كل ما قيل عن أزمة بين الطرفين، وعن قطيعة وفتور وتباعد... كله من صنع مخيّلات البعض. هو الحريري نفسه، تقصّد ألّا يذهب إلى الرياض، قبل أن يحسم أمره، ويتخذ كل القرارات والمواقف التي تحدّد التموضع الجديد لفريقه. الحريري كان مدركاً أن عليه مواجهة سقوط الحكومة، ومن ثم الاستشارات على مرحلتيها، ومن بعدها خطاب 14 شباط، وفتح معركة التظاهرة تحت عنوان رفض السلاح، من دون أن يزور السعودية، كي لا يُقال أو يفسّر أو يقرأ موقفه خارج السياق الذي يريده.
أما عن قصة إفادته أمام لجنة التحقيق، فتؤكد أوساطه أنها لم تترك أيّ آثار سلبية في أيّ مكان من مطارح السعودية، حتى إنّ محمد بن نايف نفسه قال للحريري إنه لم يكن ضرورياً أن يصدر بيان اعتذار حيال الواقعة، وإنه لا لزوم لأيّ معالجة لها أو متابعة أو احتواء.
ثم هل يمكن أن تكون الرعونة قد بلغت برئيس حكومة تصريف الأعمال هذا الحد؟ أن يضع نفسه وعائلته وفريقه وجماعته في مواجهة مع راعيهم الأول، في هذه الظروف بالذات؟ قطعاً لا. وما كان ينقص من دليل، جاء على لسان وليد جنبلاط. فحين يعترف الزعيم الدرزي بأن الرياض أبلغته قطع علاقتها به، فهذا يعني أن العلاقة مع الحريري على نقيض من ذلك، كما يمكن أن يعني أن ما يصح من موقف سعودي حيال جنبلاط، قد ينسحب أيضاً على آخرين، من الذين صاروا معه، بعدما ساروا بصمت من الموقع الحريري. وهذا ما يفسّر جزئياً ربما، تعثّر التشكيل الحكومي.
في كل حال، تحاول أوساط رئيس الحكومة الماضية، إعطاء انطباع بأنها مرتاحة جداً إلى خياراتها المتخذة منذ 11 كانون الثاني الماضي، يوم سقوط الحكومة. صحيح، تقول، أن مفاوضات الـ س/س، كانت تتضمن المسائل الثلاث المتعلقة بالمحكمة: سحب القضاة ووقف التمويل وإلغاء بروتوكول التعاون بين الحكومة اللبنانية والمحكمة، لكن الصحيح أيضاً أنها كانت مربوطة بسلة كاملة، تحصّن الوضع الداخلي من جهة، وبالمؤتمر الذي تحدّث عنه الحريري للمصالحة والمسامحة في الرياض. لماذا زجّ المسائل الحكومية والمالية والإجرائية الداخلية في صفقة التسوية؟ لأن الفريق الحريري كان يخشى من فخ ينصب له عبر تلك العملية. فخ مفاده أن يتنازل هو عن المحكمة، ومن ثم، أن تمر أشهر ستة أو أقل، فينطلق حراك سياسي بشعار مطلبي في البلد: رواتب أو أسعار أو بنزين... فيستقيل وزراء المعارضة عندها، ويسقطون إذذاك الحكومة والمحكمة والحريري في آن واحد، إذ ماذا يمكن ابن الحريري أن يقول في حزيران أو تموز أو أي شهر آخر، بعد أن يكون قد أسقط هو المحكمة، ثم أسقطوه باسم لقمة العيش؟ النتيجة الحتمية لسيناريو كهذا، كانت النهاية الفعلية والمؤكدة لسعد الدين الحريري في السياسة اللبنانية، لذلك كان الإصرار على جعل التسوية سلة واحدة، وعلى ربطها بمسائل داخلية تحصّنها من فخ من هذا النوع، ومن ثم على جعلها برمّتها، في إطار مؤتمر وطني للمصالحة الكاملة والمسامحة الكاملة، كي لا يقال أو يسوّق، أن قضية بحجم دماء الشهداء، انتهت إلى مقايضة بمنطق المحاصصة السلطوية. وأخيراً أن تتوّج كل هذه العملية في الرياض، ليكون السقف العربي شاهداً على تلك التسوية من جهة، ولكي تكون الشهادة العربية المقصودة والمطلوبة، تذكيراً بميثاق الطائف، من زاوية المكان والرعاية.
في المقابل، ماذا طلب الحريري؟ ضبضبة 40 عنصراً فلسطينياً في الناعمة، ونحو نصفهم في السلطان يعقوب؟ هل هذا أمر تعجيزي؟ تجزم أوساطه بأن إفشال العرض، كان الدليل القاطع على الكمين الذي كان ينصب له، والذي ترى هذه الأوساط أنه نجا منه.
إلى أين من هنا؟ إلى قضية كبرى عنوانها السلاح. حتى إن أوساط رئيس الحكومة الساقطة، تعرب عن اطمئنانها إلى أن كل بيت لبناني سيتعاطف مع تلك القضية. فبحسبها، علة لبنان الكبرى، لا بل ربما الوحيدة اليوم، هي السلاح. فالسلاح يمنع بناء الدولة، ويضرب مؤسساتها، ويستجلب العدوان، وينتهك حرية كل مواطن... كل اللبنانيين سيتفاعلون مع هذه القضية، وكل التحضيرات والمؤشرات تؤكد إيجابية التفاعل المرتقبة نتيجته في 13 آذار.
لماذا 13 بدلاً من 14؟ جواب عطلة يوم الأحد جاهز لدى المعنيين. غير أن طرفة تدور في البلد، تقول إن الفارق الواحد بين 14 و13، هو خروج وليد جنبلاط، لكن الفريق الحريري يرى أنه سيكمل «باللي بقيوا»، فيما الفريق الخصم يتوقع له أن يحتفل في الأعوام المقبلة في يوم صفر من أشهر آذار الآتية.