أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

خارج السلطة... ومثقل بالأخطاء >>>هل دمّر سعد إرث والده؟

الأربعاء 26 كانون الثاني , 2011 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,547 زائر

خارج السلطة... ومثقل بالأخطاء  >>>هل دمّر سعد إرث والده؟



من المفهوم أن تقوم المعارضة السابقة بأخطاء وهفوات في كل حين، فهي مجموعة من الأجسام المفككة التي لا تكاد تجتمع على أكثر من نقطة أو نقطتين. ومن المفهوم أن تقول المعارضة الشيء ونقيضه في الوقت نفسه. فحين تسمع أن الرئيس المكلف نجيب ميقاتي ليس مرشح قوى الثامن من آذار، يمكنك أن تقرأ في السطر التالي لشخصية أخرى من المعارضة تصريحاً يقول بأن المعارضة مستعدة لإعطاء قوى 14 آذار 11 وزيراً، إذ كأنها هي من أتى بميقاتي، وتأليف الحكومة أمر يخضع لمزاجها الخالص.


لكن في المقابل، من غير المفهوم أن يقوم قيادي واحد، مطلق الصلاحيات، ومدعوم من الشرق والغرب، بكل الأخطاء التي لا تؤدي فقط إلى خروجه من السلطة المحلية، بل أيضاً إلى رفض بعض رعاته الرد على اتصالاته الهاتفية، وحتى إلى تدمير إرث والده الشهيد رفيق الحريري.


تدمير التحالفات


وحده الشيخ سعد الحريري هو من تمكن من دفع أصدقائه وحلفائه إلى التحول إلى موظفين لديه، كحال العديد من قوى 14 آذار المسيحية، التي تشيع أنها تضبط رئيس الحكومة القليل الخبرة على وقع شعاراتها. وفي واقع الأمر فإن رئيس تيار المستقبل كان يوظف القوى هذه لخدمة مصالحه المباشرة.

1ـــــ دمر سعد الحريري علاقته بالوزير محمد الصفدي على دفعات. كانت الضربة الأولى حين أخرج من التكتل الطرابلسي محمد كبارة عام 2007، وهدد الصفدي بالويل والثبور وعظائم الأمور بعدما قال الصفدي في مؤتمر سيل سان كلو إن انتخاب رئيس جديد للجمهورية يتطلب أغلبية الثلثين في مجلس النواب. ثم عاد وأبعد الصفدي أكثر حين اكتشف الأخير أنه استدرجه في غير مناسبة من الانتخابات النيابية عام 2009.

ولم يخرج الحريري عن اللياقة فقط مع الصفدي، بل تعامل بصلف وتعالٍ حين عتب عليه الصفدي عام 2009 خلال مرحلة الانتخابات الفرعية في المنية، بعدما قرر الحريري منفرداً المرشح البديل للنائب هاشم علم الدين. قال الصفدي: «ربما كان يفترض أن نتشاور على سبيل أخذ الرأي»، فأجاب الحريري: «في المرة المقبلة نسمع رأيك ونشاورك».

وتخيل سعد الحريري أن ما بين الصفدي ورئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي ما صنعه الدهر، وأن بإمكانه اللعب على خلافات الرجلين إلى الأبد، وإحكام سيطرته على طرابلس، قبل أن يخرج المرشح السابق خلدون الشريف بنظرية جمع الصفدي بميقاتي (بالحلال) للإمساك بقرار طرابلس، وتالياً الشمال.

2ـــــ خسر الحريري علاقته التحالفية بميقاتي على مراحل، لا تتسع لها صفحات. لكن حين تولى الحريري رئاسة الحكومة، وبعدما أصبح رئيس الجمهورية يضع جدول الأعمال، حاول ميقاتي أداء دور في دعم سعد الحريري، فأصدر تصريحاً يدعم فيه صلاحيات رئيس الحكومة، ما أثار سعد الحريري الذي كان خارج البلاد، فاتصل بميقاتي غاضباً. بعدها بدقائق، صدر تصريح عن أحد نواب المستقبل، الذي زار النائب ميقاتي ليبلغه بأنه قرأ التصريح عبر وسائل الإعلام كأي مواطن آخر، وأنه لا علاقة له بما جرى. حينها قرر ميقاتي أن الدفاع عن سعد مستحيل.

3ـــــ دفع الحريري النائب وليد جنبلاط إلى الابتعاد، إذ ربما استأنس رئيس تيار المستقبل بأشخاص كسمير جعجع أكثر بكثير، أضف إلى العقدة التي يحملها سعد تجاه كل «الحرس القديم» الذي كان إلى جانب والده، والهاجس الأمني الذي سيطر على تفكيره منذ مقتل أبيه.

جنبلاط استنتج في النهاية أن دعواته للحريري إلى تأليف فريق جدي حوله من ناحية، والاستفادة من خبرات سياسيين في تعلم أصول العمل السياسي المحلي لن تصل إلى نتيجة،.

جنبلاط بقي يمثّل العمود الفقري لمجمل حركة قوى 14 آذار، حتى اكتشف أن كل ما ترغب به وزيرة الخارجية الأميركية هو «تعديل سلوك سوريا»، فوقع بين حلفاء قصار النظر، وبعضهم شديد الغباء، وبين راع أميركي دفع ثورة الأرز أبعد مما يجب، فخرج إلى الفضاء السوري.

بقي سعد من بعدها وحيداً، وبصحبته مجموعة من المبتدئين، وحوله منتفعون كانوا إلى الأمس حلفاء رستم غزالة وغازي كنعان.


مقامرة وطفولية


تعامل سعد الحريري مع الواقع المحلي بمزيج من العقليات المتناقضة، التي أدت به في النهاية إلى انهيار في منظومته السياسية وخروجه من الحكم مذلولاً مهاناً، وخاصة بعدما سمع اللبنانيون عبر تسجيلات المحكمة الدولية أي شخص كان يحكم هذه البلاد، وأي نظرة يمتلكها تجاه الآخرين، كل الآخرين.

1 ـــــ قامر الحريري بكل شيء، معتمداً على ضربات الحظ وحدها، وعلى ثقة مطلقة بأنه حاكم مطلق، من لحظة تصديقه لنظرية أنه صانع الملوك، حين أتى بفؤاد السنيورة رئيساً للحكومة، وهو بحسب نص شهادته أمام المحقق الدولي يعتقد أنه أتى بنجيب ميقاتي نفسه رئيساً للحكومة (قبل أن يطعنه ميقاتي في ظهره، بحسب الشهادة نفسها).

2 ـــــ كذلك عمل الحريري الشاب بصفته رجل أعمال يدير دولة، من دون حتى أن يمتلك خبرة جدية في فنون الإدارة.

3 ـــــ تصرف بعناد صرف، ووضع كل المعطيات في منحى أنها تصب في مصلحته، قدم التنازلات معتبراً أنها مجرد خدعة، يمكنه التملص منها حين يعود إلى قصره.

4 ـــــ تجاهل كل المعطيات والرسائل الدولية، سواء أكان نتيجة قصر نظر أم عناد، ورأى أن الرسائل السياسية التي تصله في اللحظات الحاسمة من المملكة العربية السعودية ومن سوريا ومن قطر ومن فرنسا، ومن تركيا، وحتى من الولايات المتحدة هي في خدمته هو فقط، وأن الخيارات الأخرى مستحيلة.

5 ـــــ أدار ظهره لثابتتين وضعهما رفيق الحريري نصب عينيه طوال الوقت: حكم لبنان يمر عبر بوابة دمشق، وحفظ المقاومة مدخل إلى سلطة مستقرة في البلاد.

6 ـــــ فشل في ترؤس فريق عمل حكومي، وإن كان قد أوحى لبعض الوزراء خلال الجلسات الأولى أنه رجل دولة يريد تسهيل أعمال الوزارات، ثم تخلى عن دوره رويداً رويداً، وصولاً إلى تحوله لطرف في معادلة مجلس الوزراء الحاكم، وانتهى بخطيئة لا تغتفر حين قام وهدد وزير اتصالاته شربل نحاس، الذي كان أكثر دقة في رده على تهديده، وقال: «هذا كلام لا يليق بشخص يريد أن يصبح رئيس حكومة»، مشيراً إلى أن الحريري لم يصل إلى درجة تولي رئاسة حكومة بعد.

7 ـــــ قرأ كل العطيات السعودية على نحو خاطئ، وعمل مع فريق سعودي ليس حاكماً (بعد)، ونفذ رغباته في وضع الولايات المتحدة بمواجهة دمشق في لقائه بالرئيس الأميركي باراك أوباما، ناسياً أنه في حال عجزه عن ضمان المصالح الأميركية فإنه سيكون بمفرده في بيت الوسط.


الشارع والتعلم


لجأ الحريري إلى الشارع للمرة الثانية خلال اليومين الماضيين، بعدما كان قد اختبر هذه التجربة بمفرده أيضاً عام 2006؛ ففي الخامس من شباط من ذلك العام، حاول استنهاض الشارع السني تحت شعار «إلا رسول الله» في مواجهة الرسوم المسيئة إلى النبي محمد، على أساس الاستفادة من الاستنهاض لاحقاً في تجمع 14 شباط 2006، وغرق حينها الحريري وفريقه في العنف في غزوة التباريس، وتخلى عن الشارع، غاسلاً يديه من جمهوره ومفتين ومشايخ تولوا التحريض للتظاهرة قبل أسابيع طويلة.

ومع اشتعال غضب المئات من الشبان في لبنان لرحيل سعد الحريري من السلطة وتنفيذهم لدعوة تيار المستقبل بالنزول إلى الشارع وقطع الطرقات، اختنق الحريري بدخان حرائق مستوعبات النفايات، فعاد وتخلى عن جمهوره الذي تجاوب معه، وتركه وحيداً لغريزته وأجهزة الأمن.

Script executed in 0.18431496620178