أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ملايين مصر تُسقط الخديعة: ارحل فوراً!

الأربعاء 02 شباط , 2011 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,024 زائر

ملايين مصر تُسقط الخديعة: ارحل فوراً!

 اتخذ الرئيس حسني مبارك خطوة اضافية الى الوراء، لا تستجيب لمطالب الشارع الذي يناديه بالتنحي الفوري، ويلح على التغيير الجذري للنظام، لكنها تمهد لتراجعات رئاسية اضافية في ظل الصرخات التي دوت في ميدان التحرير وسط العاصمة المصرية مساء رافضة عرض مبارك عدم الترشح لولاية رئاسية سادسة في الانتخابات المقررة في ايلول المقبل، واقتراحه تعديل الدستور لتوسيع فرص الترشيح للرئاسة ولائحة المرشحين التي كانت تقتصر على نجله جمال ونفر من المقربين منه. 

لكن مبارك الذي قدم عرضه الجديد في كلمة متلفزة مليئة بالتحدي وبالتوكيد على انه لم يذعن لضغوط الشارع، وهو يرفض ان يسير على خطى نظيره التونسي زين العابدين بن علي، بل يريد الموت على ارض مصر بحسب تعبيره، ويكمل ولايته ودوره حتى النهاية، بدا انه يمارس واحدة من خدعه السياسية التي لجأ اليها لامتصاص الغضب الشعبي، وشق المعارضة التي ليس لديها من خيار سوى المضي قدما حتى تحقيق الانقلاب السياسي الكامل، خصوصا انه لم تحصل على ضمانات كافية بان انتقال السلطة يمكن ان يتم بحسب مرادها، في ظل الاعتماد على الوجوه والمؤسسات والادوات نفسها التي تريد اسقاطها، وابرزها مجلس الشعب الحالي الذي قبلت المحاكم الطعون بالغالبية الساحقة من اعضائه، او الحكومة الجديدة التي شكلها مبارك من اقرب مقربيه المرفوضين كليا من ملايين المصريين. 

بعد انتهاء كلمة مبارك دوت الهتافات الغاضبة في ميدان التحرير في القاهرة وفي ميادين الاسكندرية والاسماعيلية والمنصورة والسويس والمنوفية (مسقط رأس مبارك) وفي جميع مدن الجمهورية من دون استثناء، وكان الشعار المشترك للمتظاهرين: «مش حنمشي، هو لازم يمشي»، في اشارة الى ان ايام الغضب المصري مستمرة اليوم، وغدا، حتى يوم الجمعة الذي تقرر ان يكون موعد الانذار الاخير والمهلة النهائية لخروج 


مبارك من الرئاسة. والا فإن الزحف الشعبي سيتوجه الى القصر الرئاسي ولن يقتصر على التظاهر وحده.. 

وبدا ان كلمة مبارك جاءت تنفيذا حرفيا لمضمون رسالة تلقاها من الرئيس الاميركي باراك اوباما، حملها مبعوثه فرانك ويزنر (المقرب من مبارك شخصيا) وأذاعت مضمونها واشنطن في ساعات الليل الاولى واكدت ان الرئيس المصري سيضمنها كلمته الى المصريين، التي اعلن البيت الابيض عن قرار توجيهها قبل ان يأتي الاعلان من التلفزيون المصري نفسه. وسبقتها تحذيرات اميركية متزايدة من احتمال غرق مصر في المزيد من الفراغ والفوضى، ما يمكن ان يؤدي بالتالي الى تقدم الاسلاميين الى الصفوف الاولى، وربما الى السلطة، وسط انباء عن ان حركة الاخوان المسلمين كانت المساهم الاكبر في الحشد المليوني امس في مختلف الشوارع المصرية، بعدما ظلت تعمل في الكواليس منذ بدء الانتفاضة الشعبية في 25 كانون الثاني الماضي. 

كلمة مبارك 

وقال مبارك في كلمته ان «الوطن يتعرض لأحداث عصيبة واختبارات قاسية بدأت بشباب ومواطنين شرفاء مارسوا حقهم في التظاهر السلمي تعبيرا عن همومهم وتطلعاتهم، لكن سرعان ما استغلها من سعى لإشاعة الفوضى واللجوء إلى العنف والمواجهة وللقفز على الشرعية الدستورية والانقضاض عليها». 

وتابع «لقد بادرت لتشكيل حكومة جديدة بأولويات وتكليفات جديدة تتجاوب مع مطالب شبابنا ورسالتهم. وكلفت نائب رئيس الجمهورية بالحوار مع كافة القوى السياسية حول كافة القضايا المثارة للإصلاح السياسي والديموقراطي وما يتطلبه من تعديلات دستورية وتشريعية... لكن هناك من القوى السياسية من رفض هذه الدعوة للحوار تمسكا بأجنداته الخاصة». 

وأكد مبارك أن دعوته للحوار «لا تزال قائمة»، قائلاً «لم أكن يوما طالب سلطة أو جاه، ويعلم الشعب الظروف العصيبة التي تحملت فيها المسؤولية وما قدمته للوطن حربا وسلاما. كما أنني رجل من أبناء قواتنا المسلحة، وليس من طبعي خيانة الأمانة أو التخلي عن الواجب والمسؤولية». 

وأضاف ان «مسؤوليتي الأولى الآن هي استعادة امن واستقرار الوطن لتحقيق الانتقال السلمي للسلطة في أجواء تحمي مصر والمصريين وتتيح تسلم المسؤولية لمن يختاره الشعب في الانتخابات الرئاسية المقبل. وأقول بكل الصدق وبصرف النظر عن الظرف الراهن انني لم أكن انوي الترشح لفترة رئاسية جديدة فقد قضيت ما يكفي من العمر في خدمة مصر وشعبها. لكنني الآن حريص كل الحرص على أن اختتم عملي من اجل الوطن بما يضمن تسليم أمانته بما يحفظ الشرعية ويحترم الدستور». 

وتابع «سأعمل خلال الأشهر المتبقية من ولايتي الحالية كي يتم اتخاذ التدابير والاجراءات المحققة للانتقال السلمي للسلطة بموجب ما يخوله لي الدستور من صلاحيات. وأدعو البرلمان بمجلسيه إلى مناقشة تعديل المادتين 76 و77 من الدستور بما يعدل شروط الترشيح لرئاسة الجمهورية ويعتمد فترات محددة للرئاسة». 

وطالب مبارك البرلمان «بالالتزام بكلمة القضاء وأحكامه في الطعون بالانتخابات التشريعية الأخيرة من دون إبطاء»، كما دعا جهاز الشرطة «للاضطلاع بدوره في خدمة الشعب وحماية المواطنين بنزاهة وشرف وأمانة وبالاحترام الكامل لحقوقهم وحرياتهم وكرامتهم»، والسلطات الرقابية والقضائية «لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لمواصلة ملاحقة الفاسدين والتحقيق مع المتسببين في ما شهدته مصر من انفلات امني». 

وختم بأن «الوطن باق والأشخاص زائلون ومصر العريقة هي الخالدة أبدا، تنتقل رايتها وأمانتها بين سواعد أبنائها»، مؤكداً «ولدت في مصر وسأموت في مصر والتاريخ سيشهد ما لي وما علي والشعب المصري يرد». 

وجاء الرد الشعبي على خطاب مبارك سريعاً، إذ ما كاد الرئيس المصري يعلن بقاءه في منصبه حتى موعد الانتخابات الرئاسية، حتى ارتفعت حناجر عشرات الآلاف في ميدان التحرير مرددين «ارحل!»، و«الشعب يريد إسقاط الرئيس». 

وقال شاب من منظمي الانتفاضة المصرية، في اتصال مع «السفير» من ميدان التحرير بعيد انتهاء خطاب مبارك، إن ما قاله الأخير شكل «استفزازاً خطيراً للشارع المصري». وأضاف، وسط هتافات «يسقط يسقط حسني مبارك» و«ارحل... ارحل»، إن المتظاهرين سيرفعون سقف مطالبتهم من «إسقاط مبارك إلى محاكمته»، معتبراً أن «الرئيس السابق يستخف بإرادتنا... ونحن لن نغادر الميدان حتى يحاكم»، وأن «أمامه حتى يوم الجمعة كحد أقصى للاستقالة، وإلا فإنه سيتحمل نتيجة موقفه هذا». 

من جهتها، قالت الناشطة المعارضة نوارة نجم إن «هذا الخطاب كمين للثورة»، محذرة المصريين من أن «مبارك يريد أن يقتلنا جميعاً وينتقم من الشعب الذي احتج على وجوده، ويتهمه بالسلب والنهب». واضافت «كنا كرماء حين طالبناه بالرحيل، لكننا لن نكون كرماء منذ الآن، فسنحاكمه على ما فعله في هذه البلاد». 

من جهته، قال اوباما بعد اجتماع في البيت الأبيض مع كبار مستشاريه، إنه أبلغ مبارك بأن عملية الانتقال السلمي للسلطة يجب أن تبدأ «الآن»، من دون أن يدعوه إلى التنحي فورا. وهنأ اوباما الجيش المصري على تسهيله القيام بالتظاهرات السلمية، مؤكدا في الوقت نفسه للشباب المصريين «اننا نسمع صوتكم»، ومشيدا بـ«كرامة المتظاهرين التي هي مصدر إلهام، لنا جميعا»، كما اعرب عن «اعتقاده الراسخ بأنكم (الشباب) ستحددون مصير البلاد». 

واعتبر اوباما أن مبارك يدرك انه لا بد من حدوث تغيير في البلاد. وفيما اعتبر أن مصر تبدأ صفحة جديدة في تاريخها، أكد اوباما أن اميركا مستعدة لتقديم أي عون لازم لمساعدة الشعب المصري في أعقاب الاحتجاجات. 

المسيرات المليونية 

وكان مئات الآلاف تدفقوا، منذ صباح يوم أمس، إلى ميدان التحرير، الذي اكتظ عن آخره ولم يعد هناك موضع قدم فيه. وأشار المنظمون إلى أن عدد المشاركين في التجمّع تجاوز المليون متظاهر، فيما قدرت مصادر أخرى عدد المتظاهرين بنحو مليونين. وانضم إلى الحشود في ميدان التحرير مواطنون من مختلف فئات الشعب المصري. وبجوار الشباب الذين بدأوا التظاهرات، شاركت سيدات وأطفال وشيوخ وعدد كبير من شيوخ الأزهر الذين هتفوا «مسلم مسيحي كلنا مصريون». 

وشارك في التجمّع أيضا عددٌ من الفنانين المصريين، من بينهم الفنان خالد النبوي الذي قاد إحدى المسيرات، مردداً هتافات منددة بالنظام. كما انضم إلى المتظاهرين المستشار زكريا عبد العزيز، وهو قاض في محكمة استئناف القاهرة، وقد قاد مسيرة محمولاً فيها على الأعناق وكان يردد هتاف «الشعب يريد إسقاط النظام». 

وجدد المتظاهرون مطالبتهم برحيل الرئيس المصري حسني مبارك ونظامه، كما رفضوا تعيين عمر سليمان نائبا له مؤكدين أنه جزء من النظام. 

وقامت اللجان الشعبية بمراجعة بطاقات الهوية للمتظاهرين قبل السماح لهم بالدخول إلى ميدان التحرير، فيما أغلق الجيش الطريق الرئيسي المؤدي إلى ميدان عبد المنعم رياض، في حين قام جنوده بتفتيش كل شخص يدخل الميدان تفتيشا دقيقا خوفا من وجود أي أسلحة. 

وباءت جهود الحكومة في إخماد التظاهرات بالفشل، حتى بعد إيقاف خدمات السكك الحديدية بشكل كامل وقطع خدمات الإنترنت لليوم الخامس على التوالي، حيث تمكن المتظاهرون من إسماع أصواتهم للجميع. 

وفي مدينة الإسكندرية أشارت تقارير إلى مشاركة نحو مليون متظاهر في تجمع في ميدان محطة سيدي جابر قرب وسط المدينة، فيما اكتظت شوارع بقية المدن المصرية، كطنطا والمحلة والسويس وحلوان، بمئات الآلاف الذين هتفوا لإسقاط مبارك. 

المعارضة 

وفيما ظل المتظاهرون، وكثيرون منهم ليس له أي انتماء سياسي أو حزبي معين، متمسكين بالبقاء في الشوارع، تحركت القوى المعارضة السياسية للمرة الأولى لتتخذ أول خطوة ملموسة نحو تطوير أجندة سياسية، فأصدرت قائمة مطالب وجهتها للسلطات القائمة، بحيث تكون قاعدة للتفاوض. 

وتمثل أول مطالب المعارضة في تنحي مبارك ونظامه، وتشكيل قيادة انتقالية، وتأسيس لجنة لوضع دستور جديد، وحل البرلمان الذي يهيمن عليه الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم. وأرسلت المعارضة قائمة المطالب لنائب الرئيس المصري اللواء عمر سليمان، الذي قال مساء أمس الأول إنه سيفتح باب الحوار مع كل الأطياف السياسية، فيما أعلنت جماعة «الإخوان المسلمين» أنها لن تعارض إجراء محادثات مع سليمان، لكنها شددت على أن تركيزها ما زال منصبا على تنحية مبارك وإلغاء قانون الطوارئ. 

من جهته، قال الدكتور محمد البرادعي إن «مصر جديدة» في سبيلها للظهور، معتبراً أنه يجب على مبارك أن يتنحى بحلول يوم الجمعة المقبل، لكنه دعا إلى «خروج آمن» للرئيس الذي أصبح الكثير من المتظاهرين يشيرون إليه بصيغة «الرئيس السابق». 

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أعلنت أن السفيرة مارغريت سكوبي تحدثت مع البرادعي، وذلك في أول اعتراف رسمي من جانب الإدارة الأميركية بإجراء اتصال مباشر مؤخرا مع المعارضة المصرية. وقال المتحدث باسم الوزارة فيليب كراولي إنه «في إطار تواصلنا العلني لدعم انتقال منظم للسلطة في مصر تحدثت السفيرة سكوبي اليوم (أمس) مع محمد البرادعي»، من دون أن يقدم مزيداً من التفاصيل حول مضمون المكالمة. 

وذكرت مصادر سياسية مصرية أن البرادعي تلقى اتصالات هاتفية من مسؤولين ودبلوماسيين من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لاستطلاع رأيه في مرحلة «ما بعد مبارك» في مصر. 

في هذا الوقت، أعلن البنتاغون أن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس أجرى اتصالا هاتفياً مع نظيره المصري المشير محمد حسين طنطاوي. وقال المتحدث باسم البنتاعون ديف لابان للصحافيين «انهما تحادثا... للبقاء على اطلاع على تطور الوضع»، من دون مزيد من التفاصيل عن المكالمة. 

إلى ذلك، قال رئيس الوزراء المصري أحمد شفيق إن حكومته شرعت في إعادة النظر في كل المواقف السياسية والدستورية والتشريعية بما يتناسب مع الظروف المصرية، مضيفاً ان كل شيء قابل للتعديل، وبلا حدود، وان السياسة الجديدة تعمل على تلبية مطالب الأغلبية العظمى من أبناء الشعب المصري. 

(«السفير»، أ ف ب، رويترز، أ ب، د ب أ)


Script executed in 0.18217301368713