عندما قررت السعودية بلسان وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل الانسحاب من المبادرة السعودية ـ السورية المتعلقة بلبنان، وتزامن ذلك مع مغادرة وزيري خارجية قطر وتركيا بيروت، أدرك نجيب ميقاتي أن ثمة شيئا كبيرا يحصل، وأنه لا بد من قراءة جديدة، حتى لو كان ثمنها الاتيان بسعد الحريري رئيسا للحكومة أو عمر كرامي من أجل تدارك الموقف. لم يكن ميقاتي يدري أن تلك القراءة الجديدة، قد بدأت وأنه سيكون عليه أن يتحمل مسؤولية تاريخية ازاء بلده وطائفته، فالمضي بخيار سعد الحريري يعني أننا مقبلون على تطور أكبر وأخطر من السابع من ايار وسيدفع المسلمون السنة الثمن بسبب خيارات سعد الحريري.
وأما خيار عمر كرامي، فقد يشكل مادة جذب لتيار الحريري من أجل استخدام الشارع بوجه «الأفندي»، وفي الحالتين، سيدفع المسلمون السنة الثمن، ولن يجدوا ظهيرا عربيا أو إسلاميا يحمي مصالحهم، خاصة بعد إعلان المملكة عن قرار الانكفاء وإرسال دمشق إشارات واضحة بأنها ستتعامل مع الملف اللبناني بالطريقة السعودية ذاتها.
كان خيار نجيب ميقاتي هو الخيار الأقل كلفة بالنسبة للجمهور السني وهي حقيقة ستحتاج الى وقت كبير، من أجل اكتشاف المخاطرة التي أقدم عليها رجل الأعمال الطرابلسي للقبول بهذه المهمة.
ويقول العارفون بميقاتي أنه لم يكن ليقبل بالتكليف لولا أنه حصل على تغطية سعودية ـ سورية للمهمة الاستثنائية التي تنتظر حكومته، ولذلك ثمة روايات كثيرة حول تسلله من ثغرة انعدام الثقة الملكية بزعيم تيار المستقبل، وحصوله على تطمينات من القيادة السورية، وتحديدا من الرئيس بشار الأسد (عبر شقيقه طه الذي التقى الرئيس يشار الأسد في حلب عشية التكليف) بأن المهمة التي تنتظره تحظى برعاية عربية ودولية وتحديدا من الملك عبدالله ونجله الأمير عبد العزيز ومن القيادتين القطرية والفرنسية... وهناك من يردد بأن ميقاتي أجرى شخصيا، ومن قبيل الاطمئنان الاضافي، اتصالات جعلته يمضي قدما بالمهمة التي تنتظره.
من الواضح أن موقف القيادة السعودية ازاء عدد من الملفات العربية ومنها ملف لبنان، أفسح في المجال أمام جعل عدم تزكية سعد الحريري لرئاسة الحكومة، عنوانا عاديا، وليس على غرار زمن محاصرة السرايا الكبير (اعتصام 2006) عندما اتصل العاهل السعودي بالرئيس فؤاد السنيورة وبكل وزراء حكومته المبتورة مؤكدا لهم أن حكومة السنيورة هي خط الدفاع الأمامي عن المملكة.
ولعل الخوض في الوقائع التي سبقت تكليف ميقاتي تقدم عناصر مساعدة على تحليل الموقف السعودي، وأبرزها الزيارة السعودية للوزير محمد الصفدي وقرار عودة النائب نعمة طعمة من الرياض عشية بدء الاستشارات، وهما أمران حملا ربما أكثر مما يحتملا. في هذا السياق، يرفض مصدر مقرّب من الصفدي القول بأن الأخير ذهب ليأتي «بكلمة سرّ»، قائلا «إنها المرة الأولى منذ زمن الرئيس الشهيد رفيق الحريري التي تكسر فيها السعودية حصرية التعاطي السني في لبنان، لتفتح الباب واسعا أمام التشاور في هذا الموضوع مع الشخصيات السنية الأخرى. في الماضي كان التشاور محصورا بالحريري الأب الذي شكل مرجعية للعلاقات السعودية اللبنانية ذهابا وايابا لكن اليوم اختلف الموضوع كليا».
لسان حال المزاج السني اللبناني اليوم يتحدث عن «جوّ» في المملكة تظهّر من خلال مقالات صحافيين مقربين من النظام السعودي بأن «ثمة قيادات سنية كثيرة غير الرئيس الحريري قادرة على كسر الجمود اللبناني ربّما لأنها غير مثقلة بعبء الدّم»، ولا يستبعد هذا المزاج وجود قنوات اتصال سعودية مباشرة مع الرئيس المكلّف، خاصة بعد الزيارة التي قام بها السفير السعودي علي عواض عسيري لميقاتي مساء يوم الجمعة الفائت وأبلغه خلالها دعم المملكة لخيارات اللبنانيين ولكل ما من شانه أن يحفظ استقرار لبنان وسيادته وأمنه.
لم تعتد السعودية وضع «فيتوات» على أحد في لبنان، بل اعتمدت دوما سياسة الميزان الدقيق في علاقاتها، ولكن الانفعال ميز بعض مراحل علاقتها بلبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، فقد تأزمت العلاقة بينها وبين دمشق من جهة وتم تصويرها، من جهة ثانية، بوصفها داعمة لفريق 14 آذار وحامية له، لكن مع مغادرة السفير عبد العزيز خوجة وحلول السفير الحالي، صححت المملكة المسار وتوازنت علاقاتها اللبنانية، بعدما كان العاهل السعودي قد قام بسلسلة مبادرات لاعادة العلاقات الى طبيعتها بينه وبين القيادة السورية، لكن ذلك لا ينفي «الأصوات المرتفعة منذ مدة في المملكة والتي تحثها على سحب يدها من الملف اللبناني لأن ثمة ملفات أكثر حيوية لمصالحها هي العراق واليمن»، بحسب ما يشير الكاتب والباحث السعودي الدكتور خالد الدخيل لـ«السفير».
هل ينسحب الاختلاف في الرأي في المملكة على تكليف ميقاتي؟ يقول الدخيل «لا ادري إن كان ميقاتي نال غطاء» سعوديا قبل قبوله هذه المهمة، لكنني أعتقد بأن الغطاء السعودي سيجيء بعد معرفة برنامج نجيب ميقاتي، فإذا كان ميقاتي هو مرشح «حزب الله» فهذا يعني أنه سيلتزم ببرنامج الحزب، وبالتالي لا أتصور أن يحظى بغطاء سعودي. لكنه يجاهر حاليا بأنه مرشح وسطي وتوافقي لكن الجميع يعلم بأن «حزب الله» لن يوافق على أي شخص إلا بعد أن يلتزم ببرنامجه، ما يخلق لبسا في حكاية «المرشح التوافقي» بحسب الدخيل.
ولكن هل كان يمكن لميقاتي أن يقبل هذه المهمة من دون موافقة المملكة؟ يقول الدخيل: «أعلم أن علاقة ميقاتي بالمملكة جيدة، لذا أعتبر ترشحه مثيرا لعلامات استفهام كبرى وخصوصا ان سعد الحريري أصرّ أيضا على ترشيح نفسه».
وحول إمكان سحب السعودية يدها من الملف اللبناني يقول الدخيل: «تعلو في المملكة اصوات كثيرة تدعو الى انسحاب المملكة من الملف اللبناني والواقع أنه يجب أن تسحب السعودية يدها وسوريا أيضا... لأن المطلوب هو احترام سيادة لبنان واستقلاله وترك الشان اللبناني الى اللبنانيين أنفسهم».
وحول مستقبل العلاقة السورية ـ السعودية، يجيب الدخيل: «أعتقد أنها مرشحة للعودة الى التأزم مجددا. المشكلة هي في سوريا وليس في لبنان، حاجة سوريا الى الورقة اللبنانية هي غير طبيعية وهي سبب رئيسي للتحالف مع إيران التي تمول «حزب الله» وتمده بالعتاد والسلاح، فيما تستفيد سوريا من نفوذه في لبنان».
محطات تاريخية
بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 1982، بدأت مرحلة جديدة من العلاقات السعودية ـ السورية، اتسمت بحرص الرياض على تعزيز الحوار مع دمشق، واتخذ الملك الراحل فهد بن عبد العزيز قرارا باستبدال ممثله الشهير والعريق السفير والفريق علي الشاعر، المعني بالملف اللبناني، بالثنائي الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز ورفيق الحريري، اللذين لعبا دور الموفدين الشخصيين للملك فهد.. على خطّ العلاقة مع دمشق.
شكلت أول اطلالة للحريري الأب عندما أمر «أوجيه لبنان» بازالة آثار العدوان الاسرائيلي، وانخرط بعد ذلك في سياسة التواصل السعودية مع سوريا باتجاه تهدئة الموقف في لبنان وخصوصا إبان حرب الجبل. أتاح ذلك الانخراط فتح قنوات تواصل أميركية سورية من جهة وسعودية سورية من جهة ثانية لمناقشة التطورات الحاصلة في لبنان. ولعب الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز وكان سفيرا للمملكة في واشنطن دورا رئيسيا في عملية التواصل الأميركية السورية.
بدأت علاقة رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري مع سوريا تدريجيا منذ عام 1983 وتطورت تدريجيا الى حين شروع المملكة بالتحضير لاتفاق الطائف في نهاية الثمانينيات، وهو اتفاق ساهمت فيه سوريا ورعته السعودية ووافقت عليه الولايات المتحدة الأميركية. وطالما اعتبر المسؤولون السعوديون بأن هذا الاتفاق هو من أهم إنجازاتهم السياسية اللبنانية، في عهد الملك الراحل فهد بن عبد العزيز.
بعد اندلاع «حرب تحرير الكويت» ومشاركة سوريا فيها الى جانب «التحالف الدولي»، بقيادة الأميركيين، حازت دمشق على تفويض أميركي ومباركة عربية، بإدارة الوضع السياسي في لبنان وتحقيق الإستقرار فيه. في العام 1992 تم تكليف «رجل السعودية الأول» رفيق الحريري برئاسة الحكومة اللبنانية، واعتبر هذا التكليف تكريسا للتحالف السعودي السوري، واستمرت العلاقات بين البلدين عبره في فترة مرض الملك فهد وولاية عهد الأمير عبد الله، علما أن رفيق الحريري، كان على صلة وثيقة بوزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل.
بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد قصد ولي العهد الأمير عبد الله وبندر بن سلطان وكبار الأمراء سوريا وبقي الأمير عبد الله أياما في دمشق وتصرف وقتذاك على أنه من أهل الفقيد، ولم يغادر إلا بعد تأكده من الانتقال السلمي الهادئ للسلطة، وكلّف الأمير بندر بإجراء اتصالات دولية مع رئيس الوزراء البريطاني آنذاك طوني بلير ومع الرئيس الأميركي جورج بوش بغية الحفاظ على استقرار العلاقات السورية الخارجية تدعيما لموقع الرئيس السوري الواصل حديثا الى السلطة.
إلا أن الأسلوب الجديد في الحكم الذي ظهر مع تسلم بشار الأسد للسلطة كان له أثره على العلاقات السعودية السورية بين عامي 2000 و2005. لعب بشار الأسد، قبيل تسلمه السلطة، دورا محوريا في ايصال اميل لحود الى رئاسة الجمهورية، بعد انتهاء مفاعيل التمديد للرئيس الياس الهراوي، في العام 1998، وهو التمديد الذي لم يكن يرغب به الأسد الابن، ولكن استطاع الحريري بمعاونة وليد جنبلاط ونبيه بري وفريق سوري، من تمريره، حتى جاء وقت الحساب. حل سليم الحص مكان رفيق الحريري على رأس أول حكومة في عهد اميل لحود... وكانت تلك أول اشارة سلبية، للمرحلة الجديدة من العلاقات بين دمشق ورفيق الحريري.
تصرفت السعودية بطريقة لم تؤثر سلبا على العلاقات مع سوريا خاصة وأنها لم تعتبر أن استقالة الحريري مفصلية على اعتبار أنه يمكن معالجتها عبر تقاليد اللعبة اللبنانية. ويقول مواكبون لتلك المرحلة بأن الخلاف بين بشار الأسد ورفيق الحريري اتخذ طابعا شخصيا، إذ اعتبر الرئيس السوري بأن الرئيس لحود أقرب إليه، وجاء انعقاد القمة العربية في بيروت في العام 2002 وتبني مبادرة الأمير عبدالله للسلام بنسختها المعدلة (إضافة بند اللاجئين اليها) لتزيد الشرخ في العلاقة بين الجانبين.
مفاعيل اغتيال الحريري
في العام 2005، حصلت جريمة اغتيال رفيق الحريري، واهتزت العلاقات السعودية السورية بشدة ودخلت مرحلة من التوتر، خاصة بين الملك عبد الله (أصبح ملكا بعد وفاة الملك فهد في صيف العام 2005) والرئيس الأسد. وبات واضحا بأن مرحلة ما بعد احتلال العراق، واعلان القيادة السورية انحيازها الواضح للمقاومة العراقية ورفضها الشروط الأميركية وفي الوقت نفسه تطور العلاقة السورية الإيرانية، فضلا عن اغتيال الحريري كلها شكلت عناوين لأزمة ثقة متنامية بين الرياض ودمشق.
بلغ الغضب السعودي من سوريا أوجه خلال «حرب تموز». شعر السعوديون بأن هذه الحرب غيّرت موازين القوى في المنطقة وهم الذين كانوا قد سارعوا الى اتهام المقاومة في لبنان بالتهور والمغامرة. وأدى الموقف الذي أعلنه الرئيس الأسد خلال تلك الحرب، وما تضمنه من انتقادات لاذعة الى حالة قطيعة بين البلدين... وتطور الموقف في أواخر عام 2006 باتجاه المواجهة مع سوريا وحلفائها في لبنان عبر الدعم المطلق لقوى 14 آذار، وحكومة الرئيس فؤاد السنيورة بكل الوسائل الممكنة، وعبر تكتيل موقف عربي ودولي داعم للسنيورة ولسلة القرارات التي أدخل لبنان في دوامة التدويل.
وشكل سقوط الاتفاق الذي رعاه السعوديون بين «فتح» و«حماس» في العام 2007 (اتفاق مكة) مناسبة لتحميل دمشق مسؤولية افشاله، ما جعل العلاقات بين البلدين تتدهور أكثر فأكثر ـ حتى اتفاق الدوحة عام 2008 الذي أقر به الملك عبدالله مرغما قائلا لسفيره «لا نحتاج الى مزيد من التيجان على رؤوسنا». سبق ذلك زيارة أمير قطر الى السعودية واجتماعه بالملك عبدالله. وفي عام 2009 صارت المبادرة السعودية التي عبر عنها الملك عبد الله في قمة الكويت الإقتصادية قائلا بتجاوز الماضي معتبرا بضرورة التصالح مع تاريخه العروبي وفي محاولة لحث سوريا على وضع توازن في علاقاتها مع إيران ومع العالم العربي. انتعشت العلاقات بين البلدين لكنها اتخذت طابعا شخصيا بين الملك وبين بشار الأسد. «التزمت المؤسسة السعودية، السياسية والأمنية جزئيا بهذا التقارب لكنها باطنيا لم تكن موافقة عليه بسبب يأسها من محاولة فك الارتباط بين دمشق وطهران» بحسب مواكبين لتلك الحقبة.
بعد قمة الكويت، بدا أن الرئيس الأسد عقد آماله على الملك عبدالله، حيث استعاد علاقة تاريخية مع الأمير عبد العزيز، وساهم ذلك الانفتاح في ادارة سعودية سورية لملف الانتخابات النيابية في العام 2009، ومن ثم تكليف سعد الحريري برئاسة أول حكومة لبنانية بعد الانتخابات، قبل أن يفتح له العاهل السعودي أبواب دمشق، التي سهلت له تأليف حكومته الأولى، مقابل سلسلة التزامات، اقتصرت على تلك المقابلة اليتيمة في «الشرق الأوسط»، علما أن دمشق، كانت تعول على مرحلة ما بعد القمة الثلاثية، في القصر الجمهوري، وما يمكن أن ينتجه تفاهم «السين ـ سين»، على صعيد التسوية اللبنانية، حتى سقط التفاهم بالضربة الأميركية القاضية وبتواطؤ غير معلن من جهات لبنانية وبعض دوائر القرار السعودية... وكان الثمن لبنانيا، استقالة الحكومة باستقالة وزراء المعارضة منها وتغيير معادلة الأكثرية والأقلية وتسمية نجيب ميقاتي رئيسا للحكومة اللبنانية الجديدة.
يحاذر النائب نهاد المشنوق الخوض في تفاصيل ملف العلاقات السورية السعودية أو السعودية اللبنانية، مكتفيا بالقول «إن سوريا هي جزء يومي من الحياة السياسية في المملكة العربية السعودية وبلاد الشام هي من المناطق الإستراتيجية المهمة في اهتماماتها، وثمة مثل نجدي يقول: الشام شامك مهما الزمن ضامك».
وأما خيار عمر كرامي، فقد يشكل مادة جذب لتيار الحريري من أجل استخدام الشارع بوجه «الأفندي»، وفي الحالتين، سيدفع المسلمون السنة الثمن، ولن يجدوا ظهيرا عربيا أو إسلاميا يحمي مصالحهم، خاصة بعد إعلان المملكة عن قرار الانكفاء وإرسال دمشق إشارات واضحة بأنها ستتعامل مع الملف اللبناني بالطريقة السعودية ذاتها.
كان خيار نجيب ميقاتي هو الخيار الأقل كلفة بالنسبة للجمهور السني وهي حقيقة ستحتاج الى وقت كبير، من أجل اكتشاف المخاطرة التي أقدم عليها رجل الأعمال الطرابلسي للقبول بهذه المهمة.
ويقول العارفون بميقاتي أنه لم يكن ليقبل بالتكليف لولا أنه حصل على تغطية سعودية ـ سورية للمهمة الاستثنائية التي تنتظر حكومته، ولذلك ثمة روايات كثيرة حول تسلله من ثغرة انعدام الثقة الملكية بزعيم تيار المستقبل، وحصوله على تطمينات من القيادة السورية، وتحديدا من الرئيس بشار الأسد (عبر شقيقه طه الذي التقى الرئيس يشار الأسد في حلب عشية التكليف) بأن المهمة التي تنتظره تحظى برعاية عربية ودولية وتحديدا من الملك عبدالله ونجله الأمير عبد العزيز ومن القيادتين القطرية والفرنسية... وهناك من يردد بأن ميقاتي أجرى شخصيا، ومن قبيل الاطمئنان الاضافي، اتصالات جعلته يمضي قدما بالمهمة التي تنتظره.
من الواضح أن موقف القيادة السعودية ازاء عدد من الملفات العربية ومنها ملف لبنان، أفسح في المجال أمام جعل عدم تزكية سعد الحريري لرئاسة الحكومة، عنوانا عاديا، وليس على غرار زمن محاصرة السرايا الكبير (اعتصام 2006) عندما اتصل العاهل السعودي بالرئيس فؤاد السنيورة وبكل وزراء حكومته المبتورة مؤكدا لهم أن حكومة السنيورة هي خط الدفاع الأمامي عن المملكة.
ولعل الخوض في الوقائع التي سبقت تكليف ميقاتي تقدم عناصر مساعدة على تحليل الموقف السعودي، وأبرزها الزيارة السعودية للوزير محمد الصفدي وقرار عودة النائب نعمة طعمة من الرياض عشية بدء الاستشارات، وهما أمران حملا ربما أكثر مما يحتملا. في هذا السياق، يرفض مصدر مقرّب من الصفدي القول بأن الأخير ذهب ليأتي «بكلمة سرّ»، قائلا «إنها المرة الأولى منذ زمن الرئيس الشهيد رفيق الحريري التي تكسر فيها السعودية حصرية التعاطي السني في لبنان، لتفتح الباب واسعا أمام التشاور في هذا الموضوع مع الشخصيات السنية الأخرى. في الماضي كان التشاور محصورا بالحريري الأب الذي شكل مرجعية للعلاقات السعودية اللبنانية ذهابا وايابا لكن اليوم اختلف الموضوع كليا».
لسان حال المزاج السني اللبناني اليوم يتحدث عن «جوّ» في المملكة تظهّر من خلال مقالات صحافيين مقربين من النظام السعودي بأن «ثمة قيادات سنية كثيرة غير الرئيس الحريري قادرة على كسر الجمود اللبناني ربّما لأنها غير مثقلة بعبء الدّم»، ولا يستبعد هذا المزاج وجود قنوات اتصال سعودية مباشرة مع الرئيس المكلّف، خاصة بعد الزيارة التي قام بها السفير السعودي علي عواض عسيري لميقاتي مساء يوم الجمعة الفائت وأبلغه خلالها دعم المملكة لخيارات اللبنانيين ولكل ما من شانه أن يحفظ استقرار لبنان وسيادته وأمنه.
لم تعتد السعودية وضع «فيتوات» على أحد في لبنان، بل اعتمدت دوما سياسة الميزان الدقيق في علاقاتها، ولكن الانفعال ميز بعض مراحل علاقتها بلبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، فقد تأزمت العلاقة بينها وبين دمشق من جهة وتم تصويرها، من جهة ثانية، بوصفها داعمة لفريق 14 آذار وحامية له، لكن مع مغادرة السفير عبد العزيز خوجة وحلول السفير الحالي، صححت المملكة المسار وتوازنت علاقاتها اللبنانية، بعدما كان العاهل السعودي قد قام بسلسلة مبادرات لاعادة العلاقات الى طبيعتها بينه وبين القيادة السورية، لكن ذلك لا ينفي «الأصوات المرتفعة منذ مدة في المملكة والتي تحثها على سحب يدها من الملف اللبناني لأن ثمة ملفات أكثر حيوية لمصالحها هي العراق واليمن»، بحسب ما يشير الكاتب والباحث السعودي الدكتور خالد الدخيل لـ«السفير».
هل ينسحب الاختلاف في الرأي في المملكة على تكليف ميقاتي؟ يقول الدخيل «لا ادري إن كان ميقاتي نال غطاء» سعوديا قبل قبوله هذه المهمة، لكنني أعتقد بأن الغطاء السعودي سيجيء بعد معرفة برنامج نجيب ميقاتي، فإذا كان ميقاتي هو مرشح «حزب الله» فهذا يعني أنه سيلتزم ببرنامج الحزب، وبالتالي لا أتصور أن يحظى بغطاء سعودي. لكنه يجاهر حاليا بأنه مرشح وسطي وتوافقي لكن الجميع يعلم بأن «حزب الله» لن يوافق على أي شخص إلا بعد أن يلتزم ببرنامجه، ما يخلق لبسا في حكاية «المرشح التوافقي» بحسب الدخيل.
ولكن هل كان يمكن لميقاتي أن يقبل هذه المهمة من دون موافقة المملكة؟ يقول الدخيل: «أعلم أن علاقة ميقاتي بالمملكة جيدة، لذا أعتبر ترشحه مثيرا لعلامات استفهام كبرى وخصوصا ان سعد الحريري أصرّ أيضا على ترشيح نفسه».
وحول إمكان سحب السعودية يدها من الملف اللبناني يقول الدخيل: «تعلو في المملكة اصوات كثيرة تدعو الى انسحاب المملكة من الملف اللبناني والواقع أنه يجب أن تسحب السعودية يدها وسوريا أيضا... لأن المطلوب هو احترام سيادة لبنان واستقلاله وترك الشان اللبناني الى اللبنانيين أنفسهم».
وحول مستقبل العلاقة السورية ـ السعودية، يجيب الدخيل: «أعتقد أنها مرشحة للعودة الى التأزم مجددا. المشكلة هي في سوريا وليس في لبنان، حاجة سوريا الى الورقة اللبنانية هي غير طبيعية وهي سبب رئيسي للتحالف مع إيران التي تمول «حزب الله» وتمده بالعتاد والسلاح، فيما تستفيد سوريا من نفوذه في لبنان».
محطات تاريخية
بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 1982، بدأت مرحلة جديدة من العلاقات السعودية ـ السورية، اتسمت بحرص الرياض على تعزيز الحوار مع دمشق، واتخذ الملك الراحل فهد بن عبد العزيز قرارا باستبدال ممثله الشهير والعريق السفير والفريق علي الشاعر، المعني بالملف اللبناني، بالثنائي الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز ورفيق الحريري، اللذين لعبا دور الموفدين الشخصيين للملك فهد.. على خطّ العلاقة مع دمشق.
شكلت أول اطلالة للحريري الأب عندما أمر «أوجيه لبنان» بازالة آثار العدوان الاسرائيلي، وانخرط بعد ذلك في سياسة التواصل السعودية مع سوريا باتجاه تهدئة الموقف في لبنان وخصوصا إبان حرب الجبل. أتاح ذلك الانخراط فتح قنوات تواصل أميركية سورية من جهة وسعودية سورية من جهة ثانية لمناقشة التطورات الحاصلة في لبنان. ولعب الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز وكان سفيرا للمملكة في واشنطن دورا رئيسيا في عملية التواصل الأميركية السورية.
بدأت علاقة رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري مع سوريا تدريجيا منذ عام 1983 وتطورت تدريجيا الى حين شروع المملكة بالتحضير لاتفاق الطائف في نهاية الثمانينيات، وهو اتفاق ساهمت فيه سوريا ورعته السعودية ووافقت عليه الولايات المتحدة الأميركية. وطالما اعتبر المسؤولون السعوديون بأن هذا الاتفاق هو من أهم إنجازاتهم السياسية اللبنانية، في عهد الملك الراحل فهد بن عبد العزيز.
بعد اندلاع «حرب تحرير الكويت» ومشاركة سوريا فيها الى جانب «التحالف الدولي»، بقيادة الأميركيين، حازت دمشق على تفويض أميركي ومباركة عربية، بإدارة الوضع السياسي في لبنان وتحقيق الإستقرار فيه. في العام 1992 تم تكليف «رجل السعودية الأول» رفيق الحريري برئاسة الحكومة اللبنانية، واعتبر هذا التكليف تكريسا للتحالف السعودي السوري، واستمرت العلاقات بين البلدين عبره في فترة مرض الملك فهد وولاية عهد الأمير عبد الله، علما أن رفيق الحريري، كان على صلة وثيقة بوزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل.
بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد قصد ولي العهد الأمير عبد الله وبندر بن سلطان وكبار الأمراء سوريا وبقي الأمير عبد الله أياما في دمشق وتصرف وقتذاك على أنه من أهل الفقيد، ولم يغادر إلا بعد تأكده من الانتقال السلمي الهادئ للسلطة، وكلّف الأمير بندر بإجراء اتصالات دولية مع رئيس الوزراء البريطاني آنذاك طوني بلير ومع الرئيس الأميركي جورج بوش بغية الحفاظ على استقرار العلاقات السورية الخارجية تدعيما لموقع الرئيس السوري الواصل حديثا الى السلطة.
إلا أن الأسلوب الجديد في الحكم الذي ظهر مع تسلم بشار الأسد للسلطة كان له أثره على العلاقات السعودية السورية بين عامي 2000 و2005. لعب بشار الأسد، قبيل تسلمه السلطة، دورا محوريا في ايصال اميل لحود الى رئاسة الجمهورية، بعد انتهاء مفاعيل التمديد للرئيس الياس الهراوي، في العام 1998، وهو التمديد الذي لم يكن يرغب به الأسد الابن، ولكن استطاع الحريري بمعاونة وليد جنبلاط ونبيه بري وفريق سوري، من تمريره، حتى جاء وقت الحساب. حل سليم الحص مكان رفيق الحريري على رأس أول حكومة في عهد اميل لحود... وكانت تلك أول اشارة سلبية، للمرحلة الجديدة من العلاقات بين دمشق ورفيق الحريري.
تصرفت السعودية بطريقة لم تؤثر سلبا على العلاقات مع سوريا خاصة وأنها لم تعتبر أن استقالة الحريري مفصلية على اعتبار أنه يمكن معالجتها عبر تقاليد اللعبة اللبنانية. ويقول مواكبون لتلك المرحلة بأن الخلاف بين بشار الأسد ورفيق الحريري اتخذ طابعا شخصيا، إذ اعتبر الرئيس السوري بأن الرئيس لحود أقرب إليه، وجاء انعقاد القمة العربية في بيروت في العام 2002 وتبني مبادرة الأمير عبدالله للسلام بنسختها المعدلة (إضافة بند اللاجئين اليها) لتزيد الشرخ في العلاقة بين الجانبين.
مفاعيل اغتيال الحريري
في العام 2005، حصلت جريمة اغتيال رفيق الحريري، واهتزت العلاقات السعودية السورية بشدة ودخلت مرحلة من التوتر، خاصة بين الملك عبد الله (أصبح ملكا بعد وفاة الملك فهد في صيف العام 2005) والرئيس الأسد. وبات واضحا بأن مرحلة ما بعد احتلال العراق، واعلان القيادة السورية انحيازها الواضح للمقاومة العراقية ورفضها الشروط الأميركية وفي الوقت نفسه تطور العلاقة السورية الإيرانية، فضلا عن اغتيال الحريري كلها شكلت عناوين لأزمة ثقة متنامية بين الرياض ودمشق.
بلغ الغضب السعودي من سوريا أوجه خلال «حرب تموز». شعر السعوديون بأن هذه الحرب غيّرت موازين القوى في المنطقة وهم الذين كانوا قد سارعوا الى اتهام المقاومة في لبنان بالتهور والمغامرة. وأدى الموقف الذي أعلنه الرئيس الأسد خلال تلك الحرب، وما تضمنه من انتقادات لاذعة الى حالة قطيعة بين البلدين... وتطور الموقف في أواخر عام 2006 باتجاه المواجهة مع سوريا وحلفائها في لبنان عبر الدعم المطلق لقوى 14 آذار، وحكومة الرئيس فؤاد السنيورة بكل الوسائل الممكنة، وعبر تكتيل موقف عربي ودولي داعم للسنيورة ولسلة القرارات التي أدخل لبنان في دوامة التدويل.
وشكل سقوط الاتفاق الذي رعاه السعوديون بين «فتح» و«حماس» في العام 2007 (اتفاق مكة) مناسبة لتحميل دمشق مسؤولية افشاله، ما جعل العلاقات بين البلدين تتدهور أكثر فأكثر ـ حتى اتفاق الدوحة عام 2008 الذي أقر به الملك عبدالله مرغما قائلا لسفيره «لا نحتاج الى مزيد من التيجان على رؤوسنا». سبق ذلك زيارة أمير قطر الى السعودية واجتماعه بالملك عبدالله. وفي عام 2009 صارت المبادرة السعودية التي عبر عنها الملك عبد الله في قمة الكويت الإقتصادية قائلا بتجاوز الماضي معتبرا بضرورة التصالح مع تاريخه العروبي وفي محاولة لحث سوريا على وضع توازن في علاقاتها مع إيران ومع العالم العربي. انتعشت العلاقات بين البلدين لكنها اتخذت طابعا شخصيا بين الملك وبين بشار الأسد. «التزمت المؤسسة السعودية، السياسية والأمنية جزئيا بهذا التقارب لكنها باطنيا لم تكن موافقة عليه بسبب يأسها من محاولة فك الارتباط بين دمشق وطهران» بحسب مواكبين لتلك الحقبة.
بعد قمة الكويت، بدا أن الرئيس الأسد عقد آماله على الملك عبدالله، حيث استعاد علاقة تاريخية مع الأمير عبد العزيز، وساهم ذلك الانفتاح في ادارة سعودية سورية لملف الانتخابات النيابية في العام 2009، ومن ثم تكليف سعد الحريري برئاسة أول حكومة لبنانية بعد الانتخابات، قبل أن يفتح له العاهل السعودي أبواب دمشق، التي سهلت له تأليف حكومته الأولى، مقابل سلسلة التزامات، اقتصرت على تلك المقابلة اليتيمة في «الشرق الأوسط»، علما أن دمشق، كانت تعول على مرحلة ما بعد القمة الثلاثية، في القصر الجمهوري، وما يمكن أن ينتجه تفاهم «السين ـ سين»، على صعيد التسوية اللبنانية، حتى سقط التفاهم بالضربة الأميركية القاضية وبتواطؤ غير معلن من جهات لبنانية وبعض دوائر القرار السعودية... وكان الثمن لبنانيا، استقالة الحكومة باستقالة وزراء المعارضة منها وتغيير معادلة الأكثرية والأقلية وتسمية نجيب ميقاتي رئيسا للحكومة اللبنانية الجديدة.
يحاذر النائب نهاد المشنوق الخوض في تفاصيل ملف العلاقات السورية السعودية أو السعودية اللبنانية، مكتفيا بالقول «إن سوريا هي جزء يومي من الحياة السياسية في المملكة العربية السعودية وبلاد الشام هي من المناطق الإستراتيجية المهمة في اهتماماتها، وثمة مثل نجدي يقول: الشام شامك مهما الزمن ضامك».