ويشير أحد هؤلاء إلى تمضية الحريري معظم وقته في المطبخ هذه الأيام، يتفنّن في إعداد أصناف الباستا، على أمل التفلت من هذه «المهزلة» في نهاية الأسبوع ليغادر إلى إحدى الجزر (سردينيا مثلاً) لينفّس فوق دراجته النارية عن بعض توتره والعودة مع أفكار جديدة، تتعامل بواقعية مع الأخطاء الثلاثة التي ارتكبها سموّه في الأشهر القليلة الماضية:
أولها، مع المملكة العربية السعودية. فبحسب أحد أصدقاء الرئيس رفيق الحريري المقرّبين، ارتكب الحريري الابن أربعة أخطاء مع المملكة، هي:
– تحوله إلى خصم لعدد من الأمراء داخل الأسرة الحاكمة. فإلى جانب تفاقم مشاكله مع الأمير الوليد بن طلال صاحب النفوذ المؤثر في المملكة، وخصوصاً أنه يدير ثروة الكثير من الأمراء، تراكمت لدى المملكة معلومات عن كلام حريريّ سيئ جداً عن الأمير عبد العزيز – ابن الملك، وهو أمر لم يسبق الحريري أحد عليه برغم كثرة المناوئين للملك وابنه في العائلة الحاكمة. وأتت تسجيلات «الحقيقة ليكس» (على قناة الجديد) أخيراً لتضع الحريري أمام مشكلة جديدة مع «السفاح» بنظر الحريري، الأمير محمد بن نايف (القوة القائمة والآتية في قيادة المملكة). وهكذا أدخل الأمير اللبناني نفسه في أنفاق العائلة الحاكمة، معلناً انحيازه إلى مجموعة ضد أخرى. وهو بات يثير المشاكل الداخلية في العائلة المالكة بدل لمّ شمل العائلة حوله، كما كان يفعل والده.
– إظهاره الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز أمام القيادة السورية بمظهر العاجز عن الالتزام بتعهداته أو أقله عن ضبط ابن المملكة اللبناني المدلل، الذي تنهي السعودية من أجله صراعاً لتبدأ آخر. فقد ماطل الحريري في إجابته على اقتراحات الملك عبد الله إلى أقصى الدرجات الممكنة ودفع الملك إلى تأجيل لقائه، شخصياً أو عبر الموفدين، مع الرئيس السوري أكثر من مرة.
– لجوؤه إلى الأميركيين لمطالبتهم بالضغط على الملك السعودي ليتشدد أكثر في مفاوضاته مع القيادة السورية بشأن الملف اللبناني. وهو أمر يتجنب أمراء المملكة أنفسهم، حتى شبه المقيمين في الولايات المتحدة الأميركية، فعله احتراماً منهم لخصوصية العلاقات بين أعضاء الأسرة الحاكمة.
– إرساله رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع إلى السعودية لإسماع القيادة السعودية ما يخشى هو قوله. وبحسب بعض المطّلعين على تفاصيل زيارة جعجع الأخيرة إلى السعودية، فإن القيادة السعودية فوجئت جداً بما سمعته من جعجع، لكنها فضلت في النهاية احتراماً لمبدأ «كرم الضيافة» عند العرب، عدم التعليق.
وبالتالي، تحتاج الأخطاء الأربعة إلى معالجة تبدأ بإعادة بناء الثقة بين الحريري والملك السعودي، مع الأخذ بالاعتبار أن قيادة المملكة آثرت بعد اغتيال الملك فيصل بن عبد العزيز (عام 1975) تحقيق مصلحة المملكة بالحفاظ على العلاقات السعودية – الأميركية وتعزيزها بدل الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة على خلفيّة دورها المحتمل في اغتيال الملك فيصل، على اعتبار أن المملكة أهم من فيصل، ما يعزز صدقيّة القائلين بأن هناك استياءً جدياًَ في المملكة من أداء الحريري الذي «يفترض به إقفال المقبرة وشق طريقه بنفسه بدل استمراره التلويح بجثة والده». في ظل حديث أحد نواب كتلة المستقبل علانية عن عدم فهم الحريري على السعوديين تكرارهم الكلام عن ضرورة الخروج من هذه المرحلة بالحد الأدنى من الخسائر، واكتشاف السعوديين في اللحظة الأخيرة أن الرئيس نجيب ميقاتي ليس إلا الحدّ الأدنى من الخسائر في ظل استعداد المعارضة السابقة لتكليف الرئيس عمر كرامي بتأليف الحكومة. وبحسب المصدر نفسه، فإن القيادة السعودية لديها من التجربة السياسية ما يدفعها إلى تغيير حصانها بدل الاستمرار في الرهان على الحصان الخاسر، والخسارة. وبدا من خلال مقالات بعض الكتّاب السعوديين في اليومين الماضيين أن ثمة توجهاً سعودياً جدياً لترتيب العلاقة مع ميقاتي والانطلاق في مشروع جديد للعلاقات اللبنانية – السعودية. وقد أشار احتفاء الحريريين ببيان تحذير الرعايا السعوديين من الوضع الأمني في لبنان، إلى المسافة التي باتت تفصل القيادة السعودية عن الحريري الذي لم يلق دعماً سعودياً أكبر من هذا البيان.
ثانيها، مع دمشق. فحين مد الرئيس بشار الأسد يده لمصافحة الحريري كانت القيادة السورية تتبنى خطوة غريبة بالنسبة إلى كثيرين من السوريين الذين سمعوا من الحريري ما يعجزون عن تصديقه لا عن غفرانه. وبرغم نقل عبد الرحيم مراد وآخرين مقارّ إقامتهم إلى دمشق لإقناع مسؤوليها بعدم تكرار تجربتها مع الحريري الأب، مضت دمشق في تسهيل تأليف الحريري حكومة الوفاق الوطني، وتعاملت بإيجابية مع رغبة الحريري في تصحيح الاتفاقيات الثنائية بين البلدين. لكن سرعان ما بدأ التغيير السوري، لا لشيء إلا لتيقّن القيادة السورية، بحسب أحد مسؤوليها، أن الابن الوافد دون تدريب إلى قيادة الطائفة السنية حديث العهد في السياسة إلى حد سعيه إلى إقناع دمشق بمشاركته في التآمر على حزب الله. وبعد إخضاع دمشق الحريري، بحسب المصدر نفسه، لعشرات الامتحانات تيقّنت أنه ليس رفيق الحريري «جونيور» ولا هو الرجل الذي يمكنها أن تعيد بالتنسيق معه ترتيب العلاقات اللبنانية – السورية والسنيّة – الأسدية. وبالتالي، حسمت دمشق موقفها قبل عدّة أسابيع حين بدأت تسرّب هنا وهناك أن على الحريري اختبار السياسة خارج السلطة ليعرف قيمة موقعه، مؤكدة أن من يرث المجد لا يعلم قيمته فيبحث عن الوسائل الأقدر على حمايته. وفي المشروع الاستراتيجي، لا المرحلي، السوري للبنان، هناك اليوم ممثل رئيسي واحد للطائفة السنية في النظام اللبناني اسمه نجيب ميقاتي، تعتقد دمشق أن مرحلته لم تبدأ بعد. وبالتالي، أمام الحريري اليوم تحدّ شبه مستحيل في استعادة المكانة التي حاول الرئيس الأسد قبل بضعة أشهر أن يضعه فيها.
ثالث الأخطاء، في الداخل. فحين قال الرئيس بشار الأسد إن إسقاط المحكمة أشبه بإسقاط اتفاق 17 أيار، كان يرسم مشهداً كاملاً. وليس أمام الطائفة السنية اليوم إلا الرهان على الرئيس نجيب ميقاتي لتخليصها من تجربة تلامس مصير الطائفة المارونية بعد اتفاق 17 أيار. ويتوقف المقارنون بين الطائفة السنية اليوم والطائفة المارونية يومها عند مجموعة نقاط، أهمها النفوذ داخل السلطة والحضور القوي في الطبقة الوسطى. وقد أثبتت الأيام القليلة الماضية أن من عرف كيف ينقل كل معارك العالم التي كانت تدور على طول الـ10452 كلم2 وعرضها إلى مناطق النفوذ المسيحي بعد اتفاق 17 أيار، نقل بسهولة فائقة، معارك العالم مرة أخرى إلى مناطق النفوذ السني. ومن مرّ أول من أمس في بيروت، اكتشف إقفال أهالي طريق الجديدة أسواقهم ومطاعمهم ومدارسهم، بينما استمرت الحياة طبيعية جداً في الضاحية الجنوبية، فضلاً عن أن الفتنة التي يهدد الحريري بها ستكون بمثابة كارثة لمن يسكنون «غرف المرايا» مقارنة مع الساكنين في الخنادق.
ثمة أخطاء، كتلك اللغوية التي ارتكبها الحريري أثناء قراءته بيانه الوزاري الأول والأخير حتى إشعار آخر، تضحك أصحابها. وهناك أخطاء، كالتي سبق تعدادها، تجعل صور الحريري حانقاً كطفل أخذت منه لعبته، طبيعية جداً.