ليسألنا أحد: بأي حق يتخلى سعد الحريري عن المحكمة الدولية؟».
يعود أحد الناشطين في قوى 14 آذار إلى «صموئيل هنتنغتون الذي قال إن انتصار أميركا والغرب في الحرب الباردة لم يحصل لأنهما كانا على حق، بل لأنهما أجادا برمجة الاستراتيجيات واستخدام القوى». يضيف: «هل يريدون اليوم أن يقنعونا بأن السبب الوحيد لانهزامنا هو وجود السلاح في يد الفريق الآخر؟ نحن أخرجنا سوريا من لبنان بوجود السلاح. وما يحصل اليوم هو نتيجة طبيعية لسوء الإدارة السياسية التنظيمية لمشروع تسلمه سعد الحريري عام 2005، وهو مثل الذهب».
وبرأي الناشط المستقبلي، فإن «المعارضة وسوريا استدرجا سعد الحريري للموافقة على إلغاء المحكمة الدولية، لكي يخرج هذا البند من إطار المحرمات. ومن هذا المنطلق، استقوى نجيب ميقاتي على الحريري. قد يقول بعضنا إن ميقاتي طعن الحريري. هذا صحيح، لكنه ما كان بإمكانه فعل ذلك لو لم يجد أن سعد الحريري وافق على إلغاء المحكمة، ولو لم يرَ أن الحريري ضعيف: ضعيف في خطابه السياسي، وفي الهيكلية التنظيمية لتياره، وفي وسائل إعلامه».
أحد نواب المستقبل ينحو باللائمة على السعودية. يرى أن «الخطأ الرئيسي بدأ منذ أن تسلم الأمير عبد العزيز بن عبد الله الإدارة السياسية لملف شديد الحساسية، كملف المحكمة الدولية، وهو الجاهل بشؤون لبنان وسوريا». ويرى النائب المذكور أن سعد الحريري يتجه إلى المزيد من الانهيار، لأنه لا أحد «يملك الإمكانات ولا القدرة على الذهاب بالسنّة إلى الفوضى». وبرأي النائب ذاته، ثمة جهات عربية وغربية، سواء داخل بعض «الأوساط السعودية والقطرية والمصرية والفرنسية تعبت من إدارة سعد الحريري للأمور، وخاصة منذ تأليف الحكومة».
ما يقوله النائب المذكور يرفضه ناشطون مستقبليون. يقول أحدهم إن من الخطأ تحميل السعودية مسؤولية الانهيار، فهل «الملك السعودي مسؤول عن مستشاري سعد الحريري؟ وهل هؤلاء مفروضون بقرار من مجلس الأمن الدولي؟ أم أن سعد الحريري هو من اختارهم؟ وما الذي كان بإمكان السعودية أن تقوم به أكثر مما فعلت؟ لقد موّلت المملكة الانتخابات والتنظيم العسكري بمئات ملايين الدولارات، فهل هي مسؤولة أيضاً عن سوء التصرف بهذه الأموال؟».
يلاقيه ناشط آخر بالقول إن سعد الحريري اختار أن يقضي أكثر من مئتي يوم من عامه الأول رئيساً للحكومة خارج البلاد، ثم عجز عن استثمار هذه العلاقات الدولية لمصلحة مشروعه السياسي غير الواضح. وبرأيه، فإن كل ما يُقال اليوم في أوساط تيار المستقبل عن «ضغط السلاح على وليد جنبلاط وعن دور السعودية في الانهيار الذي نعيشه وعن الطعنة التي وجهها إلينا نجيب ميقاتي ليس سوى تبريرات نحن بغنى عنها. فما نحن بحاجة إليه اليوم هو مراجعة جدية، ليس على طريقة ما بعد 7 أيار أو ما بعد الانتخابات البلدية. وهذه المراجعة ينبغي لها أن تبدأ من هيكلية التيار ووسائل الإعلام والتحالفات والخطاب السياسي. وبعد إنجاز هذه المراجعة، بإمكاننا السير نحو المواجهة». وبرأي ناشط مستقبلي، لا يستقيم خطاب «بناء الدولة مع موافقة سعد الحريري على إلغاء المحكمة الدولية لقاء البحث في موقع وسام الحسن أو دوره، ومنع الضباط الأربعة من ملاحقة قضيتهم. فإن كان هؤلاء الضباط مظلومين، فهل يجوز لسعد الحريري منعهم من المطالبة بحقوقهم؟ وإذا كان وسام الحسن مرتكباً، فهل يكون بناء الدولة في حمايته؟».
ويخلص أحد المستقبليين إلى القول «إننا بحاجة إلى إبراز مشروعنا السياسي، وأن نقول للناس على أي أساس سنأخذهم إلى الانتخابات عام 2013، وكيف سنمسح خطيئة التنازل عن المحكمة الدولية مقابل لا شيء. لقد قال الطرف الآخر لنا: ستخسرون المحكمة والحكومة، وقالوا لنا إنهم سينفذون انقلاباً دستورياً من داخل المؤسسات. كل ما قالوه صدقوا فيه. فكيف واجهنا؟ خطابنا اليوم تراجع من شعارات 14 آذار الجامعة إلى تذكير المواطنين بأن سعد الحريري سنّي».
كل ما ذُكر ليس سوى كلام نخبوي كان يقال أمس على ألسنة مجموعة من الناشطين في تيار المستقبل وقوى 14 آذار. أما الشارع المستقبلي، فله كلام آخر. ومع بدء التحركات الشعبية على الأرض، تغيرت لهجة المحبطين المستقبليين. استبشروا خيراً. بدأوا يرددون كلاماً مفاده أنه لا يختار لنا سوى المواجهة، والضغط على نجيب ميقاتي من أجل الاستقالة، ثم إعلان فشل مؤسسات الدولة، والعودة إلى مفاوضات لوضع خطة سير جديدة للبلاد.