لم يعد بإمكان التيار بعد اليوم ان يشكو من 7 أيار وهو الذي ابتكر 25 كانون الثاني بكل عنفه الميداني واللفظي. ولم يعد بمقدوره ان يكون مقنعاً في تبشيره بمنطق الدولة وهو الذي انزلق الى منطق الشارع، لانه لم يحتمل فكرة مغادرة السلطة.
لقد أراد تيار المستقبل إسقاط نجيب ميقاتي، فسقط هو في مستنقع الشغب، لتتحول الأرض التي أريد لها ان تهتز تحت أقدام الرئيس المكلف الى عبء على الرئيس سعد الحريري الذي خرج خاسراً من الشارع، سواء كان محرضاً على استخدامه بهذا الأسلوب الفوضوي وتلك مصيبة، او كان عاجزاً عن السيطرة عليه، وتلك مصيبة أكبر.
ليس خافياً ان اضطرار الحريري الى مغادرة السرايا بين ليلة وضحاها، شكل صدمة له ولمناصريه وحلفائه، لا سيما وان كل الحسابات كانت مبنية على اساس ان إقامته في الحكم ستكون طويلة، بل ان بعض المراقبين كان قد توقع عند تشكيل الحكومة السابقة بأن تستمر في الخدمة حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة، فإذا بعمرها لا يتجاوز السنة الواحدة.
ومع الإقرار بان تطور الأحداث بهذا الشكل الدراماتيكي، موجع للذين كانوا يتوقعون مساراً آخر يبقي الحريري في رئاسة الحكومة، إلا أن التعامل مع الأمر الواقع الجديد لا يكون بالهروب الى الأمام، بل لعل خسارة السلطة بهذه الطريقة يُفترض ان تدفع الحريري الى مكاشفة صريحة مع النفس وممارسة النقد الذاتي الجريء، بعيداً عن المكابرة والكبرياء، لتبيان مكامن الخلل ونقاط الضعف التي جعلته ينضمّ الى نادي الرؤساء السابقين للحكومة بهذه السرعة القياسية، برغم انه كان يمتلك العديد من عناصر القوة التي كانت تؤهله لتجربة مختلفة وأكثر نجاحاً، لو انه لم يفرط بها خلال عام من وجوده في السرايا، ليخسر مرة واحدة رئاسة الحكومة وزعامة تيار سياسي لطالما كان يتباهى المؤسسون بحضاريته وسلميته وديموقراطيته وليبراليته....
ولا يكفي في هذا المجال ان يلقي الحريري مسؤولية ما حصل له على ما يسميه خيانة الحلفاء وغدر الاصدقاء ونكوث الخصوم بالتعهدات، وما شابه من مبررات قد تصحّ في العلاقات الشخصية، ولكنها لا تستقيم بطبيعة الحال مع حقائق العمل السياسي وموازين القوى التي ترسم معادلاته.
ولعله يمكن القول استناداً الى المسار البياني لتجربة سعد الحريري في رئاسة الحكومة انه «انتحر» ولم «يُغتل» سياسياً، لاعتبارات عدة ابرزها الآتي:
ـ ارتكب الحريري خطأ كبيراً في التفريط بفرصة التسوية التي كانت متاحة الى ما قبل ايام برعاية سورية ـ سعودية، فخسر الحكومة من دون ان يستطيع صرف شيك المحكمة محلياً، بعدما أصبح حسابها مكشوفاً على الساحة اللبنانية.
ـ وبعدما كان الحريري يفاوض على الإمساك ليس بالحكم والحكومة بل بالسلطة وبكل الرموز التي أراد حمايتها وبعضها ممن وردت اسماؤهم في الورقة ـ الفضيحة، ويحاول ابتزاز الآخرين في موعد التسوية قبل القرار الاتهامي أو بعده، انتقل فجأة ومن دون سابق انذار، من موعد البيت الأبيض مع باراك أوباما، ليصبح رئيس حكومة تصريف الأعمال جلّ همه إعادة ضمان ترشحه لرئاسة الحكومة، حيث تحرّكت «الدول» لهذه الغاية، من دون أن تفلح في الحصول على ضمانات، فإذا بالخسارة مضاعفة محكمة وحكومة وفرصة ترشيح لرئاسة الحكومة وخسارة الأغلبية وزعامة تيار سياسي مدني.
ـ أساء الحريري فهم قانون العلاقة بين لبنان وسوريا، خلافاً لوالده الشهيد رفيق الحريري الذي أحسن تكييف نفسه مع حقائق الجغرافيا السياسية، الى حدّ مكّنه من وراثة بيوتات سياسية عريقة وتاريخية في الوسط السني، ولم يكن قرار الرئيس رفيق الحريري بالموافقة على التمديد للرئيس إميل لحود إلا تعبيراً عن واقعيته ولو من دون قناعة.
أما وريثه فلم ينجح في التقاط اللحظة التاريخية التي سنحت له لبناء علاقة شخصية وسياسية، منتجة وثابتة، مع الرئيس بشار الأسد الذي فتح له ابواب دمشق على مصراعيها، فكانت النتيجة ان الحريري أظهر الكثير من التردد واندفع نحو مشكلة مباشرة معه متهماً إياه بعدم احترام التزاماته، ما دفع الرئيس السوري الى اتخاذ قرار كبير بعدم إمكانية مواصلة التعاون الثنائي حتى إشعار آخر... وهو الأمر الذي جعل أمير قطر يطلب من أركان الديوان الأميري تجهيز طائرته في أرض مطار دمشق لأن مجرد الحديث عن الموضوع في عاصمة الأمويين أصبح غير مستحب وبلا جدوى.
ـ لم يحسن الحريري قراءة العقل الغربي الذي لا يجد حرجاً في ترك حلفائه يصدمون رأسهم بالجدار إذا كان القفز فوقه متعذراً. لقد افترض رئيس حكومة تصريف الاعمال ـ بعد استقباله من قبل الرئيس الاميركي باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون والامين العام للامم المتحدة بان كي مون والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ـ ان الحصانة الدولية الممنوحة له قادرة على حماية موقعه في الحكم، ليكتشف في ساعة الحقيقة أن الاميركيين والاوربيين لا يستطيعون ان يفعلوا له شيئاً، بل ان براغماتيتهم قد تدفعهم الى الاعتراف بالحكومة الجديدة والتعامل معها، بأسرع مما يتوقعه البعض، لان الامر الوحيد الثابت لديهم هو مصالحهم وما عدا ذلك كله متحرك.
وقد بدأت مؤشرات التحول الغربي تظهر من خلال الموقف الفرنسي المرن والاشارات الاميركية المشفرة التي وصلت الى بيروت، موحية بأن واشنطن لن تقفل الابواب امام حكومة ميقاتي.
ـ التبس الموقف السعودي على الحريري، برغم انه ينبغي ان يكون الأكثر خبرة في فك رموزه قياساً الى علاقته الوثيقة والطويلة المدى بالعائلة المالكة، قبل ان تتصدع مع بعض أمرائها مؤخراً بعد عرض التسجيلات الصوتية لإفادته امام لجنة التحقيق الدولية والتي أصابت شظاياها نجل وزير الداخلية الأمير نايف، إضافة الى الوليد بن طلال، من دون إغفال الصدمة الشخصية التي أصيب بها نجل الملك عبدالله الأمير عبد العزيز عندما اكتشف أن الحريري يستنجد بالأميركيين للضغط على والده من أجل إجهاض المسعى السوري السعودي.
ولعل حقيقة الموقف السعودي حيال تكليف ميقاتي برئاسة الحكومة يمكن استخلاصها من خلال قرار الوزير محمد الصفدي والنائب نعمة طعمة بتسميته بعد عودتهما من الرياض، حيث لهما مصالح مالية وروابط سياسية وثيقة مع القيادة السعودية.
ـ تسرع الحريري في اختزال الساحة السنية بشخصه اسـتناداً إلى نتائج الانتخابات النيابية التي تحتمل الكثير من الاجتهاد في تفسير أرقامها، متجاهلا أن ثلث السنة يقفون تلقائياً الى جانب رئيس الحكومة أياً تكن هويته، إضافة الى أن مجموع التمثيل السني لكل من ميقاتي وعمر كرامي ومحمد الصفدي يجعلهم رقماً صعباً في طرابلس والشمال، لا يمكن تهميشه أو تجاوزه.
ـ لم يكن الحريري يتوقع أن ترسو المعادلة على نجيب ميقاتي وهو كان يتمنى لو أن المعارضة سمت عمر كرامي حتى يعيد إنتاج نسخة سهلة من السادس من ايار 1992، ولكن قرار ترشيح ميقاتي حشره في الزاوية، خاصة أن الأخير كان محسوباً من ضمن فريق الأغلبية وهو شريكه في الانتخابات النيابية الأخيرة في طرابلس.
لقد أراد تيار المستقبل إسقاط نجيب ميقاتي، فسقط هو في مستنقع الشغب، لتتحول الأرض التي أريد لها ان تهتز تحت أقدام الرئيس المكلف الى عبء على الرئيس سعد الحريري الذي خرج خاسراً من الشارع، سواء كان محرضاً على استخدامه بهذا الأسلوب الفوضوي وتلك مصيبة، او كان عاجزاً عن السيطرة عليه، وتلك مصيبة أكبر.
ليس خافياً ان اضطرار الحريري الى مغادرة السرايا بين ليلة وضحاها، شكل صدمة له ولمناصريه وحلفائه، لا سيما وان كل الحسابات كانت مبنية على اساس ان إقامته في الحكم ستكون طويلة، بل ان بعض المراقبين كان قد توقع عند تشكيل الحكومة السابقة بأن تستمر في الخدمة حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة، فإذا بعمرها لا يتجاوز السنة الواحدة.
ومع الإقرار بان تطور الأحداث بهذا الشكل الدراماتيكي، موجع للذين كانوا يتوقعون مساراً آخر يبقي الحريري في رئاسة الحكومة، إلا أن التعامل مع الأمر الواقع الجديد لا يكون بالهروب الى الأمام، بل لعل خسارة السلطة بهذه الطريقة يُفترض ان تدفع الحريري الى مكاشفة صريحة مع النفس وممارسة النقد الذاتي الجريء، بعيداً عن المكابرة والكبرياء، لتبيان مكامن الخلل ونقاط الضعف التي جعلته ينضمّ الى نادي الرؤساء السابقين للحكومة بهذه السرعة القياسية، برغم انه كان يمتلك العديد من عناصر القوة التي كانت تؤهله لتجربة مختلفة وأكثر نجاحاً، لو انه لم يفرط بها خلال عام من وجوده في السرايا، ليخسر مرة واحدة رئاسة الحكومة وزعامة تيار سياسي لطالما كان يتباهى المؤسسون بحضاريته وسلميته وديموقراطيته وليبراليته....
ولا يكفي في هذا المجال ان يلقي الحريري مسؤولية ما حصل له على ما يسميه خيانة الحلفاء وغدر الاصدقاء ونكوث الخصوم بالتعهدات، وما شابه من مبررات قد تصحّ في العلاقات الشخصية، ولكنها لا تستقيم بطبيعة الحال مع حقائق العمل السياسي وموازين القوى التي ترسم معادلاته.
ولعله يمكن القول استناداً الى المسار البياني لتجربة سعد الحريري في رئاسة الحكومة انه «انتحر» ولم «يُغتل» سياسياً، لاعتبارات عدة ابرزها الآتي:
ـ ارتكب الحريري خطأ كبيراً في التفريط بفرصة التسوية التي كانت متاحة الى ما قبل ايام برعاية سورية ـ سعودية، فخسر الحكومة من دون ان يستطيع صرف شيك المحكمة محلياً، بعدما أصبح حسابها مكشوفاً على الساحة اللبنانية.
ـ وبعدما كان الحريري يفاوض على الإمساك ليس بالحكم والحكومة بل بالسلطة وبكل الرموز التي أراد حمايتها وبعضها ممن وردت اسماؤهم في الورقة ـ الفضيحة، ويحاول ابتزاز الآخرين في موعد التسوية قبل القرار الاتهامي أو بعده، انتقل فجأة ومن دون سابق انذار، من موعد البيت الأبيض مع باراك أوباما، ليصبح رئيس حكومة تصريف الأعمال جلّ همه إعادة ضمان ترشحه لرئاسة الحكومة، حيث تحرّكت «الدول» لهذه الغاية، من دون أن تفلح في الحصول على ضمانات، فإذا بالخسارة مضاعفة محكمة وحكومة وفرصة ترشيح لرئاسة الحكومة وخسارة الأغلبية وزعامة تيار سياسي مدني.
ـ أساء الحريري فهم قانون العلاقة بين لبنان وسوريا، خلافاً لوالده الشهيد رفيق الحريري الذي أحسن تكييف نفسه مع حقائق الجغرافيا السياسية، الى حدّ مكّنه من وراثة بيوتات سياسية عريقة وتاريخية في الوسط السني، ولم يكن قرار الرئيس رفيق الحريري بالموافقة على التمديد للرئيس إميل لحود إلا تعبيراً عن واقعيته ولو من دون قناعة.
أما وريثه فلم ينجح في التقاط اللحظة التاريخية التي سنحت له لبناء علاقة شخصية وسياسية، منتجة وثابتة، مع الرئيس بشار الأسد الذي فتح له ابواب دمشق على مصراعيها، فكانت النتيجة ان الحريري أظهر الكثير من التردد واندفع نحو مشكلة مباشرة معه متهماً إياه بعدم احترام التزاماته، ما دفع الرئيس السوري الى اتخاذ قرار كبير بعدم إمكانية مواصلة التعاون الثنائي حتى إشعار آخر... وهو الأمر الذي جعل أمير قطر يطلب من أركان الديوان الأميري تجهيز طائرته في أرض مطار دمشق لأن مجرد الحديث عن الموضوع في عاصمة الأمويين أصبح غير مستحب وبلا جدوى.
ـ لم يحسن الحريري قراءة العقل الغربي الذي لا يجد حرجاً في ترك حلفائه يصدمون رأسهم بالجدار إذا كان القفز فوقه متعذراً. لقد افترض رئيس حكومة تصريف الاعمال ـ بعد استقباله من قبل الرئيس الاميركي باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون والامين العام للامم المتحدة بان كي مون والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ـ ان الحصانة الدولية الممنوحة له قادرة على حماية موقعه في الحكم، ليكتشف في ساعة الحقيقة أن الاميركيين والاوربيين لا يستطيعون ان يفعلوا له شيئاً، بل ان براغماتيتهم قد تدفعهم الى الاعتراف بالحكومة الجديدة والتعامل معها، بأسرع مما يتوقعه البعض، لان الامر الوحيد الثابت لديهم هو مصالحهم وما عدا ذلك كله متحرك.
وقد بدأت مؤشرات التحول الغربي تظهر من خلال الموقف الفرنسي المرن والاشارات الاميركية المشفرة التي وصلت الى بيروت، موحية بأن واشنطن لن تقفل الابواب امام حكومة ميقاتي.
ـ التبس الموقف السعودي على الحريري، برغم انه ينبغي ان يكون الأكثر خبرة في فك رموزه قياساً الى علاقته الوثيقة والطويلة المدى بالعائلة المالكة، قبل ان تتصدع مع بعض أمرائها مؤخراً بعد عرض التسجيلات الصوتية لإفادته امام لجنة التحقيق الدولية والتي أصابت شظاياها نجل وزير الداخلية الأمير نايف، إضافة الى الوليد بن طلال، من دون إغفال الصدمة الشخصية التي أصيب بها نجل الملك عبدالله الأمير عبد العزيز عندما اكتشف أن الحريري يستنجد بالأميركيين للضغط على والده من أجل إجهاض المسعى السوري السعودي.
ولعل حقيقة الموقف السعودي حيال تكليف ميقاتي برئاسة الحكومة يمكن استخلاصها من خلال قرار الوزير محمد الصفدي والنائب نعمة طعمة بتسميته بعد عودتهما من الرياض، حيث لهما مصالح مالية وروابط سياسية وثيقة مع القيادة السعودية.
ـ تسرع الحريري في اختزال الساحة السنية بشخصه اسـتناداً إلى نتائج الانتخابات النيابية التي تحتمل الكثير من الاجتهاد في تفسير أرقامها، متجاهلا أن ثلث السنة يقفون تلقائياً الى جانب رئيس الحكومة أياً تكن هويته، إضافة الى أن مجموع التمثيل السني لكل من ميقاتي وعمر كرامي ومحمد الصفدي يجعلهم رقماً صعباً في طرابلس والشمال، لا يمكن تهميشه أو تجاوزه.
ـ لم يكن الحريري يتوقع أن ترسو المعادلة على نجيب ميقاتي وهو كان يتمنى لو أن المعارضة سمت عمر كرامي حتى يعيد إنتاج نسخة سهلة من السادس من ايار 1992، ولكن قرار ترشيح ميقاتي حشره في الزاوية، خاصة أن الأخير كان محسوباً من ضمن فريق الأغلبية وهو شريكه في الانتخابات النيابية الأخيرة في طرابلس.