لم يأتِ اجتماع نواب 14 آذار في البريستول أمس بأيّ جديد. فإعلان عدم المشاركة في الحكومة العتيدة كان قد سُرّب قبل أيام وأكدته مجموعة من النواب، كما أن إعادة فتح ملف السلاح سبق للأكثريين السابقين أن شددوا عليها في ذكرى 14 شباط الأخيرة. وقد فرض ذلك السؤال عن سبب هذا الضجيج الإعلامي لقوى 14 آذار من اجتماع البريستول.
الواضح أن الفريق الذي انتقل إلى صفوف المعارضة يسعى إلى التأكيد لجمهوره أنه يحافظ على قوته ويقوم بالاستعدادات اللازمة لاستعادة الدور المفقود منذ أواخر أيار 2008، وهي استعدادات قائمة منذ أسابيع بهدف إعادة رص هذا الجمهور لتوجيه رسالة واضحة إلى الخصوم المحليين بأن قوى 14 آذار لا تزال تحتفظ بنصف اللبنانيين، وأن خروجها من السلطة يعني أن نصف الشعب اللبناني غير ممثل في الحكم. وبالتالي، فإن المعركة هي لـ«إثبات النفس».
وبعد خسارة الحليف الأقوى، وليد جنبلاط، اهتم هذا الفريق بالتركيز على النائب مروان حمادة وتفعيل دوره على الساحة الشوفية ـــــ بما تعنيه طائفياً ـــــ للتأكيد أنّ خروج الرأس الجنبلاطي من 14 آذار حرّك أبناء طائفته بطريقة عكسية.
ثم هناك سعي واضح إلى إضفاء الطابع السنيّ على الشكل المعارض الجديد لقوى 14 آذار، إذ ليس بريئاً أن يقرأ النائب فؤاد السنيورة البيان الختامي لاجتماع أمس، كما أن من حضر إلى البريستول يلاحظ أنّ صورة جلوس الحاضرين عند دخولهم تبدّلت لدى إذاعة البيان. عند الساعة السادسة، كان يرأس كل من سعد الحريري وفؤاد السنيورة وسمير جعجع وأمين الجميّل الطاولة المربّعة، ليعودوا ويجتمعوا كلهم حول رئيس كتلة المستقبل النيابية. وفي هذا الإطار، قدم مراقبون تفسيراً بأن المطلوب إظهار تيار المستقبل بما يمثله طائفياً في وجه الحكومة العتيدة.
وفق هذا المنطق، يعمل هذا الفريق وسيعمل في المرحلة المقبلة، التي سيحدّد معالمها وتفاصيلها السياسية يوم الأحد المقبل في اجتماع موسّع يضم نوابه ووزراءه وفاعلياته الاجتماعية والأهلية.
وأهم ما يمكن الإشارة إليه هو أنّ 14 آذار قد يكون تسرّع في إعلان عدم مشاركته في الحكومة، إذ كان مناسباً أكثر لتياراته وناسه أن يُعلَن انتهاء المفاوضات يوم 14 آذار المقبل. عند طرح هذه الملاحظة على أحد قادة ثورة الأرز، قال: أعرب الأميركيون خلال اللقاءات الأخيرة عن أنهم سيوفّرون كامل الدعم لحركتنا. وهم اليوم أبعد وأكثر تقدماً عن موقع الـ 1559.
يترك هذا الجواب انطباعاً وحيداً: كيف يمكن شخصيات 14 آذار الاستمرار في التعويل على السياسة الخارجية الأميركية، ومنحها كامل الثقة بعد كل «الفصول» التي ارتكبت بحقها وأدت إلى النتائج الكارثية التي وصلت إليها ثورة الأرز؟ لا جواب.
اللافت أن نائب الجماعة الإسلامية، عماد الحوت، لم يحضر اللقاء، مشيراً الى أنه «ليس عضواً في 14 آذار»، ومؤكداً أن موقف الجماعة موحّد مع هذا الفريق باعتبار أنه «في إطار الشروط، المشاركة في الحكومة ليست مجدية».
ومن أبرز الوجوه الغائبة عن لقاء البريستول، النائب ميشال المر وحفيدته النائبة نايلة تويني. الأول بات يسعى إلى مصالحة الرئيس ميشال سليمان، والثانية عبّرت عن نقمتها على هذا الفريق. ربما لم يلحظ أحد هذا الغياب، إذ جرى التعويض عنهما بحضور مجموعة من الشخصيات غير النيابية، وأولها منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار، فارس سعيد.
في مواقف ونقاشات الأكثريّين السابقين، تأكيد أنّ النتائج كارثية وأن الواقع غير مقبول. فرئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية، الذي بدا أمس أكثر الحاضرين ارتياحاً واطمئناناً، عبّر لدى دخوله عن «الواقع بكامله ما فينا نكفّي فيه»، مشيراً إلى أن على 14 آذار «استكمال ثورة 2005. كان الاعتقاد أنه يمكن استكمالها من خلال الوجود في السلطة. أصبحنا مقيّدين بقواعد التصرف في السلطة ولم يكن بإمكاننا استعمال كل طاقاتنا»، ليعود ويؤكد أن الخروج من السلطة يعني طرح المواضيع كما هي «بلا مسايرة»، مشدداً على القرار بعدم المشاركة في الحكومة.
أكمل جعجع ما قاله للصحافيين داخل الاجتماع، فأشار في مداخلته إلى أنّ «معارضة ميقاتي تفصيل صغير، إذ يجب استكمال انتفاضة الاستقلال التي بدأت ضد الوجود العسكري السوري. بقي الوجود العسكري والأمني لحزب الله الذي يسمح بعودة النفوذ السوري وهو أداء ممارسة هذا النفوذ». وأعلن جعجع أنه يخالف المنطق القائل إن السلاح ضمانة «لكون هذا السلاح يعرّض لبنان للمخاطر ويكشفه أمام الجميع»، مضيفاً إنّ «الدولة هي المقاومة وهي قادرة على الدفاع عن لبنان». وحدد جعجع مرحلة جديدة: «يجب أن نعي أننا نبدأ مرحلة جديدة. ربحنا الانتخابات ولم نحقق شيئاً. يجب أن نكمل الإعلان عن الأمور والقول إنه لا استقامة للحياة السياسية بوجود السلاح». ووضع جعجع برنامج عمل جديداً للحكم، مشيراً إلى ضرورة تأليف «حكومة جديدة يكون أول بنودها لملمة السلاح».
أما الحريري، فعاد الى أخطاء 14 آذار، مشيراً إلى أنه منذ «2005 تصرّفنا بحسن نيّة، مددنا اليد مؤمنين بأنّ بناء الدولة سيكون عبر منطق الشراكة». وقال: «ردود الفريق الآخر دفعتنا إلى الرضوخ في طرح موضوع السلاح»، مشدداً على أن المرحلة الجديدة ستكون مرحلة طرح القضايا «كما نراها دون خوف ومراعاة، سنعيد طرح ملف السلاح والمحكمة الدولية وبناء المؤسسات».
من جهته، رأى الرئيس الجميّل أنه «جرى تنفيذ الانقلاب خطوة تلو الأخرى»، مشيراً إلى أنّ «نضالنا صعب، وما ينتظرنا صعب، يجب إعادة تعبئة الشارع كما حصل سابقاً وكسب الرأي العام اللبناني»، مضيفاً إن الأهمّ هو «الاستفادة من الدبلوماسية»!
وجرت مناقشة تفاصيل البيان الذي أذاعه النائب السنيورة، حيث سجّلت مجموعة من الملاحظات، أبرزها للنائب حمادة الذي دعا إلى توحيد مصطلح «تسمية فريق 8 آذار» والتركيز على عبارة «الانقلاب»، معيداً التذكير بشعار: «من أجل الدفاع عن الجمهورية والدستور»، وهو شعار لم يذكره كثيرون ممن حضروا الاجتماع.
أما البيان الختامي، فقد أشار الى أنه «في ضوء عدم وضوح موقف رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي، ترفض قوى 14 آذار المشاركة في الحكومة لأنها ترفض تشريع الانقلاب الحاصل وترفض التحول الى شاهد غير قادر على منع الخلافات». ولفت البيان إلى أنه «في ظلّ عجز ميقاتي عن إعطاء أجوبة عن أسئلتها، قرر المجتمعون رفض المشاركة في الحكومة وإطلاق معارضة سلمية وديموقراطية لحماية الدستور»، مع إشارة الأكثريين السابقين إلى أن قوى 8 آذار تسعى إلى «إدخال البلاد في مرحلة جديدة قوامها المضي أكثر في تعميم حالة الانقلاب وتثبيتها». واستنكر المجتمعون ممارسات خصومهم، وأكدوا أنّ «ما جرى في التكليف وما يجري في التأليف يعدّان انقلاباً على النظام الديموقراطي يتمّ بقوة السلاح»، مشيرين الى أنهم لا يمكن أن يسكتوا عما يجري وسيواجهونه بكل الأطر الدستورية، وأنهم يحمّلون كل الأفرقاء المعنيين مسؤولية هذا الانقلاب.