أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

لا يمكـن أحـداً إلا أن يحـب زيـاد بـارود

الثلاثاء 22 شباط , 2011 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,473 زائر

لا يمكـن أحـداً إلا أن يحـب زيـاد بـارود


وهو، المحسوب على إفساح رئيس الجمهورية للمجتمع المدني لعب دور في القرار السياسي، لم يتفوق في أدائه على بقية وزراء الرئيس، في الحكومتين، الاخيرة والتي قبلها فحسب، بل تبين أنه الوزير الوحيد من هؤلاء الذي يدين للرئيس فعلاً وليس صورة. 

غير أن الرئيس ميشال سليمان لم يكن وراء شعبية بارود، بل إذا كان هناك ما يحسب للعهد فهو المحامي والناشط الشاب الذي أثبت أن اللبنانيين ليسوا واقعين تحت السحر التام لزعمائهم، وأن الصورة الفضلى للسياسي عندهم ليست بالضرورة صورة القبضاي ذي اللسان السليط، كما ليس الذي يعرف من أين تؤكل الأكتاف، وبالتأكيد ليس ممن يصرخ للصراخ وحده، بسبب وبلا سبب. 

برهن الشاب الرزين الذي بدا في أحيان عدة أستاذاً للرياضيات القانونية، أكثر منه وزيراً للداخلية، ان اللبنانيين يقبلون، بل يتبنون المختلف إذا كان على هذه الصورة: الآتي من بيت مجهول بالكامل، لم يفعل إلا ما يحاول كل بيت فعله، وهو تعليم أولاده، والحلم لهم بتلك الأحلام العادية، بالعمل المرموق الذي لا يصل إلى ما وصله بارود إلا عبر الحزب – الطائفة الدافعة. فإذا جاء الناشط وزيراً، كانت استقلاليته، إلا عن اقتناع رئيس البلاد به على المستوى الشخصي، هي التي تصنع فرادته التي جذبت اللبنانيين إليه. وبارود، كان واعياً تماماً لهذه الميزة الأهم فيه، فالتصق باستقلاليته، والتصقت به، حتى باتت مشروعه السياسي، كما أنها، في اللحظات الصعبة، عنصر قوته التي يمكنه اللجوء إليه لصد الهجوم من أي طرف أتى. 

بارود الذي لطالما أخذ عليه أنه، من اليوم الأول لتوليه الداخلية، لم يقدر على جزرها الأمنية ولا على تعدد الولاءات السياسية لمراكز القوى فيها، لم يدّع في هذا الملف، وفي غيره، أنه البطل الجبار الآتي ليقضي على الشذوذ المتفق عليه في قوانين اللبنانيين وفي أعرافهم، لإراحة الطوائف والحفاظ على توازنات رعبها. غير أنه لطالما أشار إلى السقف الذي فوقه، معترضاً عليه على الأقل، ومكملاً واجبه «التقني» حتى نهايته، بشرح الطرح الأخلاقي والقانوني الأفضل كحل. 

عمل بهمة طالب شديد الاجتهاد، يسعى إلى التفوق. ولم تكن تنقصه الموهبة، بخاصة في الطلة الإعلامية التي جعلت منه «السياسي الفرد» (اذا جازت التسمية) الأكثر شعبية، بدليل مجموعات الفايس بوك، واستطلاعات الرأي، كما بدليل التصفيق الذي يلحق به أينما حل، والعاديين من المواطنين الذين يصلون إليه، ولا يجدون حرجاً في «أخذه في كلمة على جنب»، كما بدليل الشبان والشابات الذين غالباً ما يحاصرونه من أجل التقاط الصور معه. هذه شعبية لم يتوسلها الوزير ولم يبتذلها، هو الذي كان لمجيئه إلى الداخلية، على الاقل، فضل محو تلك الصورة التي ألصقها بها «صاحبا الدولة» الوزيران ميشال والياس المر، بصفتها أولاً وزارة العائلة الخاصة التي لا أحد يعرف كيف يديرها ما لم يكن مُرّاً، وثانياً منبرها، لادعاء البطولات الوهمية للأب القبضاي، وكما للابن واستعراضاته التي ما زالت حتى اللحظة غامضة ومجهولة السبب. وهو، في تعلقه إلى هذه الدرجة بالمضمون المدني الحقوقي لوزير الداخلية المستقل، جعل صورة الضباط المنحازين علناً إلى طرف دون غيره، صورة أقل ما يقال عنها إنها نافرة لا بل نافرة جدا. 

السياسي المستقل بقرار وبتصميم، ليس النزيه الوحيد في الطبقة السياسية، وليس الوحيد ذا الكفاءة. زياد بارود ليس خيّراً في وجه أشرار، لكنه ليس في مقلب ضد آخر، وليس مجرد «تكنوقراط». زياد بارود لم يتعفف مرة عن أن يكون سياسياً. هو سياسي على طريقته، بأسلوب عصري، وبدراية تامة بالتوازنات، كما بعجائب وغرائب السياسة اللبنانية. تقاس قوة مغامرته بمدى ثباته على موقفه، ويقاس مدى انغماسه بالسياسة بمدى استعداده للتخلي عنها والعودة إلى التدريس ومكتب المحاماة والنشاط الحقوقي المدني. 

وزياد بارود لن يخرج بعد الآن من السياسة، بل إن المعركة التي تدور حول بقائه أو خروجه من الداخلية لم تكن لتقع على واحد غيره. زياد بارود، الشاب، المعتدل، ذو الطلة المشتهاة غرباً، والمقبولة محلياً، والعابرة للطوائف، في ظاهرة نادرة، هذا الشاب الماروني يحق له أن يذهب في حلمه إلى الأقصى، هو الذي لا شك يكنُّ إعجاباً كبيراً لا لتجربة الرئيس ميشال سليمان بل لتجربة اخرى بعيدة، لباراك أوباما الذي أصر دوماً على ما استطاع من التغيير ضمن النظام، وليس بالانقلاب التام عليه. 

العنوان أعلاه، لا يمكن أحداً إلا أن يحب زياد بارود، هو عنوان خاطئ. والدليل صعوبة بقائه في منصب أثبت فيه نجاحاً وكفاءة لم يثبتهما سلف له، هذا في أقل تقدير لما فعله. 

بقي وزيراً للداخلية أم لم يفعل، فإن بارود انضم، مذ صار وزيراً، الى لائحة المرشحين المحتملين للكرسي الأول. وهو أكثر جدية، وشباباً، وربما حظاً في ساعة تقاطعات مصالح، من كثر من الأعداء المتراصفين وجهاً لوجه على هذه اللائحة. 

ليس «التيار الوطني الحر» وحده من يحدّق في حالة زياد بارود، الآن... ومستقبلاً


Script executed in 0.1944420337677