أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

السعوديّة تؤنّب الحريري

الثلاثاء 22 شباط , 2011 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,747 زائر

السعوديّة تؤنّب الحريري

 

 

تدور تشكيلة الحكومة كل أسبوع دورة كاملة قبل أن تعود إلى نقطة الصفر. ويتحدث البعض عن موقف سوري يفضّل إرجاء تأليف الحكومة بانتظار مفاوضات ما مع الولايات المتحدة، بينما يشير آخرون إلى مفاوضات داخلية يجريها رئيس الحكومة وتتعثر كل مرة عند أبواب الرابية


يتغير العالم العربي من حولنا يوماً إثر يوم، إلا أنه لا شيء يكاد يتغير في لبنان؛ فالقوى هي القوى، ولا أحد يراجع ما يفعله، ولا يعيد حساباته في ما سبق أن فعل. كأن الزمن لا يمر من هنا، بل كل الحديث يدور في سياق التنافر القديم ما بين القوى المقسومة عمودياً في لبنان.

الانقسام العمودي هذا، هو ما حاول رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري تكريسه إلى أبعد ما أمكنه في خطابه الشهير في الرابع عشر من شباط، حين قرر العودة إلى الجذور، وبعدها قيل في الإعلام إنه استقل طائرته الخاصة في زيارة خاصة أو إجازة سريعة إلى فرنسا، وقبلها تسرّبت أنباء عن اتصالات من بعض الشخصيات السعودية الرفيعة التي هنّأته على ما جاء في خطابه، وعلى ما ينوي أن يفعله في المقبل القريب من الأيام، من النزول إلى الشارع وإقامة حملة تصاعدية تستخدم الوسائل المتاحة بين يديه لإسقاط الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، والعودة إلى السلطة بعد صدور القرار الاتهامي.

لكن ما يتوافر من معلومات يشير إلى أن الطائرة التي أقلت سعد الحريري لم تتوجه إلى فرنسا، بل إلى المغرب. هناك التقاه بعض الموفدين من المملكة العربية السعودية، وهم نقلوا إليه استياءً شديداً من الكلمة التي ألقاها في الذكرى السنوية لاغتيال والده، حيث فتح الأبواب مجدداً أمام التصعيد المذهبي السنّي الشيعي، فيما بات هذا التصعيد اليوم يهدد المملكة نفسها، سواء من بوابة البحرين أو العراق أو من بوابة المنطقة الشرقية في المملكة السعودية نفسها.

والعتب الذي سمعه الحريري الشاب، بحسب بعض من نقل من السياسيين السعوديين إلى مسؤولين لبنانيين، (أو قل التقريع) الذي وجه إليه، يشمل خصوصاً جزمه بأن المفاوضات السورية السعودية انتهت إلى غير رجعة، ونعيه لأي توافق ممكن، وأخذه مبادرة التحدث باسم المملكة، كأنه ناطق رسمي باسمها، وموكل إليه إعلان العداء ما بين المملكة وسوريا، الأمر الذي لم يرق الجهات الرسمية في السعودية، التي أرسلت بطلب الحريري وأفهمته حقيقة موقفها من كلامه.

إلا أن ذلك لن يغير شيئاً في المعطى المحلي، وخاصة أن الحريري يسمع من فريق واحد أحد، ألا وهو الولايات المتحدة وممثّلوها في السعودية. ويبدو أن جيفري فيلتمان يسرع أكثر فأكثر في إنضاج مشروعه، الذي يطال عبر المحكمة الدولية وقرارها الاتهامي، المقاومة في لبنان، وسوريا وإيران بحسب تقرير صحافي سرب أخيراً معلومات عن القرار الاتهامي.

وفي المعطى المحلي، فإن رهان الحريري يكمن اليوم في الصمود في موقعه، والإعداد للنزول إلى الشارع في الرابع عشر من آذار المقبل، وإسقاط سلطة البرلمان التي أدت إلى عزله عن كرسي الرئاسة الثالثة، والمجيء بنجيب ميقاتي في تغيير يبدو أنه سيكون بداية نهاية الحريرية في البلاد، على الأقل بحسب ما يوحي ردّ فعل العائلة الحاكمة المتشنّج، وتصريحات النواب المحيطين به والقوى الأخرى الثانوية في تحالف 14 آذار.

ومن أسباب رفض تيار المستقبل المشاركة في الحكومة، إضافة إلى الـ«لشو» التي نطق بها سعد الحريري بُعيد لقائه رئيس الحكومة المكلف في البرلمان، فإن الشعور بأن التيار وقيادته الحريرية سيحصلان على حصة فقط، وسيكونان ملزمين بالجلوس في الصف وتطبيق القوانين، هو أمر غير مقبول، ويمثّل انهياراً فعلياً للزعامة التي مثّلها والده واستثمرها فؤاد السنيورة، وشتّتها هو في أقل من عام.

وعلى الرغم من أن باب التفاوض كان يسمح بأن يحصل الحريري وحلفاؤه على حصة من عشرة وزراء إن هم وافقوا على العودة إلى اتفاق الطائف، وعلى المشاركة في السلطة بحسب القوانين، إلا أنهم فضّلوا البقاء خارج السلطة إن لم يحصلوا على الثلث المعطّل (نفسه الذي خاضت المعارضة السابقة معركة طاحنة للحصول عليه بعد الانتخابات النيابية الأخيرة).

ويدفع تيار المستقبل، بنغمة واحدة يرددها نوابه ومحازبوه، باتجاه شرط معرفة ما سيفعله الرئيس المكلف بشأن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، كأن رئيس الحكومة سيقرر منفرداً موقف لبنان، ويضعون هذا الشرط، ويختبئون خلفه بانتظار «جواب واضح»، رافضين المشاركة في صياغة القرار داخل الحكومة، بل الاكتفاء بإطلاق البيانات والمواقف عبر المنابر، بينما يقف الفريق الآخر، المؤيّد لسوريا والمقاومة، موقفاً معاكساً تماماً؛ فهو يريد أخذ الحكومة بكامل وزرائها تقريباً لضمان تصفية الآثار الداخلية للقرار الاتهامي الذي سيصدر قريباً عن قاضي التحقيق.

وتقرر قوى الثامن من آذار والتيار الوطني استخدام كل براعتها للوصول في المفاوضات مع رئيس الحكومة المكلف إلى مرحلة يستسلم فيها ويسلمها 21 وزيراً من أصل 30، ويحتفظ لنفسه بتسعة وزراء يتقاسمهم مع رئيس الجمهورية، علماً بأن رئيس تكتل الإصلاح والتغيير يفضل ألا يكون لرئيس الجمهورية أي وزير.

وكان النائب ميشال عون قد أبلغ الرئيس السوري بشار الأسد رغبته في الحصول على الوزراء المسيحيين في الحكومة، على أن يحصل نبيه بري وحزب الله على الوزراء الشيعة، ويحصل رئيس الحكومة على الوزراء السُّنة، إلا أن الأسد (بحسب ما توافر من معلومات) رفض الدخول في تفاصيل تأليف الحكومة، من دون أن يتخلى عن دعمه الأكيد لعون، بوصفه أحد أبرز حلفاء سوريا في لبنان حالياً.

إلا أن من يعرف عون جيداً يقول إن الرجل، بصفته ضابط مدفعية، لا بد من أن يقصف ويقصف أولاً، وهو يفاوض كأنه يخوض حرباً، فيبدأ بالقصف التمهيدي ويليه بقصف مركّز، ويترك لفرق المشاة التقدم بعد ذلك، وقد تكون فرق المشاة هنا هي حزب الله، الذي يقف حالياً جانباً، ويبدي لميقاتي التسهيلات الممكنة، من دون أن يحرّك ساكناً باتجاه عون، سواء أكان لتسهيل المفاوضات أم لدعم الحليف المسيحي الأبرز للحزب، الذي يمهد الطريق أمام تقدم مشاة حزب الله واجتياحهم للمقاعد الوزارية.

أما من ناحية حزب الله، فلا تسمع إلا الكلام اللطيف، وهو ما يؤكده ميقاتي، الذي لا يبدي الكثير من الانزعاج من المفاوضات الطويلة مع عون، بل يعتقد بأن تأليف الحكومة لم يستغرق أكثر مما يجب، وهو حين تسأله عن الوقت الذي استُهلك في المفاوضات يعود دائماً إلى الفترة التي استغرقها تأليف الحكومة السابقة، وكانت الأمور أسهل، وخاصة أن الجميع كانوا متفقين على تأليف حكومة وحدة وطنية، وأخذ الخلاف على الأسماء والحصص المسافة الزمنية الأكبر، بينما اليوم هناك طرف يريد أخذ أكثرية المقاعد، وطرف آخر يرفض علناً المشاركة، بينما استغرق إعلانه موقفاً رسمياً أسابيعَ عدة، علماً بأن ميقاتي لا يوضح ما إذا كانت المفاوضات فعلاً قد انتهت مع فريق 14 آذار، أو ما زال هناك مجال للمزيد من الكلام.

إذاً، ليست المسألة في وزارة الداخلية فقط، بل في عملية كاملة من المفاوضات بشأن شكل الحكومة وحجم الوزارات لكل طرف في الأكثرية النيابية الجديدة، وحصة رئيس البلاد، ميشال سليمان، الذي لا يرى عون أي ضرورة لحصوله على حصة أساساً، وإن كان من حصة، فلتكن بوزير من غير حقيبة، إلى آخر ما هناك من معلومات متداولة.

وبينما يرفض بعض الأشخاص تولّي وزارات من حصة الرئيس ميقاتي، الذي يختار بعض الوزراء من الاختصاصيين، ويحاول جذبهم لخدمة بلدهم عبر حقائب وزارية تناسب اختصاصاتهم، ويرفضون هم بأدب، مبدين اعتقادهم بأن مراكزهم الحالية أضمن وأكثر فاعلية في الخدمة العامة من مواقع قد تسيّس وتتحول إلى مراكز تجاذب، وتُعطَّل أدوارهم الإدارية والتنموية في صراعات بلاد الأرز التي لا تنتهي، فإن فريقاً آخر يقاتل للحصول على مقعد وزاري محدد، مهدداً مصير كل ما أنجزه هو وحلفاؤه منذ زيارة الحريري للولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأميركي باراك أوباما، وردّ الفعل التي أتى باستقالة ثلث الوزراء وإقالة الحكومة من داخلها للمرة الأولى في التاريخ اللبناني. وقد لا يرى الذين يعاندون أن سلوكهم هذا قد يطيح سلسلة من الإنجازات التي تحقّقت، والتي قد تتحقق، على الأقل سياسياً، وفي داخل حدود البلاد.

وبعيداً عن الدفاع عن رئيس البلاد، فإن مجرد القول إن رئيس الدولة لا يمثل أي شيء هو كلام في غير موقعه بالنسبة إلى ميقاتي، الذي أتى ليحكم بحسب الدستور واتفاق الطائف، وهو لا يوافق على اختزال دور الرئاسة الأولى؛ لأنه يعني اختزالاً للرئاسات كلها، فمن يرضَ بتهميش موقع الرئاسة الأولى اليوم، فضلاً عن أنه سيخالف الدستور، فهو سيفتح الباب أمام من يريد تهميش موقع الرئاستين الثانية والثالثة لاحقاً.

ولا يعني هذا إعطاء رئيس البلاد أكثر مما ينص عليه الدستور، ولا ترك الأمور ليديرها كما فعل سعد الحريري خلال ترؤسه الحكومة، بل اعتماد التقاسم الذي أتت به القوانين لإدارة الدولة والسلطات في البلاد، ولو لمرة واحدة.

لكن من ناحيته، فإن ميقاتي القليل الكلام عادة، لا يعتقد أن الأمور سيئة، بل هي مسيرة من المفاوضات، التي ستنتهي إلى تأليف حكومته الثانية، التي بحسب ما يؤكد، لن يجني منها أي شيء، فقد سبق له أن ألّف حكومة ولم يجن منها أي شيء، بل حينها امتنع عن الترشح للانتخابات النيابية التي أجراها، وحينها أنهى مهمته الحكومية وخرج من السلطة.

ثم إن من يراهن اليوم على أن الرجل سيتعب، ويرسل له من واشنطن مراسيل تفيده بأن الإدارة الأميركية غير راضية عن عدم ضم فريق 14 آذار إلى الحكومة، ومن يعتقد أن وصفه بأنه متردد وأنه لن يجرؤ على متابعة عمله، وصولاً إلى تأليف حكومة، ووضع جدول أعمال جلستها الأولى بالمواد التي ستكون، فهو مخطئ، وخاصة إذا كان هؤلاء يعتقدون أن الضغط سيؤدي بميقاتي إلى الاعتذار، وهم قد حاولوا، وسيحاولون، لكن عبثاً.

 

 

Script executed in 0.18916082382202