الانتقال من دولة الريوع والضرائب غير العادلة وتيئيس المواطنين صعب لكنّه ليس مستحيلاً. في قطاع الاتصالات بدأت التغيّرات على نحو لافت منذ العام الماضي بروافع عديدة أبرزها مشروع يغيّر واقع الاتصالات نوعياً، عبر الهاتف الخلوي والكمبيوتر، بكلفة تقلّ عن الكلفة الوسطيّة الحالية: أهلاً بكم في عالم «الجيل الثالث»
قد يتساءل البعض لماذا لم تُطبّق مشاريع تطوير في قطاع الاتصالات طوال السنوات الماضية. الجواب بسيط جداً: في قطاع يوفّر ريوعاً هائلة وتنفيعات رهيبة في الواقع القائم، لماذا يسعى القيّمون عليه/ السلطة إلى التغيير؟
إنّه التحليل الأكثر منطقية لـ«الوضعيّة القديمة» التي سادت في لبنان ليس فقط في الاتصالات وتبادل المعلومات بل في القطاعات كلها تقريباً. وقد استخدم وزير الاتصالات أمس هذا التعبير في معرض تقديمه للمشروع الأحدث في القطاع، وهو مشروع «الجيل الثالث»، الذي انطلق ولم يعد ممكناً إيقافه من الذين بذلوا كل الجهود لمنع انطلاقه خدمةً لمصالح خاصة ضيّقة نمت في ظل القلّة المفتعلة والتردّي المقصود والأسعار المرتفعة بسبب الريوع والضرائب.
«الخروج من الوضعيّة القديمة» هو عنوان تجربة شربل نحاس في حكومة الوحدة الوطنية بعد اتفاق الدوحة كما عرضها في المؤتمر الصحافي الذي عقده لتقديم «الخبر السار الذي سيذكره اللبنانيّون من الوزارة والحكومة»، التي انفرط عقدها في منتصف الشهر الجاري.
هذا الخروج يعني الكثير من التغييرات وأبرزها عدم حصر النظرة إلى القطاع بصفته مصدراً للضرائب والريوع وحرم اللبنانيّين من مشاريع بيديهيّة. فجردة الحسابات التي أجرتها الوزارة، وعرضها شربل نحاس، توضح أنّ إنفاق اللبنانيّين على الاتصالات والمعلومات بلغ 3100 مليار ليرة في عام 2010 (2.06 مليار دولار). أمّا الضرائب والريوع فحصّتها 58% من هذا الرقم (أي نحو 1.2 مليار دولار) «وهو واقع مفجع فعلاً».
تقنياً، ومن دون تعقيدات، سيُتيح المشروع الجديد (الجيل الثالث) إحداث تغيير جدّي في الصورة، فهو يرفع سعة نقل المعلومات 70 ضعفاً مقارنة مع السرعة الحالية المتوفّرة عبر تقنيّة «GPRS»، و27 ضعفاً مقارنة بالسعة التي توفّرها حالياً تقنيّة «DSL» (السعة النظرية الوسطيّة التي ستُصبح متاحة ستبلغ 7 Mb/s أي 7 آلاف كيلوبيت في الثانية، فيما ستبلغ السعة القصوى المتوخّاة 21 Mb/s)... وكل ذلك بكلفة تقلّ عن مدخول شهر واحد من الهاتف الخلوي، وهذا يشير بوضوح إلى أن ما كان يحصل سابقاً هو تجفيف مقصود للاستثمار في تطوير الخدمات لكي تنمو البدائل المكلفة.
كيف يُستفاد من التقنيّة الجديدة؟ على نحو مباشر يسستفيد المستهلك العادي من مروحة واسعة من خدمات الوسائط المتعدّدة (Multimedia) على هاتفه الخلوي (ومنها الاتصال بالصوت والصورة بنوعية وسرعة عاليتين). كذلك سيُصبح متاحاً له ولوج شبكة الإنترنت، والاتصال طبعاً، عبر الحاسوب (الثابت والنقّال) من خلال وصل شريحة ثانية من خطّه (أو الشريحة الأساسيّة) باستخدام أداة شائعة تُسمّى «Dongle» (وهي عبارة عن أداة «USB» توضع فيها شريحة خط الخلوي وتوصل بالكمبيوتر).
والاستفادة طبعاً ستكون للمؤسّسات والشركات المختلفة، ما يعني انعكاسات على المؤشّرات الاقتصادية العامّة.
متى يُنجز المشروع وما هي كلفته؟ وفقاً للإيضاحات التي قدّمها شربل نحاس فإنّ «مراحل تلزيم المشروع أُنجزت ووُقّعت العقود الكاملة على أن تُصبح التقنيّة الجديدة متاحة للبنانيّين على الأراضي اللبنانية كلها خلال 7 أشهر». وقد استقرّت المناقصة على شركتي «Ericsson» الفنلنديّة و«Huwaei» الصينيّة، فالأولى اختيرت في العقد مع شركة «Mic1» (واسمها التجاري «ALFA») والثاني لشركة «Mic2» التي تحمل الاسم التجاري «MTC».
أمّا الاسعار الأولية التي تضمّنتها العروض، فقد بلغت 178 مليون دولار، لكن «الوزارة نجحت بخفضها بنسبة 55% لتصبح الكلفة النهائية 80.3 مليون دولار»، وهو رقم جيد جداً إذ «يشمل الكفالة والصيانة لفترة بين 3 و5 سنوات، ما يعني أن الكلفة المباشرة للتجهيز تبلغ 67.4 مليون دولار فقط»، لا 200 مليون دولار مثلما ردّد البعض، بحسب وزير الاتصالات، فضلاً عن أن شركة «هواوي» تبرّعت بتركيب ونقل 65 محطّة من الجيل الثاني الى الجيل الثالث، سبق أن قدّمتها الحكومة الصينية هبة إلى لبنان.
وينقسم العمل إلى صعيدين: وضع تجهيزات جديدة، وتطوير الشبكة الأساسيّة لتتواءم مع التقنية الجديدة. وبإتمامه وتحقيق القدرة المرتقبة منه، سيستفيد 830 ألف مشترك بخدمة مثالية، كما يستفيد 1.5 مليون مشترك من خدمة وسطيّة. وبالاستناد إلى الأسعار التي حصلت عليها الوزارة من الشركتين الفائزتين، فإن كلفة التجهيز تبلغ 80 دولاراً للنوع الأوّل و45 دولاراً للخدمة الثانية، أي أقلّ من متوسط الفاتورة للمشترك الواحد. هل إطلاق المشروع قانوني؟ نعم بالكامل، لأنّ الشركتين تقومان بعمل تطويري للخدمات، وهذا يأتي في إطار عملهما بوصفهما شركتين خاصتين مملوكتين من الدولة، وبالتالي فإن الاستثمارات التي تجريها هاتان الشركتان لا تدخل في مالية الدولة، سابقاً ولا حالياً... وقال نحّاس إن التأخير كان بسبب «الطمع بالريوع»، والرفض الذي كان قائماً على حجة عدم وجود ترخيص لا أساس له لأنّ الدولة لا تحتاج إلى ترخيص. وأوضح أنّ مرحلة تصريف الأعمال لا تؤثّر على هذا العمل العادي.
يُشار إلى أنّ عمليّة التطوير صوب الجيل الثالث بدأت قبل استقالة الوزارة، وبعد الاستقالة «لا يحقّ للوزير فقط المضي قدماً بالمشروع بل يجوز أن يعطّله».
باختصار، عانت أجيال الحرب وما بعدها كثيراً من تأخّر التطوير. وصُوّرت الأمور للشعب على أنّها جيّدة، على الرغم من أنّ المشتركين كانوا يسدّدون أعلى التعرفات في الهاتف الخلوي عالمياً، والخدمات التي قُدّمت لهم كانت أشبه بالفتات. ومن شأن مشروع «الجيل الثالث» أن يخرج البلاد من الركود الذي حكم تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات (ICT) إلى جانب مجموعة أخرى من المشاريع، أبرزها شبكة الألياف الضوئيّة (Fiber Optics).
1600 محطّة
عدد المحطّات التي يشملها مشروع الجيل الثالث على كل الأراضي اللبنانيّة، يترافق إنشاؤها مع تحديث لقلب نظام الاتصالات الحالي
66%
نسبة الإنفاق على الهاتف الخلوي من إجمالي الإنفاق على الاتصالات، فيما تبلغ النسبة 17% للهاتف الثابت و8% على المعلومات (DSL)
3 مديريات
تضمّها وزارة الاتصالات هي: «الاستثمار والصيانة» و«البريد» و«الإنشاء والتجهيز»، والأخيرة هي التي تُشرف على المشروع الجديد
خفض كلفة التخابر الخلوي
تُطلق وزارة الاتصالات برنامجاً تنخفض بموجبه كلفة التخابر عبر بطاقات مسبقة الدفع للتخابر الخلوي لفترة شهر مع 10 أيّام سماح: في شباط ستُطرح بطاقة بكلفة 15 ألف ليرة تتيح 30 دقيقة تخابر. وبعد شهرين تُطلق بطاقة تتيح 60 دقيقة تخابر بكلفة 25 ألف ليرة. وفي تمّوز المقبل تُطلق بطاقة الـ120 دقيقة تخابر بكلفة 48 ألف ليرة. وبذلك، تنخفض كلفة التخابر قياساً على بطاقات مسبقة الدفع بنسبة تراوح بين 25 و30%.