من جديد، تأكّد أمس، أنّ المسائل الحيوية التي تمسّ حياة اللبنانيّين مباشرةً لا يُمكن أن تُعالج إلّا بالقوّة في ظلّ تعنّت سياسي تحوّل جليدياً، يعوق تحقيق المصلحة العامة. تأكّد ذلك ممّا آلت إليه «أزمة البنزين» التي شهدتها البلاد خلال اليومين الماضيين. ففيما كان اللبنانيّون يصطفّون في طوابير، خائبة في معظم الأحيان، عند المحطّات في المناطق، وخلت الشوارع من السيارات والزحمة الاعتياديّة، وامتنعت بعض المحطّات عن البيع رغم توافر المادّة، ولجأت أخرى إلى البيع في سوق سوداء...
وجّه رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري كتاباً إلى وزير الطاقة والمياه جبران باسيل أبلغه فيه بأنه «أعطى الموافقة الاستثنائية على خفض رسم الاستهلاك الداخلي على صفيحة البنزين بمبلغ خمسة آلاف ليرة» وطالب بإبلاغ الوزارات والأجهزة المعنية باتخاذ الإجراءات والتدابير كلها لوضع هذه الموافقة الاستثنائية موضع التنفيذ، على أن يعرض الموضوع برمّته على مجلس الوزراء لاحقاً.
الإعلان بدا جميلاً، لكن ألم يكن من الأجدى الانتهاء من هذه المسألة من دون التنكيل باللبنانيّين على خلفيّة التعنّت السياسي؟ فمثلما بات معروفاً، القرار الذي جرت الموافقة عليه أمس، جاء بعد 4 أسابيع من المماطلة بهدف كسر قرار الوزير باسيل وتأليب المستهلكين عليه.
فالمعروف أن المجلس الأعلى للجمارك التابع لوزارة المال رفض تنفيذ قرار باسيل خفض رسم البنزين بقيمة 3300 ليرة. وذهبت الوزيرة ريا الحسن إلى حدّ المزايدة «الإعلامية» على قراره، وطلبت خفض السعر 5 آلاف ليرة، لكن بطريقة غير قانونية ومغايرة للآلية التي اتبعها باسيل وأكّد ديوان المحاسبة وهيئة التشريع والاستشارات شرعيتها خلافاً لما تراه الحسن..
هذه المزايدة، دفعت الوزير باسيل إلى التمسّك بقرار الخفض، فعمد إلى إصدار جدول تركيب الأسعار الأسبوعي من دون تعديل سعر البنزين، وذلك بهدف الضغط من أجل خفض الرسم، ووصل الأمر إلى حدّ الامتناع عن إصدار تسعيرة البنزين في هذا الأسبوع لزيادة الضغط، ما أدّى الى أزمة فقدان البنزين، بفعل رفض الشركات تسليم المادّة الى المحطات بذريعة أنّ عدم التسعير، وبالتالي زيادة السعر، سيكبّد هذه الشركات خسائر.
يبدو أن خطّة باسيل نجحت، فالمسؤولون لن يحرّكوا ساكناً ما دام المستهلك يدفع السعر الأعلى، لكنهم تحرّكوا سريعاً تحت ضغط الشركات التي تخشى خفض السعر لاحقاً قبل أن تصرّف مخزونها، وكان هذا سبباً رئيساً لوضع هذه النهاية «السعيدة».
وقال باسيل لـ«الأخبار» إن الجولة الأولى انتهت بانتزاع قرار خفض الرسم، إلّا أن الإجراءات القانونية ستُترجم اليوم. مشيراً إلى أنه سيكرر طلبه لخفض الرسم بقيمة 5 آلاف ليرة بدلاً من 3300 ليرة كان قد طلبها سابقاً وبعد ذلك سيصدر جدول تركيب الاسعار متضمناً مفاعيل هذا الخفض لتعود الأمور في السوق إلى طبيعتها. وكان باسيل قد تعرّض لضغوط كبيرة أمس لدفعه إلى إصدار جدول تركيب أسعار المحروقات متضمّناً الزيادة الطارئة على البنزين بفعل الاسعار العالمية، وترك الأمور للحكومة المقبلة بهدف حسمها، غير أنّه أبلغ المعنيّين بأنّه لن يرضخ لهذه الضغوط.
هذا الموقف الثابت، بل حتّى التصعيدي، دفع رئيس الجمهوريّة، ميشال سليمان، إلى إجراء اتصالات واسعة مع سعد الحريري والرئيس المكلّف تشكيل حكومة، نجيب ميقاتي، أدّت إلى موافقة الحريري على باسيل.
وتبلغ الرسوم المفروضة على صفيحة البنزين 9500 ليرة، تُضاف إليه ضريبة القيمة المضافة بنسبة 10%، ليمثّل المكوّن الضريبي نحو 40% من السعر الإجمالي للصفيحة.
وكان باسيل قد وقّع جدول تركيب الأسعار الأربعاء الماضي، غير أنّه أبقى على سعر صفيحة البنزين ثابتاً عند 37 ألف ليرة لنوع «98 أوكتان» و36300 ليرة لنوع «95 أوكتان». ومع القرار الجديد، سيتراجع السعر إلى 32 ألف ليرة للنوع الأوّل، و31300 ليرة للنوع الثاني، يُضاف الارتفاع الناتج من ارتفاع الأسعار عالمياً، وهو 300 ليرة.
وبعد القرار مباشرة أمس، استأنفت معظم محطّات البنزين نشاطها في خطوة تهدف بالدرجة الأولى إلى التخلّص من المخزون المسعّر على أساس التعرفة القديمة (قيمة الرسوم 9500 ليرة)، بحسب مطّلعين على نشاط قطاع المحروقات في لبنان، فيما يترقّب اللبنانيّون الخفض الذي سينتج من الإجراءات العمليّة التي تتخذها وزارة الطاقة اليوم، بالتزامن مع طلب ريا الحسن من المجلس الأعلى للجمارك «إصدار قرار بخفض رسم الاستهلاك خمسة آلاف ليرة» بحسب البيان الذي أصدرته أمس.
وتعكس التحوّلات التي حدثت أمس في ملف البنزين، انتصاراً للتوجّه الذي اعتمده جبران باسيل، وهو الضغط حتّى النفَس الأخير لإمرار قرار لمصلحة اللبنانيّين وخصوصاً ذوي الدخل المحدود، مع العلم أنّ الوزير كان قد أعرب في السابق عن أنّه «مستعد للتنازل عن كل الشكليات» في معالجة الملفّ الطارئ، بمعنى أنّه لا يعترض أبداً على وضع تكون فيه وزارة المال هي التي تُنفّذ الخفض، غير أن المهمّ هو خفض تأثير الارتفاعات الحادّة لأسعار النفط عالمياً على الداخل، فسعر برميل النفط في سوق لندن (مزيج "Brent") وصل أوّل من أمس، إلى 120 دولاراً، على وقع الأحداث السياسيّة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتحديداً في ليبيا، في ظلّ توقّع الخبراء أن يصل السعر إلى 160 دولاراً إذا امتدّت الاضطرابات إلى بلدان أخرى في تلك المنطقة.
ومع إقرار الخفض على قيمة الرسوم، تبقى المخاوف من انعكاس ارتفاع الأسعار عالمياً خلال الأسابيع المقبلة، فسعر البنزين يُقاس على أساس سعر النفط العالمي بهامش 4 أسابيع إلى الوراء. وهذا الأمر يعني أنّ هناك زيادة دولارين (3 آلاف ليرة) ستطرأ على سعر الصفيحة على مدى الأسابيع الأربعة المقبلة، أي أنّ السعر سيرتفع مجدداً فوق 35 ألف ليرة. وإذا استمرّت الأسعار العالميّة بالارتفاع، فإنّ خطر تخطّي السعر عتبة 40 ألف ليرة يُصبح واقعياً، إذا لم يثبّت السعر عند حدّ معيّن، يحتوي الحركة التصاعديّة في الأسواق العالميّة.
وهكذا بعد الانتهاء من أزمة تسليم المادّة الحيويّة، ستعود أزمة السعر، ما يوجب إجراءات جديدة، يؤمل ألّا تواجَه بالخطاب السياسي المتعنّت نفسه... أم تكون الحكومة الجديدة قد شُكّلت حينها؟!
693 مليون دولار
قيمة الرسوم التي جبتها الحكومة من المحروقات في عام 2010، مسجّلة ارتفاعاً بنسبة 4.1% مقارنة بالعام السابق. ومعظم هذه الرسوم هي من البنزين الذي (كانت) تمثّل الضرائب والرسوم نحو 40% من سعره
الشكوى على الجمارك

اعتمد وزير الطاقة والمياه جبران باسيل (الصورة) في القرار الذي طلب بموجبه خفض الرسوم على البنزين في ظلّ حكومة تصريف الأعمال، على المرسوم 12480/2004، وقال في بيان صدر عن مكتبه أمس، إنّه «بصدد القيام بمراجعة قضائية، والتقدّم بشكوى على المجلس الأعلى للجمارك بسبب تقاعسه عن تنفيذ هذا القرار وتسبّبه في الأزمة التي نعيشها من انقطاع مادة البنزين». وكان ديوان المحاسبة قد حسم الجدل الدائر بتأكيد صلاحيّات وزير الطاقة في تعديل الرسم المفروض على البنزين الذي أصدره رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة في عام 2009.