أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

نهاية مرحلة: ميقاتي يطلق معركة التأليف

الخميس 27 كانون الثاني , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,492 زائر

نهاية مرحلة: ميقاتي يطلق معركة التأليف

يبدأ الرئيس المكلف تأليف الحكومة نجيب ميقاتي، اليوم، الخطوة العملية الأولى على طريق رسم معالم حكومته، وهي طريق لا تبدو سالكة على خطين، لأن الإيجابية على مسلك الأكثرية الجديدة ـــــ المعارضة سابقاً، تقابلها مطبات وعوائق وربما إقفال تام لخط المعارضة الحالية ـــــ الأكثرية سابقاً.
ويكفي لاستنتاج ما ينتظر ميقاتي في استشاراته النيابية، اليوم وغداً، محاولة قراءة الصور التي جمعته بكل من رؤساء الحكومات السابقين الذين زارهم أمس، في إطار تقليد يقوم به أي رئيس يكلف تأليف حكومة جديدة، قبل بدء استشارات التأليف. ففي الرملة البيضاء، جلس ميقاتي والرئيس عمر كرامي على كنبتين متقاربتين، غير مكتفيين بذلك، فتقدم كل منهما باتجاه الآخر، يتبادلان حديثاً ضاحكاً وودّياً. المشهد ذاته تكرر في الرابية بين الرئيس المكلف والعماد ميشال عون، مضافاً إليه صورة ثانية تظهر عون يستقبل زائره بالترحاب في الخارج. لكن في الوسط التجاري، لم يتكرر إلا مشهد الكنبتين، على إحداهما رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري راجعاً بظهره إلى أقصى ما يسمح به اتساع الكنبة، وشابكاً يديه على صدره، أما وجهه فواجم جامد كأنه تمثال، ومقابله ميقاتي في جلسة رسمية بدا كأنه يحاول تبديل أجوائها من خلال ملامح ابتسامة لم تلق تجاوباً من صاحب الدار. وربما لأن اللقاء حصل في مكتب في السادات تاور، جمعت كنبة واحدة عريضة الرئيس المكلف والرئيس فؤاد السنيورة الذي بدا أكثر ارتياحاً من الحريري مع ابتسامة متحفّظة، مقابل ضحكة واضحة من ميقاتي. أما الصورة مع الرئيس رشيد الصلح، فعكست البروتوكولية المحضة للقاء، نظراً إلى كبر سن رئيس الحكومة الأسبق، وعدم اصطفافه السياسي.
وتؤكد الاختلافات ما بين صورتي ميقاتي مع كل من الحريري والسنيورة، ما ذكره قيادي بارز في تيار المستقبل لـ«الأخبار» عن وجود وجهتي نظر تتصارعان داخل كتلة المستقبل النيابية: الأولى يتقدمها السنيورة، وترى أهمية في المشاركة في الحكومة «إذا نلنا الثلث الضامن»، والثانية يتزعمها الحريري الذي يرفض في المطلق المشاركة في حكومة ميقاتي أو غيره، ويرى ضرورة التوجه نحو تأليف معارضة نيابية وفي الشارع، والتفرغ لتنظيم تيار المستقبل وإعادة التواصل مع جمهوره.
ويتأكد هذا الجو أكثر من خلال التعاطي مع اللقاءين اللذين عقدهما ميقاتي، إذ اكتفى المكتب الإعلامي للحريري بالقول إن الأخير استقبل الرئيس المكلف «في إطار الزيارات البروتوكولية التي يقوم بها ميقاتي لرؤساء الحكومة السابقين»، فيما استفاض السنيورة في الحديث عن اللقاء، مشيراً في البداية إلى صداقة قديمة تربطه بميقاتي «منذ أيام الدراسة الجامعية وما بعدها، وهذه الصداقة وثيقة إلى حدّ كبير»، لكنه استطرد بأن الأمور السياسية تتعدى موضوع الصداقة، مذكّراً بموقف كتلة المستقبل، أول من أمس، ومبرراً بأن ما دفع إلى اتخاذ هذا الموقف هو «الضغوط والتهويل اللذان مورسا خلال الفترة الماضية». وإذ كرر أن «الملابسات التي جرت» لا تؤكد أن الرئيس المكلف في موقع وسطي «فعلياً، إنه مرشح ومؤيّد من حزب الله»، استدرك بأنه «من خلال ممارسته في المستقبل، سيصار إلى النظر في الأمر (الوسطية) ومتابعته». وعن المشاركة في الحكومة، قال: «هذا الموضوع سيصار إلى متابعة النظر فيه واتخاذ القرار الملائم في الوقت المناسب»، ملوّحاً في الوقت نفسه بأنه ستكون هناك تحركات «ضمن الأساليب السلمية والحضارية الكاملة»، في حال عدم المشاركة.
وعلم أن لقاء الحريري ـــــ ميقاتي لم يستمر أكثر من بضع دقائق، في ظل السلبية التي تعاطى بها رئيس حكومة تصريف الأعمال مع ضيفه. بل تردد أنه التزم الصمت إلى درجة عدم الرد على زائره.
على المقلب الآخر، عكست المواقف ارتياحاً تاماً، فتحدث عون عن أجواء تفاهم، فـ«نحن رشّحناه، وهي المرة الأولى التي نرشح فيها رئيساً للحكومة ويكلّف، إذ في المرات السابقة كانت لدينا تحفظات، ولكن مع الرئيس ميقاتي لم نتحفّظ أبداً». وعلّق على بعض المواقف السياسية والإعلامية الغربية، وخصوصاً الأميركية، «التي تحمل نوعاً من الانتظار ونوعاً من التهديد»، بالقول: «نحن نعمل بصفتنا دولة مستقلة ولا أحد بإمكانه أن يعطينا صفة التبعية ويقول إننا دولة تابعة لأحد. نحن نفتش عن صداقة الجميع، ومنفتحون جداً على ثقافة الغرب، ونتكلم لغاته، وتعلمنا في مدارسه». وأضاف: «أهدافنا أن نبني وطناً حديثاً ونظيفاً ومن دون فساد، وأن نعزز وحدتنا الوطنية، ونتخلص من تلك الشائعات التي أطلقوها بهدف الفصل بين مكوّنات المجتمع اللبناني». ورفض «الادّعاءات الخاطئة بأننا ضد السنّة. نحن لسنا ضد السنّة، نحن ضد خط سياسي نرى أن أداءه خطأ، وغداً ستظهر أخطاؤه أكثر فأكثر». وخلص إلى القول إن فريقه يعطي «الأفضلية للوحدة الوطنية ولسياسة تحضن الجميع. أما إذا لم يريدوا المشاركة معنا، فهذا شأنهم، ولكن بالتأكيد فإن السنّة سيشاركون معنا».
أما كرامي، فأعلن أنه تحدث مع ميقاتي «بقلب مفتوح وعقل واع»، مشيراً إلى الحرمان في منطقة الشمال. وأمل له أن «يوفّق في حل كل المشاكل الداخلية، وهي ليست بالقليلة، بدءاً بالمحكمة وانتهاءً بالحالة المعيشية وتنفيذ المشاريع الحيوية». ولم يستبعد أن تؤدي المفاوضات مع الحريري وحلفائه إلى تغيير رأيهم والمشاركة «وأن يضحوا في سبيل خدمة البلد وهذا الشعب»، كذلك لم يستبعد عدم قبولهم بالمشاركة، لذلك نصح بحكومة مختلطة من تكنوقراط وسياسيين، منعاً للوصول إلى حكومة من لون واحد.
وعن حصة آل كرامي في الحكومة، قال: «نحن آخر همّنا المناصب في كل تاريخنا السياسي (...) نحن في المكان الذي نحن فيه أقوى من المناصب».
ورداً على سؤال عن الظروف التي أحاطت بموضوع ترشيحه، أعاد سرد ما ذكره الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، مؤكداً ما ذكره الأخير، نقلاً عنه، من أن منصب رئاسة الوزراء في هذه الظروف يستدعي ما بين 15 و16 ساعة متواصلة يومياً، «وأنا في الحقيقة أصبحت متقدماً في السن»، وأضاف قائلاً للصحافيين: «عندما استمعت إلى السيد حسن في الخطاب الذي رثاني فيه، اليوم أنا أمامكم وأستشهد بكم كإعلاميين، فهل ترونني مريضاً. ولكن على كل حال، نحن إلى آخر نفَس في خدمة هذا البلد».
وعن اتهام ميقاتي بأنه مرشح حزب الله، ذكّر بأن الأمر حصل أيضاً لدى طرح اسمه، «فقد خرج جعجع يقول إن الذي يؤلف الحكومة هو رستم غزالة ووفيق صفا، فهذا يعني أن سوريا وحزب الله يتدخّلان»، معتبراً أن هذا الاتهام يصبّ «في تأجيج الصراع المذهبي». ووصف ما حصل في طرابلس من شغب بأنه «كان حفلة جنون، وقد خسر فيها تيار المستقبل الكثير، مع الأسف».
واستكمل ميقاتي لقاءاته البروتوكولية، بالاتصال بالرئيس سليم الحص الموجود في السعودية للعلاج. وأفاد المكتب الإعلامي للحص بأن الأخير تمنّى للرئيس المكلف التوفيق في مهمته، علماً بأن ميقاتي خرج من كل لقاءاته أمس من دون الإدلاء بأي تصريح، ولم يخرق هذه القاعدة إلا بعد زيارته كرامي، حيث أعرب عن سعادته باللقاء، وقال إنهما تحدثا في الأوضاع الراهنة «واستشرت دولته في ما يتعلق بالحكومة المقبلة، وأخذت رأيه في شكلها، وخصوصاً في ضوء تجربته الكبيرة في الحقل العام، وكانت الملاحظات في مكانها، واتفقت مع دولته على متابعة هذه الأمور قبل تأليف الحكومة».
وفي لقاء تلفزيوني مساءً مع الـ«OTV»، قال إن لقاءه مع الحريري كان بروتوكولياً وعادياً، لم يُتطرق خلاله إلى الأمور السياسية والمشاركة في الحكومة، عكس اللقاء مع السنيورة، مؤكداً أنه لم يحدث أي عتب، بل مجرد لقاء بروتوكولي. وأكد أن استقرار الوطن تلزمه حكومة تضم كل الجهات، لافتاً إلى أنه سيبحث الموضوع مع الكتل النيابية، وعلى ضوئه يجتمع مع رئيس الجمهورية، «وسنأخذ القرار المناسب بشأن شكل الحكومة وعدد الأعضاء». وقال: «حكومة تكنوقراط هي واحدة من الخيارات، لكنها ليست الخيار الوحيد»، مشيراً إلى وجود خيار آخر «أن تكون تكنوقراط مع تطعيم سياسي».
وشدّد ميقاتي على أنه لن يلزم نفسه بوقت للتأليف، مؤكداً أنه لم يتبلّغ أن حزب الله لن يشارك، «وفهمت أنه إذا كانت حكومة سياسية فسيشارك». وكشف أنه لن يوزع حصصاً، بل سيكون الوزير المناسب في المكان المناسب، «المهم أن يكون متخصّصاً ولديه الكفاءة، لا إلى مَن ينتمي». ورداً على سؤال عن إعطاء فريق 14 آذار الثلث الضامن، أعلن أنه يرحّب دائماً بشعار: لا غالب ولا مغلوب، «فكلنا نعرف أننا محكومون بوفاق معيّن، فلماذا نضيّع الوقت».
وإذ أكد أنه لم يقم بأي استشارات مع جهات خارجية قبل تكليفه، ذكر أنه يستثمر كل اتصالاته الشخصية لتسهيل أمر التأليف، ولتكون للحكومة انطلاقة قوية. وقال إن الاتصالات الدولية جيدة، والكل ينتظر تأليف الحكومة، وعلى ضوئها تكون المواقف علنية، سائلاً: «هل باستطاعتنا في لبنان أن نعادي أحداً أو نواجه أحداً غير إسرائيل؟». وأردف بالقول: «لا يمكن أن نراهن أبداً على حسن سلوك إسرائيل، ولكن أنا مطمئن إلى أن لبنان والمقاومة لن يكونا سبب الحرب».
ورأى أن تأليف الحكومة ليس مهمة مستحيلة، «وخصوصاً إذا صفت النيّات واستطعنا تأليف فريق وزاري موحّد ومتجانس، والأمور الخلافية تحلّ بالحوار، وأي حل يجب أن يكون بإجماع اللبنانيين»، مشيراً إلى تعهده بعرض الأمور الخلافية على المؤسسات الدستورية اللازمة لأخذ القرار المناسب.
ولمّح إلى أنه لا ينوي تغيير المدير العام لقوى الأمن الداخلي أشرف ريفي والمدّعي العام التمييزي سعيد ميرزا، قائلاً: «أنا عيّنت ريفي والمدعي العام على أساس الكفاءة والنزاهة والمناقبية، وهذه الصفات الثلاث لا يزال يتحلى بها ريفي وميرزا، والكل يشهد على كفاءتهما».
وأمس وزعت الأمانة العامة لرئاسة مجلس النواب برنامج استشارات ميقاتي في ساحة النجمة التي يبدأها صباح اليوم وينهيها قبيل ظهر غد.

Script executed in 0.19370317459106