أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

محاذير سقف التوقعات ومآسيه

الجمعة 28 كانون الثاني , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,366 زائر

محاذير سقف التوقعات ومآسيه

إحدى العبارات التي يردّدها رئيس الحكومة المكلّف نجيب ميقاتي هي عدم رفع سقف التوقعات والتعامل بواقعية مع المعطيات.
يعلم ميقاتي أن تأليف حكومة في البلاد، سواء مع أطراف سياسية، أو حكومة تكنوقراط مطعمّة بسياسيين، سيكون عملية شاقة، وستكون عملية تقاسم الحقائب انعكاساً لموازين القوى في لبنان، وسيكون عليه أن يعترض على بعض الأسماء، ولن يتمكن من تحدىد كل الأسماء، وأن القوى والرئاسة الأولى وغيرها من المعطيات المحلية والإقليمية ستمارس ضغطاً هنا لتحصيل أكبر قدر ممكن من المكاسب المتمثلة في عدد الوزراء والحقائب الوزارية والدور السياسي.
ومن خبرته هو يعلم أن إحداث تغيير كامل في تركيبة النظام اللبناني أمر ليس بيد شخص واحد، ويحتاج إلى غطاء من القوى المحلية أو جزء كبير منها في الحد الأدنى، وهو أمر قد لا يتوافر من يرغب في إجرائه بطريقة علمية، وبالتالي فإن أغلبية القوى قد ترغب في عمليات انتقامية تستخدم فيها الوزارات والقوانين للانتقام من بعض الأطراف، تماماً كما كانت قوى 14 آذار تستخدم الوزارات وآليات الدولة وأموالها لتحطيم أخصامها السياسيين والكسب في كل انتخابات تجري في البلاد، وكما كانت تنهب البلاد لتمويل قوى سياسية وحسابات شخصية.
وخلال التأليف الوزاري، سيكتشف المواطنون المتابعون كم هي عنيدة تركيبة البلاد، ومع مسيرة الحكومة المقبلة سيكتشفون كم هي عصيّة آليات الحكم ودهاليز الوزارات والإدارات الرسمية على التغيير، وهي التي رُسمت رسماً منذ عام 1992 لتكون كهوفاً للنهب المنظّم والسرقات الموصوفة، والتي خططها الرئيس فؤاد السنيورة عبر حفره أنفاقاً في وزراة المال وباقي الإدارات الرسمية منذ اليوم الأول لدخوله إلى وزارة المال بصفة وزير دولة للشؤون المالية.
ويحاول ميقاتي خفض سقف التوقعات لدى الناس والمحيطين به، وهو يدرك جيداً أن رفع سقف توقعات المواطنين يعني أن الخيبة لاحقاً ستكون كبيرة، بقدر ارتفاع سقف التوقعات.
هناك، في المقابل، من رفع سقف التوقعات إلى الحدود القصوى، وانهار معه فريقه بالكامل حين لم تتطابق التوقعات مع الواقع.
انطلق سعد الحريري خلال معركته الأخيرة في كسب الوقت حتى صدور القرار الاتهامي قبل التفاوض مع المعارضة (سابقاً)، ولاحقاً في معركته للترشح في مواجهة عمر كرامي، وبعدها في محاولة محاصرة نجيب ميقاتي وإجباره على التراجع، انطلق من مسلّمة بسيطة هي أنه وحده القادر على حصد توافق دولي، والحصول على أكثرية نيابية محلية في الوقت عينه، قبل أن يكتشف أنه لم يعد قادراً على مواجهة ميقاتي الذي يمدّ يده إليه كل الوقت، لا لأنه قال عن ميقاتي ما قاله في شهادته أمام المحكمة الدولية، ولا لأنه أرسل له ألف رسالة استجداء للتراجع عن الترشّح والاعتذار عن التكليف، ولا لأنه حاول إسقاطه في الشارع وبالعنف والسلاح والتحريض المذهبي والحرائق والتهديد بمنعه من دخول طرابلس وإشهار اعتراض «كل الطائفة السنّية» في وجهه، قبل أن يكتشف أنه عاجز عن تنفيذ أيّ من تهديداته.
كان سعد الحريري يتوقع أن يهبّ الشارع هبّة رجل واحد لمواجهة التغيير المقبل، وأن تشتعل الشوارع في طرابلس، مع بثّ مباشر من قناة المستقبل يُظهر حجم الحشود الهائلة في الشمال، وأن يمتد الحريق ليطال بيروت ومنها إلى إقليم الخروب والبقاع، وأن تنزل صيدا عن بكرة أبيها لتقول «لا» مدوّية، وأن تصل نيران الاعتراض إلى منطقة شبعا الحدودية، وأن لا يبقى شارع في بيروت إلا تخرج منه تظاهرات الأهالي الغاضبة في يوم الخامس والعشرين من كانون الثاني الجاري. إلا أن كل هذه التوقعات المرتفعة خابت، وانهار حلم الشاب، وتخلّى عنه مؤيّدوه، وسقط تجمّع قوى 14 آذار ركاماً، حتى بات أحد أعتى رموزه لا يتمكن من الكتابة في أي من مواقعه المحلية، ولا في الصحافة اللبنانية، فيطلّ من موقع هامشي على الإنترنت ليتحدث عن تجمّع 14 آذار بصفته العجوز التي حبلت وأجهضت.
في طرابلس اكتُشف الخلل سريعاً، وطلب العميد حمود من بقايا الجمهور، الذي أحرق ما أحرق وحطّم ما حطّم، الخروج من الشارع قبل إعلان سعد الحريري استياءه ممّا جرى بساعة كاملة.
ويوم الخامس والعشرين من الجاري انتقل النقاش من المحكمة الدولية، ومن تمثيل الطائفة السنّية، إلى النقاش في الشغب في الشوارع من طرف واحد، يرفض أي طرف آخر أن يواجهه، أو أن يردّ عليه، أو يجرّ إلى القيام بأي ردّ فعل، فأصبح النقاش في مشاغبات سعد الحريري.
وتوقف الحديث عن المحكمة الدولية، وعن شهود الزور لأيام، ونسي الجميع مَن يكون رفيق الحريري، لو لم تخرج بهية الحريري وتذكر اسم الرجل من صيدا.
تحوّل الحريري من صورة الرجل المظلوم والمجروح، وهي الصورة التي حملها لمدة أعوام، وعمل على تكريسها حتى لو تطلّب الأمر الاستمرار لمدة أعوام بوضع صورة والده إلى جانبه، بافتعال، في كل اللقاءات الرسمية، ونسي الناس خلال ساعات خطاب سعد الحريري الذي أعلن فيه زهده بالسلطة، وتخلّيه عنها إذا كان الخيار بينها وبين كرامة أهله، إذ شاهدوا ولمسوا المذلة التي عرّض أهله لها في سبيل استعادة حكم ضائع.
كان الحريري الشاب قبل الاضطرابات زعيماً أوحد للسنّة في لبنان، ويصرّ حين يتحدث على التذكير بـ«الوحدة الوطنية ولبنان أولاً». وقبل ساعات من فقدانه الحكم، صار يتوسّل خالد الضاهر ومصطفى علوش ومحمد كبارة وأبو علي الصيداني وطارق الدنا للحفاظ على زعامة ظهرت في أضعف صورها.
خسر الحريري الشارع خلال ساعات، وبعد أيام من اكتشاف الناس أن خطاب نجيب ميقاتي لا يشبه خطابات الأمين العام لحزب الله ولا قائد التيار الوطني الحر، بل هو يعبّر عن الموقف التاريخي للسنّة في هذه البلاد، لم يجد العديد من التجمعات السنية والعائلات أي حرج في مخاطبة الحريري عبر الإيميل والفايسبوك، بعد أن أغلق أبواب قصوره على نفسه، قائلين له إن الوعاء الكبير يستوعب الوعاء الصغير (وللقارئ أن يحدد مَن الوعاء الكبير والصغير هنا)، وإن العنف في الشارع وترويع الأطفال لن يُعيدا السلطة إليه، وإن الصباح التالي هو صباح الرقي والتحضّر.
خسر الحريري الإعلام، سواء المحلي أو الدولي، وباتت قناة المستقبل الإخبارية لا تفيد المشاهدين بالكثير، بعد أن ظهر على كل الشاشات أن الاحتجاجات النارية لمدة ساعات وإطلاق النار المتفرّق ورمي الحجارة على جنود الجيش اللبناني والهجوم عليهم بالعصي، لم تؤدّ أيّ غرض، بل إن الحياة يمكنها أن تستمر مع غيره أفضل ممّا هي بإدارته.
ظهر القصور الذاتي لتيار المستقبل، حيث لم يعد يعرف ما إذا كان تياراً وطنياً أو علمانياً أو سلفياً أو مذهبيّاً، وهل هو عبارة عن عشرات من الشبان المشاغبين الغاضبين، أم هو تيار مثقفين يمكنه تحريك الرأي العام في طول البلاد وعرضها؟
فقدان الأهداف، منذ اللحظة التي أعلن فيها في خطاب الاستمرار في الترشح، حيث قال إن مشروعه هو متابعة مشروع والده (الذي انتهى عملياً قبل مقتل رفيق الحريري) والالتزام بالمحكمة الدولية (التي أظهر وليد جنبلاط نصّاً مذيّلاً بتوقيع سعد الحريري يفيد بالتخلّي الكامل عنها محلياً).
انعدام خطط العمل والخطط البديلة. فأيّ شخص يمكنه القول إنه حين يخرج من السلطة سيذهب إلى معارضة السلطة البديلة، ولكن بأيّ وجهة، وبأيّ وسائل وبأيّ شعارات؟
في لحظات ردود الفعل العشوائية الممتدة من لحظة عودته من الولايات المتحدة بعد استقالة وزراء المعارضة (حينها) إلى سقوطه في الشارع، لم يجر أيّ قراءة للواقع السياسي وللتحولات، وبقي يستمع إلى المحيطين به، المطنبين له، الذين ساقوه نحو الذبح بسقف توقعات مرتفع.
التعامل الفوقي مع الجمهور، الذي بقي يعتقد أنه يتبعه لأسباب مالية، وحصراً لهذه الأسباب، فاكتشف أن الأموال قد تشتري الأصوات الناخبة، ولكنها لا تشتري أرواح المواطنين، ولا احترامهم له بعد كل أخطائه.
استخدام سلاح تعطيل البلاد واللعب على حافة الهاوية سبق أن استهلكهما حزب الله والمعارضة، وبات المواطنون يخافون من أيّ حالة مشابهة. وحين قرر سعد الحريري استخدامهما، أدّيا إلى مفعول عكسي، فانفضّ الناس من حوله وبقوا في منازلهم.
حين شيّعت طرابلس أحد كوادر نجيب ميقاتي العام الماضي، الذي قضى بالرصاص، تجمّع حشد أكبر بما لا يقارن بالذين احتشدوا في يوم الغضب الثلاثاء الماضي. ولكن كان التوقّع أن يقوم جمهور نجيب ميقاتي بردّ فعل على مقتل أحد كوادره، ولكن الأمور سارت بهدوء تام، بينما توقع الناس أن يمرّ يوم الغضب بجماهير عريضة ومن دون مشكلات كبيرة، وهنا خابت الآمال.


2005 ــ 2011

عام 2005 تمكّن تيار المستقبل، بالتحالف مع العديد من القوى المسيحية والقوى التي كانت إلى وقت قريب موالية لسوريا، من تكوين رأي عام. لم يسيطر هذا التيار على الشارع بفعل نفوذ سياسي ومالي فقط، بل بقضية عدّها كلّ الأطراف عادلة ومحقة. في عام 2006، في الخامس من شباط، استُهلك جزء كبير من رصيد تيار المستقبل والتعاطف معه، وخاصة في الشارع المسيحي والشارع الإسلامي، حين شجّع وغطّى الحملة ضد السفارة الدنماركية في بيروت يوم الخامس من شباط، وهو اليوم الذي شهد حرائق واضطرابات في منطقة التباريس، وانتهى بأن أعاد خوف المسيحيين من أصحاب اللحى السنّة، وبأن أصبح اعتقال شبان من الإسلاميين أمراً عادياً. وتكفي كتابة كلمة إسلامي قرب صفة التهمة ليزجّوا في السجن بانتظار محاكمات لا تحصل.
في عام 2011، وصل تيار المستقبل إلى أدنى شعبيّته، وأصبح يعمل لتجميع الطاقات واستعادة صورته بعد أن ألّف أكبر كتلة رأي عام على مدى أعوام، فعاد اليوم إلى العمل على مجموعات لا تزيد على 40 أو 50 شخصاً ليعتصموا كل يوم لبضع ساعات، وإطلاق مسيرة شموع في طرابلس تعدّ بالمئات، في مسعى يائس لاستنهاض تجمّع حاشد يوم 14 شباط المقبل.

Script executed in 0.19173502922058