أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

كي لا يشعر جمهور «المستقبل» أنه متروك لمحمد سلام

السبت 29 كانون الثاني , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,532 زائر

كي لا يشعر جمهور «المستقبل» أنه متروك لمحمد سلام
هذه ليست أيامه. الضربات تتوالى، والمعارضة أدارت، للمرة الأولى منذ زمن بعيد، معركة بالغة الذكاء، خطيئتها الوحيدة رسالة الفجر السوداء التي انتهت مفاعيلها عند تخويف الأطفال، في ظل معرفة عامة لقدرات «حزب الله» إذا ما قرر تحريك الشارع. أما غير ذلك، فقد نصبت المعارضة فخاً محكماً بشدة، وكل ما يفعله تيار المستقبل مذ سمع كلمتي «نجيب ميقاتي» هو التخبط الذي لا يزيد خيوط الشبكة الا إطباقاً عليه.
قرر «المستقبل» استخدام كل الاسلحة التي اوحى رئيسه بأنه ضدها في خطاب ترشحه إلى رئاسة الحكومة. وكل هذه الاسلحة ارتدت عليه.
تذكر الفقراء من شبانه، هؤلاء الذين يتنكر لهم طالما لا يحتاج إليهم، موهماً نفسه والآخرين أن المنسيين هم فقط من ابناء الطائفة الأخرى، وان لا منسيين لديه هم فقراؤه الذين يجدون فيه خلاصهم، يمتدون على مساحة البلاد، يرميهم عند التقاطعات ليلوّح بالشارع في لعبة ليست حتى بمستطاعه. فينهي يوم غضبه بشق النفس، وقد بدا ان كل هذا الغضب لا يعدو كونه مزاحاً أمام خصم متمرس من المثير للسخرية فعلاً تهديده بقطع طريق الكولا. فلا قَبِل جمهور التيار المقتنع بالخطاب المدني الهادئ بما حدث، ولا رضي جمهوره الآخر الحانق الذي يريد مواجهة القوة بالقوة.
كما أطلق «المستقبل» العنان لغلاة المتطرفين من وجوهه. هؤلاء الذين يستصرخون كل حقد دفين بين المذهبين، وكل المخاوف الكامنة. وهؤلاء نفّروا أول ما نفّروا جمهورهم نفسه. إن شخصاً مثل محمد سلام، مسؤول التثقيف السياسي في المستقبل، كان من الأفضل للعاقلين في التيار اعطاؤه اطار شاحنة كبير لينشغل طوال يوم غضبه باحراقه، بدلاً من هذا الصعود الفضائحي الذي لا شك ان المعارضة، شيعية ومسيحية، وجدت فيه خدمة هائلة ومجانية قدمها المستقبل لها.
سلام، ومعه «ابو العبد» و«الضاهر»، ثلاثي كان كفيلاً في يومين، بأن يهدم بنياناً اعلامياً وسياسياً كاملاً بني طوال سنوات لهذا التيار، كما أن الثلاثة عتموا على خطاب سياسي متمكن ورصين وقوي يقوده الهادئون في المستقبل، وهم قلة.
هذا الثلاثي الذي اسقط الصفة السنية على التيار كأنها وباء مخيف، لم ينتبه إلى أن خطابه سيجعل شاباً مثل سامي الجميل يتصبب عرقاً، كما أنه سيغرق الحكيم سمير جعجع في عصف فكري قد يمتد أسابيع لأن مثل سلام و«ابو العبد» والضاهر هم بالتحديد كل ما يتمناه النائب ميشال عون لجعجع. يمكن للمستقبل المعتدل والمنفتح أن يلاحظ اهتمام السفارات الاوروبية بالخطابات التي ألقيت في ساحات «فورات الغضب» وطلبها تسجيلات لهذه الخطابات.
غضب التيار أكثر مما يفترض به ان يغضب. وبالغ في اعلان هزيمته، فلم يترك لخصمه أن يشمت به حتى. وهو، في حنقه المستمر على ملامح الحريري، وهجومه الشنيع على الرئيس نجيب ميقاتي، وانفتاح هذا في المقابل عليه، وابتسامته «البريئة» التي لا تنزل عن وجهه، يفقد حجته أمام السؤال عن سبب الغضب على من لا يختلف كثيراً عن سعد الحريري، لا في سنيته ولا في ملياراته ولا في علاقاته حول العالم، ولا حتى في استعداده للنقاش في مصير المحكمة الدولية والقرار الاتهامي، ما دام الحريري نفسه اعترف بأنه قبل بالتسوية، وما دام النائب وليد جنبلاط ابقى الورقة الشهيرة في الهواء ما يكفي لأن تلتقط عدسات التصوير حرفاً حرفاً المقايضة الشهيرة للمحكمة بالسلطة.
كيف يمكن الهجوم على نجيب ميقاتي الذي ليس في سيرته الذاتية كرئيس سابق للحكومة إلا اجراء انتخابات اتت بأكثرية من قوى 14 آذار إلى الحكم، كما أنه سمى مطار لبنان الوحيد باسم رفيق الحريري؟
لا جواب واضحاً. فإذا كان نجيب ميقاتي، على العكس من عمر كرامي، هو اسوأ كوابيس سعد الحريري، فان الاخير بالتأكيد لم يعرف بعد كيف يتعاطى مع كابوسه المستجد.
ومع أنه قال إنه لا يسعى إلى سلطة، بدا تجهم الحريري، مفتعلاً كان أم حقيقياً، ناجماً عن خسارة محض شخصية لكرسيه الخاص الذي ابتاعه لنفسه. فاذا اكتشف انه خسر غرضه الثمين، نتيجة قلة درايته، وخطأ حساباته، وحسن تصرف خصمه، رفع صوته شاكياً: خانوني. وقتلة أبي يريدونني خارج السلطة.
واذا كان يمكنه أن يتهم الآخرين بقتل أبيه، فكيف يسوّق امام جمهوره بأنه اكتشف الآن فقط ان هؤلاء هم القتلة الحقيقيون، وأن «الحقيقة» قد تكون قميصاً يمكن ارتداؤه مراراً وتكراراً ولونه، ازرق كان أم أحمر، لن يبهت في آخر المطاف.
في تخبطه، اصيب المستقبل ايضاً بانفصام غريب. قرر لغةً جديدة لا تتورع عن اتهام حزب الله باغتيال رفيق الحريري مستبقاً القرار الاتهامي والمحكمة وكل ما يمت إلى العقل والمنطق بصلة، وراح يهوّل على اللبنانيين في أمنهم، وهذا ما كان يرفضه دائماً. وفي الخطاب المقابل، نبش في التراب باحثاً عن ثورة الارز، حتى اذا ما نفخت الامانة العامة الروح فيها، كانت الثورة اشبه بـ«زومبي» العالق بين عالمي الحياة والموت، خارج اللحظة السياسية وخارج الوعي الشعبي وخارج أي مفهوم، ليس فيها الا مشهدها المرعب وهي تردد كببغاء شعارات وادبيات دفنتها بيديها منذ وقت طويل.
وفي خضم كل هذا، أتى تذكر الضريح فجأة، وحشره في منافسة خاسرة على السلطة شأن معيب فعلاً، لا يستحق رداً عليه إلا في الاعداد الهزيلة لملبي الدعوة، وهم في غالبهم من المرضى بالحنين إلى ماضي 14 آذار الغابر، أو من السذج الذين يظنون أنه يمكن للثورة أن تقوم، هي ذاتها، مرتين.
خسارة الحريري مضاعفة، اذ يصر على الظهور بمظهر الخاسر على المستوى الشخصي الذي ليس امامه من هامش للتحرك إلا هامش الكيدية. وما يزيد من أزمته هو دورانه حول نفسه، لا يعرف ماذا يفعل ولا كيف يواجه. جمهوره ينتظره. لا يبدو حتى اللحظة انه مستعد للمشي خلفه ما دام يرى قائده الشاب المتفائل، متجهماً عابساً يجهل تماماً كيف وإلى اين يقود ناسه بعدما يقبل بخسارته المدوية، ويدرسها جيداً ويستخلص العبر منها، ويعرف أنها ليست نهايته، ولا نهاية العالم. وعليه ان يبتسم فقط لكي يطمئن ناسه إلى أنهم لن يُتركوا، لا لثائر مثل «ابو العبد» الطرابلسي، ولا لمفكر مثل «الضاهر»، وبالتأكيد ليس لمثقف مثل محمد سلام... ولو كان رصيد الأخير في «التيار» يكاد لا ينافسه أحد فيه الا «الشيخ سعد».

Script executed in 0.19861602783203