طرابلس :
وأطلق النار في الهواء مرات عدة بهدف تفريقهم وتجنيب الممتلكات العامة ومكاتب تابعة للرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي من الاعتداءات التي طاولتها ومن محاولات إحراقها. وكالعادة، كان للإعلام النصيب الأوفر حيث تم احتجاز فريق عمل قناتيّ الجزيرة والجديد في مبنى «جمال ترست بنك» لساعات قبل أن تخرجهم القوى الأمنية وتؤمن لهم طريق العودة إلى بيروت، لكن سيارة النقل المباشر الخاصة بـ«قناة الجزيرة» بقيت في مكانها متفحمة بعدما أقدم المتظاهرون على تحطيمها ومن ثم إحراقها بالكامل.
وجاءت حصيلة «يوم الغضب» في العاصمة الثانية عدداً من الجرحى الذين أصيبوا بالحجارة والعصي، نقل أربعة منهم الى مستشفيات المدينة للمعالجة، وأحدهم أصيب بطلق ناري في محلة باب الرمل، أما المصابون الثلاثة الآخرون، فقد تعرضوا للضرب المبرح من أنصار «تيار المستقبل» خلال هجومهم على مكاتب الصفدي الكائنة في ساحة الاعتصام.
وأدى الشغب الذي شهدته «ساحة عبد الحميد كرامي» وبعض المناطق الطرابلسية من خلال قيام المستقبليين بقطع الطرق بالإطارات المشتعلة الى حالات خوف ورعب في المدينة التي شلت حركتها وأقفلت محلاتها التجارية والمصارف والمدارس فيها، وذلك خوفاً من تصاعد وتيرة الاحتجاج وتحولها إلى مواجهات واشتباكات أمنية، خصوصاً في ظل استنفار عناصر «الحزب القومي السوري الاجتماعي» ضمن مركزهم في محلة الجميزات القريبة من ساحة الاعتصام، حيث ضرب الجيش اللبناني حوله طوقاً أمنياً، وحال دون وصول أي من المتظاهرين إلى المركز. كما قطعت الطريق المؤدية إلى كرم القلة حيث مكتب الرئيس عمر كرامي ومنزل النائب أحمد كرامي. ويمكن القول إن طرابلس شهدت اعتصاما أمس اختلط فيه الحابل بالنابل، فاستقطبت ساحته حشوداً من مناصري الرئيس سعد الحريري، وفدوا إليها من قرى عكار والمنية والضنية والبداوي وسائر المناطق الشمالية، إضافة إلى آخرين في مناطق طرابلس.
وغاب عناصر الانضباط المتواجدون عادة في كل التحركات الشعبية للحؤول دون خروج الاعتصام عن أهدافه، فغنى كل فريق من المشاركين على ليلاه وتعامل مع الممتلكات العامة ومكاتب النواب ومراكزهم الاجتماعية والخيرية على هواه، ما أدى إلى خروج كل الأمور عن السيطرة. ولم تنفع دعوة الحريري إلى التهدئة، وكذلك المحاولات التي بذلها النائبان محمد كبارة ومعين المرعبي لإقناع المحتجين بمغادرة الساحة، الذين فضلوا البقاء لمواجهة الجيش الذي نجح عند الساعة الرابعة من بعد ظهر أمس، أي بعد ست ساعات على بداية الاعتصام، في فرض سيطرته وإخلاء شوارع المدينة من المحتجين الذين غادروا إلى بلداتهم وقراهم في الأقضية الشمالية ولا سيما في عكار والمنية والضنية.
تفاصيل «يوم الغضب»
وكانت الوفود الشعبية قد بدأت بالتقاطر التاسعة والنصف من صباح أمس إلى ساحة الاعتصام، واتخذت أماكنها فيها، رافعة الأعلام اللبنانية وأعلام «تيار المستقبل» وصور الحريري، واللافتات التي رفضت استبعاده عن رئاسة الحكومة وتسمية بديل عنه. ورددوا الهتافات المناهضة للرئيس ميقاتي والوزير الصفدي وكل رموز المعارضة وفي مقدمتها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله والعماد ميشال عون. وعمد بعضهم إلى إحراق صور ميقاتي والنائب وليد جنلاط، وأعلاماً لحزبه وللتيار الوطني الحر، وذلك على وقع الأغاني الحريرية التي بثت من مكبرات الصوت والتي أقيمت على أنغامها حلقات الرقص والدبكة.
وعند الحادية عشرة قبل الظهر اكتمل عقد المشاركين ووصل الى ساحة الاعتصام النواب سمير الجسر، ومحمد كبارة، وخالد ضاهر، ومعين المرعبي، وخالد زهرمان، وهادي حبيش وكاظم الخير، ومفتي عكار الشيخ أسامة الرفاعي، ومنسق «تيار المستقبل» في طرابلس الدكتور مصطفى علوش ومنسقو تيار المستقبل في عكار والأقضية الشمالية. وألقيت سلسلة كلمات استنكرت مصادرة قرار الطائفة ودعت ميقاتي إلى التنحي، حيث دعا النائب خالد ضاهر قوى 14 اذار إلى «إعلان الاعتصام المفتوح في كل لبنان رفضا لمن يريد أن يقهر إرادة السنة والمسلمين والمسيحيين في لبنان». ودعا ضاهر ميقاتي إلى «قلب الطاولة في وجه من يتربص بلبنان من أجل أهل السنة والمسلمين والمسيحيين»، مطالبا رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان «برفض الاستشارات المهزلة لأنها جرت تحت قوة السلاح».
وقال النائب محمد كبارة: «لن نقبل بأي انسان يقوم بتعيين الرؤساء علينا، ولن نسمح باغتصاب قرارنا واحتلالنا مجددا»، ونحن في يوم الغضب الوطني سنواجهكم بصدورنا وأجسادنا وارادتنا حتى نسقط مخططاتكم، ومهما فعلتم لن تسقطوا ولن تتمكنوا من إلغاء المحكمة الدولية». ووجه النائب الجسر التحية إلى المعتصمين، مشيراً إلى أن تحركهم هو وسيلة حضارية للتعبير عما يختلج في صدوركم من غضب راكمته أيام من قهر ولم تقابلوه يوماً إلا بالانفتاح والتسامح واليد الممدودة. وتوجه الجسر الى الرئيس ميقاتي: «أقول لمن أعرف وطنيته ودينه وحبه لطائفته ومدينته، أقول للرئيس ميقاتي عد الى موقعك الطبيعي الى حيث تنتمي وأنت القائل دوما إنك لن تتجاوز توجه أهلك. أقول له لقد سدوا علينا المخرج الثالث، فبعد الفيتو على الرئيس السنيورة بالأمس، وبعد الفيتو على الرئيس الحريري اليوم، سيشرعون لنا أدق تفاصيل حياتنا. انهم يخبئون لك من الشروط والطلبات ما لا تستطيع له تحملا ولا قبولا».
ورأى علوش «أن من يقبل الاهانة يبقى مهانا طوال حياته، مؤكدا أن هذا البلد هو بلد التعدد وتلاقي الطوائف والحضارات، ولا يمكن ان يبقى اذا هيمنت فئة أخرى عليه»، معتبرا «ان السياسة الخطيرة التي ستفرض على لبنان هي محاولة لضم لبنان الى المحيط الفارسي، إننا لهم بالمرصاد». كما ألقيت العديد من الكلمات لكل من شخصيات تيار المستقبل من أعضاء مجلس سياسي ومنسقين ومناصرين.
بعد انتهاء الكلمات غادر النواب ساحة الاعتصام لتتحكم فيها مجموعات غير منضبطة عملت على شحن النفوس من خلال الهتافات والدعوات الى التصدي لكل من يقف في وجه عودة الحريري إلى سدة السلطة التنفيذية، فحوصر إعلاميو قناتيّ «الجزيرة» و«الجديد» في «مبنى جمّال»، وحطم مناصرو «المستقبل» سيارة النقل المباشر للجزيرة وأحرقوها بالكامل. وقد بذلت القوى الامنية مجهوداً مضنيا لإخراج الإعلاميين المحاصرين سالمين. وجعل ذلك ساحة الاعتصام في حالة فوضى عارمة، استغلتها بعض المجموعات وحاصرت مكاتب الصفدي وتصدت للجيش اللبناني الذي حال مع عدد من الحراس دون وصولهم إلى تلك المكاتب التي تستخدم للخدمات الاجتماعية والمساعدات المالية للمحتاجين من أبناء المدينة.
وحصلت اشتباكات بالأيدي والعصي أدت إلى سقوط ثلاثة جرحى من حراس المكتب، نقلوا إلى المستشفى، فيما قام بعض الشبان بتسلق الأعمدة ووصلوا من خلالها إلى شرفة أحد المكاتب وعملوا على خلع الأبواب وتكسير الزجاج وبعثرة بعض المحتويات وإحراق قسم منها قبل أن يستقدم الجيش اللبناني تعزيزات إضافية تمكنت من تأمين الحماية اللازمة بعد مواجهات استمرت لنحو ساعة مع المحتجين، الذي رموا وابلا من الحجارة على العسكريين، فيما عملت إطفائية طرابلس على إخماد الحرائق. ولم تسلم المكاتب والمؤسسات والمحلات التجارية الخاصة الموجودة في محيط ساحة الاعتصام من تحطيم واجهاتها. كما انتقل المحتجون إلى شرفة مكتب مختار النوري فتحي حمزة. وعملوا على تحطيم الزجاح وإزالة صورة للصفدي.
وأصدر مكتب الوزير محمد الصفدي بيانا جاء فيه: «أقدم مسلحون ومتظاهرون على اقتحام مكتب الوزير الصفدي في ساحة النور في طرابلس، فأحرقوا محتوياته واعتدوا على من في داخله. وشوهد مشاغبون يتوجهون إلى مركز الصفدي الثقافي في منطقة المعرض حيث يتواجد طلاب وباحثون ورواد المكتبة العامة. وإننا نحمل كامل المسؤولية لمن يقوم بهذه الأعمال ولكل من حرض على القيام بها».
واستمرت حالات الهرج والمرج فقسّم المحتجون أنفسهم الى مجموعات سلكت طريقها باتجاه مكاتب الخدمات والمساعدات التابعة لـ«جمعية العزم والسعادة الاجتماعية» التابعة لميقاتي في شارع المصارف، ولمكاتب الجمعية في شارع الحرية وباب الرمل، فيما حاولت إحدى المجموعات الوصول الى مركز «الحزب السوري القومي الاجتماعي»، لكن الجيش اللبناني كان لهم بالمرصاد، حيث تدخلت فرقة مكافحة الشغب وأطلق النار في الهواء لتفريق المحتجين ومنعهم من الوصول إلى أهدافهم في التحطيم والإحراق. وقد نتج عن تلك التحركات إصابة عدد من المشاركين بالحجارة في رؤوسهم وفي أنحاء مختلفة من أجسادهم، إضافة إلى إصابة شخص بطلق ناري.
وعند الساعة الثالثة من بعد ظهر أمس، وبعد الخطاب الذي وجهه الحريري إلى اللبنانيين ودعا فيه إلى التهدئة، عاد النائبان محمد كبارة ومعين المرعبي إلى ساحة الاعتصام التي كانت فرغت من أكثرية المشاركين باستثناء المجموعات المشاغبة، وطلبا منهم المغادرة التزاما بدعوة الحريري، ووجدا صعوبة في ذلك، ليتسلم بعد ذلك الجيش اللبناني زمام المبادرة.
وشهدت طرابلس قطعاً للطرق بالإطارات المشتعلة في محلة البقار والملولة والتبانة وباب الرمل، التي أعاد الجيش اللبناني فتحها، وعاشت المدينة على وقع الشائعات التي ضاعفت من حجم الخوف لدى المواطنين.