في رأس الاتصالات الدائرة بعيداً عن الأضواء بين قادة الغالبية النيابية الجديدة، ضرورة استعجال تأليف حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وإزالة العراقيل من طريقه. تبعاً لذلك، وضع قادة الغالبية عنوانين رئيسيين للأيام المقبلة بغية تحريك جهود التأليف وإنهائها:
أولهما، معالجة المطالب التي يصرّ عليها الرئيس ميشال عون، وهي إعطاؤه وحلفاءه في تكتل التغيير والإصلاح 12 مقعداً من 15 مقعداً للمسيحيين في حكومة ثلاثينية، وأن يُعهد إلى تكتله بوزارة الداخلية.
ثانيهما، المحافظة على الرئيس المكلف وعدم التفريط به كمحور رئيسي في المعادلة السياسية المنبثقة من الغالبية النيابية الجديدة، ومساعدته في تأليف حكومة تريحه وتمثّل فريق حكم منسجماً.
وفق هذين العنوانين، تلاحقت الاتصالات والمشاورات في اليومين المنصرمين بدعوى أن إعلان قوى 14 آذار مقاطعة الحكومة الجديدة، يدفع في اتجاه استعجال التأليف:
- استقبل الرئيس المكلف مساء الثلاثاء وفد الغالبية الجديدة المفاوض الذي ضم الوزير جبران باسيل والمعاون السياسي لرئيس المجلس النائب علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين الخليل، وناقش معه موضوع التأليف في ظلّ المعطيات الجديدة، من غير بلورة أفكار واضحة.
وينطلق الوفد المفاوض من مبدأ يتمسّك به عون، هو أنه لن يقدّم أسماء الوزراء الذين يرشحهم تكتله لدخول الحكومة الجديدة قبل أن يحدّد الرئيس المكلف موقفه من مطلبيه: الحصول على 12 وزيراً من 15 في حكومة ثلاثينية، ووضع حقيبة الداخلية في عهدة وزير من تكتل التغيير والإصلاح. ولا يحجب هذا الشرط واقع كون عون حسم، على ما يبدو، أسماء وزراء التيّار الوطني الحرّ، وهم أنفسهم في حكومة الرئيس سعد الحريري، وأعاد ترشيحهم لحكومة ميقاتي: باسيل، شربل نحاس، فادي عبود. أضف من سيسمّيهم من الحصة الجديدة.
ـ أمس زار رئيس تيّار المردة النائب سليمان فرنجية عون في الرابية، في محاولة أولى جدّية لإيجاد مخارج للعقبات التي تؤخر تأليف الحكومة، تعكس الجهد الذي يبذله أقطاب الغالبية. وغلب على مداولاتهما التركيز على أن لا تمسي الشروط عقبة في طريق التأليف، بما يفتح باب تقديم اقتراحات بديلة تستند إلى معادلة تلائم إراحة الرئيس المكلف وعدم إحراجه، وفي الوقت نفسه عدم كسر عون.
يُعوّل ذلك أيضاً على تفهّم دوافع تقديم الجنرال شروط تمثله في الحكومة الجديدة. بعض الأفكار العابرة ـــــ ولم تتعدّ كونها اقتراحات ـــــ التساؤل عن فرص تبادل تنازلات كتخلي الرئيس نبيه برّي عن حقيبة الخارجية في مقابل الحصول على حقيبة أخرى، أو تخلي فرنجية عن حقيبة الدفاع في مقابل الحصول على سواها.
ـ اجتماع عقده أمس فريق الغالبية المفاوض ناقش سبل مساعدة الرئيس المكلف في تأليف الحكومة، بمعزل عمّا تردّد عن أن تأخير التأليف يرتبط بعدم الإفساح أمام قوى 14 آذار لاستخدام تأليف الحكومة الجديدة كإحدى أدوات التصعيد في الخطب المقرّرة في إحياء ذكرى 14 آذار. وسواء اكتفى هذا الفريق بالحملة على سلاح حزب الله، أو برفع نبرة تأييد المحكمة الدولية، فإن عنواناً ثالثاً للمواجهة المعلنة هو إبصار حكومة ميقاتي النور ـــــ بحسب الغالبية الجديدة ـــــ لن يضيف الكثير إلى ما سيقال. أضف مسألة مهمة في حساب الغالبية، المستعجلة تأليف الحكومة، هي أن قرار التأليف قد صدر فعلاً، وأن مساعدة الرئيس المكلف في إنجاز مهمته باتت واضحة سواء أعلن القرار الاتهامي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري أو تأخر.
يعني ذلك، في تقدير الغالبية الجديدة، أن التأليف قد لا يكون مستبعداً قبل 14 آذار.
ميقاتي
إلا أن مساعي الغالبية الجديدة لا تحجب التريث الذي يظهره الرئيس المكلف أمامه زوّاره، بتأكيده استمرار المساعي مع عون. ويقول إنه لا يزال ينتظر منه أسماء الوزراء الذين يقترحهم عليه لدخول الحكومة كي يصار لاحقاً، مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان، إلى غربلتها وإتمام التشكيلة في ضوء مجمل عناصر تمثّل الأفرقاء السياسيين فيها.
ورغم إشارة الرئيس المكلف إلى أن العقبة الرئيسية التي تعترض التأليف لا تزال هي نفسها، أي تعذّر تفاهمه مع رئيس تكتل التغيير والإصلاح، وإلقاؤه الضوء على الخلاف بين عون وسليمان، يضع قواعد ممارسته صلاحياته الدستورية لتأليف الحكومة الجديدة كالآتي:
1 ـ عملاً بأحكام الدستور، فإن الرئيس المكلف بالتعاون مع رئيس الجمهورية هما مَن يؤلفان الحكومة ويصدران مرسومها.
يقول ميقاتي: أنا مَن يقترح على رئيس الجمهورية مسودة الحكومة، وندرسها معاً كي تخرج في نهاية المطاف جامعة ووفاقية، وملاءمة لمواجهة تحدّيات المرحلة المقبلة.
2 ـ لا حقيبة وزارية مطوّبة لفريق أو لوزير، ولا أسماء مقترحة ثابتة غير قابلة للمناقشة.
يضيف: اتفقت مع رئيس الجمهورية على تأليف الحكومة وفق الأصول التي يمنحها الدستور للرئيس المكلف، وهو مبرّر تريثي. لا أريد أن أدخل في سجال مع أي فريق على طريقة تعاطيّ مع تأليف الحكومة ما دمت، كرئيس مكلف، مسؤولاً عن وضع مسودتها في ضوء الاستشارات والمشاورات التي أجريتها، وتطابقها مع مقاربتي للوضع الداخلي وتوازناته.
3 ـ عندما قبل تكليفه تأليف الحكومة الجديدة، وضع ميقاتي نصب عينيه فصل الجانب الشخصي عن الجانب السياسي في العلاقة مع الأفرقاء جميعاً.
يقول الرئيس المكلف أيضاً: لا أسعى من الآن إلى خوض الانتخابات النيابية عام 2013، ولا أؤلف الحكومة عملاً بهذا الهدف، بل أتوخى إنقاذ الوطن وإيجاد معالجات جدّية للوضع المعيشي، كي أتوصّل إلى تأليف حكومة يرى فيها كل مواطن أنها حكومته، وحكومة الناس جميعاً. لم ننته بعد من مناقشة العناوين الكبرى لأزمتنا السياسية، ولا توصّلنا تماماً إلى حلول لها. إلا أن الأهمية التي نعلقها عليها يجب أن لا تخفي عنا مشكلة موازية هي الاهتمام بمعاناة الناس. على الأقل كي يتسنى لنا جبه العناوين الكبرى تلك.
4 ـ يريد الرئيس المكلف حكومة تحوز ثقة مجلس النواب، من أجل أن تباشر مهماتها فوراً. ويرغب أن تكون مدخلاً إلى حلول جديّة، لا إلى مشكلات إضافية الجميع في غنى عنها. ورغم تحبيذه ضخّ حكومته بوزراء تكنوقراط، يعتقد ميقاتي أمام زواره أنهم لا يقلون تسييساً عن الوزراء السياسيين.
5 ـ يعتبر أنه ينخرط ورئيس الجمهورية في مهمة صعبة للمرحلة المقبلة، وينظر إلى تعاونه معه على أنه أساس شريك كامل في دقائق تأليف الحكومة وتفاصيل المشاورات والاتصالات المحيطة بها.
يقول ميقاتي: لا أستطيع تجاوز رئيس الجمهورية، وأنا أقدّره وأحبّه واحترمه، وهو يمثل بالنسبة إليّ، وإلى صلاحياتي الدستورية ومهمتي، مقام رئاسة الدولة. لذا أعتبر أن الحكومة برمتها حصة الرئيس، وليس مجرد حصة عدد من الوزراء.
ومن دون أن يُفصح هنا هل يدعم صراحة حصول الرئيس على حصة وزارية في الحكومة الجديدة، يقول: أنا أعوّل على حكمة رئيس الجمهورية لتذليل العقبات وتأليف الحكومة في أسرع وقت ممكن.
يلاحظ أيضاً أن رئيس المجلس هو الأكثر تعاوناً ومرونة معه في تأليف الحكومة.
يقول الرئيس المكلف: لم يشترط الرئيس برّي عليّ حقائب ولا وزراء. قال لي اختر مَن تريده من اللائحة، ولست متمسّكاً بحقيبة معيّنة ولا بوزير محدّد. ولكن متى اشترط سواي حقيبة معيّنة، فسأشترط بدوري الحصول على حقيبة معيّنة.
نقل كذلك عن رئيس البرلمان أنه يريد التعاون مع ميقاتي بحدود قصوى من المرونة وقابلية المناقشة.
6 ـ يصرّ ميقاتي على التمسّك بممارسته صلاحيته من ضمن الأحكام التي ينصّ عليها الدستور. فهو رئيس الحكومة الذي يؤلف، ولا أحد سواه.
يضيف: أمامي دستور مكتوب منبثق من وثيقة الوفاق الوطني في الطائف. ما أقرأه فيه سأطبّقه. وهذه مسؤوليتي. بعدما رفضت قوى 14 آذار المشاركة في الحكومة، بات اتفاق الدوحة في نظري غير موجود، لكونه يلحظ في البند المتعلق بتأليف حكومة الوحدة الوطنية، وجود طرف آخر في المشاركة بهذه الحكومة. أراد هذا الفريق الآن مقاطعة المشاركة، فانتفى وجود العامل المكمّل للمعادلة التي رسمها اتفاق الدوحة لتأليف حكومة وحدة وطنية، ما أنهى مفاعيل الاتفاق. كان اتفاق الدوحة لمرحلة انتقالية محدّدة تجاوزناها بعد انتخاب الرئيس التوافقي، ووضع قانون انتخاب أجريت على أساسه قبل عامين الانتخابات النيابية 2009. وهكذا لا موجب لثلث +1 لأحد في حكومة عمل، لا حكومة وفاق وطني بحسب معايير اتفاق الدوحة