أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

سليمان وميقاتي بين كمّاشتي السلاح والمحكمة

السبت 05 آذار , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,566 زائر

سليمان وميقاتي بين كمّاشتي السلاح والمحكمة

يكاد الجمود المطبق على جهود تأليف الحكومة، وإخفاق الرئيس المكلف نجيب ميقاتي في الاتفاق على مسودتها مع الغالبية النيابية الجديدة، يحيل الفراغ الحكومي تفصيلاً ثانوياً في واقع راح يحمل صنفاً آخر من المواجهة الضارية بين 8 و14 آذار، هو تفاقم الجدل على سلاح حزب الله والمحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ذلك أن الطرفين يوغلان، يوماً بعد آخر، وأكثر من أي وقت مضى، في مرحلة تجعل أي فرصة لمعاودة الحوار بينهما مستحيلة في المدى القريب، إن لم تكن بالغة العبء والكلفة على أحدهما.
لا يكتفيان بنزع الإجماع عن سلاح المقاومة والمحكمة الدولية والطعن فيهما معاً فحسب، بل أيضاً إظهار الاستعداد، أو في أحسن الأحوال التظاهر به، لخوض معركة إلغاء خيار الآخر ووضع الاستقرار الأمني في مهبّ المواجهة، من غير أن يُعوّل أي منهما على وساطة من الخارج. يُتركان أحدهما للآخر بلا سقف وسط غموض في علاقة كل من سوريا والسعودية بالانهيار الداخلي، كما بالعلاقة السعودية ـــــ السورية التي لم يطبعها منذ نعي مبادرتهما في 11 كانون الثاني الماضي، أي مؤشر إلى تردّيها أو إلى استئنافها حرارتها، وخصوصاً بين الملك عبد الله والرئيس بشّار الأسد. يتلازم ذلك مع إبهام مماثل سعودي ـــــ سوري من أزمتي تعثّر تأليف الحكومة الجديدة وانفجار النزاع بين 8 و14 آذار.
كانت إشارات دعم سعودي ـــــ سوري تلقّاها ميقاتي، أوحت بإزالة العراقيل من طريق تأليف حكومته، وخصوصاً بعد انقلاب سياسي مفاجئ لم يكتف بإسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري فقط، بل أيضاً بإقصائه عن ترؤس الحكومة الجديدة، وفتح الباب، عبر تكليف ميقاتي، على مرحلة لا يكون الحريري مفاوضاً رئيسياً فيها، ولا رئيس غالبية نيابية لم تعد كذلك، ولا زعيماً سنّياً ورئيساً للحكومة محاوراً لدمشق والرياض والمجتمع الدولي في آن. أوحت مرونة تعاطي دمشق ـــــ والأصحّ أنها الشريك الفعلي في ما حدث ـــــ والرياض مع تداعيات إسقاط حكومة الحريري وتكليف ميقاتي بتبنّي أمر واقع جديد، يسهّل انتقال السلطة الإجرائية هذه المرة إلى قوى 8 آذار.
مع ذلك لم تبصر حكومة اللون الواحد النور بعد انقضاء 39 يوماً على التكليف، ونحو أسبوع على إعلان قوى 14 آذار عدم مشاركتها فيها باسم شعاري رفض سلاح حزب الله والتمسّك بالمحكمة الدولية. فتحت الأقلية النيابية باباً جديداً على المواجهة مع قوى 8 آذار، من دون أن تفلح هذه في تأليف حكومة توزّر فيها الأفرقاء المنضوين في هذا التحالف.
والواقع أن مواقف الأيام الأخيرة للحريري وحلفائه، وحزب الله وحلفائه، من مسألتي سلاح المقاومة والمحكمة الدولية أبرزت صورة مكمّلة لانقسام حادّ لا يسع رئيس الجمهورية ميشال سليمان، ولا الرئيس المكلف، الاضطلاع بأي دور إيجابي فيه بغية تخفيف وطأته. ولا بالتأكيد حكومة تصريف الأعمال، ولا مجلس النواب.
في ظلّ شلل كامل للمؤسسات الدستورية، بات الشارع المتنفس الطبيعي لكل عناصر الاحتقان:
1ــ رغم دفاعها عنه في وجه الحملة التي يقودها عليه الرئيس ميشال عون حيال تأليف الحكومة، وقد خرجت منها ولم تعد معنية بتوازن قواها، تحمّل قوى 14 آذار رئيس الجمهورية جزءاً ممّا ترتب على إسقاط حكومة الحريري، سواء بانضمام وزيره عدنان السيّد حسين إلى الثلث +1، أو بمسؤوليته المباشرة عن تأجيل الجولة الأولى من الاستشارات النيابية الملزمة التي جهر سليمان بقراره بها، أو بلامبالاته بالانتقادات التي وجّهتها قوى 14 آذار إلى الطريقة التي أفضت إليها الاستشارات الملزمة وتسمية ميقاتي رئيساً مكلفاً.
لم يشكك الرئيس في تلك الاستشارات، ولم يعزّز وجهة نظر قوى 14 آذار في الأحداث التي سبقتها، وتسبّبت في تفكّك الغالبية النيابية كي تؤول إلى تسمية الرئيس المكلف. لم يقل إنه لن يوقع مرسوم تأليف حكومة اللون الواحد رغم تشديده على حكومة ميثاقية، ولا دخَل في تصفية حساب سياسي معلّق بين الحريري وحزب الله، وحساب سياسي آخر مؤجل بين الحريري ودمشق أخرج بالقوة رئيس حكومة تصريف الأعمال وحلفاءه لأول مرة من السلطة منذ عام 2005. بل اقتصر بعض ما نُسِب إليه على أنه لا يوقع مرسوم تأليف حكومة لا يلحظ حصة وزارية له فيها. وخلافاً للحماسة المفرطة التي أدار بها انقسام مجلس وزراء حكومة تصريف الأعمال من ملف شهود الزور، فكان قاطعاً في جلستي 10 تشرين الثاني و15 كانون الأول 2010 في الحؤول دون طرح هذا الملف على التصويت، جارى سليمان السياق الذي قادته قوى 8 آذار لوضع اليد على السلطة الإجرائية.
أضف أن المواقف المتلاحقة للحريري منذ 14 شباط مروراً بـ27 منه حيال رفض سلاح حزب الله، تجعله وحلفاءه على طرف نقيض حاد من رئيس الجمهورية الذي يتمسّك به ويرفض التشكيك فيه، بعدما كان قد جهر بأنه يحمي المقاومة برموش العين. فَقَدَ الرئيس جدوى انعقاد طاولة الحوار الوطني بما هي صلة اتصال وحوار بين قوى 8 و14 آذار على ملف، أخرجته الأقليّة النيابية الجديدة من الإطار الذي أدرجه فيه اتفاق الدوحة، عندما عدّت سلاح حزب الله غير شرعي، وأيقظت تبرير ما قال به القرار 1559. بل ترى أن الطرف الآخر كان سبّاقاً إلى إسقاط اتفاق الدوحة مرتين على التوالي، عندما أسقط حكومة الحريري بالثلث +1، وعندما نقض بنداً نصّ عليه الاتفاق بحظره استخدام السلاح أو العنف بهدف تحقيق مكاسب سياسيّة.
2 ـ خلافاً للحريري عام 2009، وللرئيس فؤاد السنيورة عامي 2005 و2008، يترأس ميقاتي حكومة لا يرأس أكثرية وزرائها، ولا يملك نصاباً مقرّراً فيها يضع بين يديه مصير حكومته، رغم السلاح الأمضى الذي تمنحه إياه المادة 69 من الدستور باستقالة حكومته عند استقالته. وكرئيس الجمهورية، ما إن يوقّعا مرسوم تأليف الحكومة حتى يستمدّا قوتهما فيها من الغالبية النيابية التي تمثّلها قوى 8 آذار، واستطراداً خياراتها السياسية. والواضح أن تجربتي السنيورة والحريري الأوليين، عندما كانا زعيمي الأكثرية المطلقة وأحياناً أكثرية الثلثين، انتهتا مخيّبتين عندما انفجرت حكومتا 2005 و2009 من الداخل.
ومع أن الرئيس المكلّف لم يُفصح عن تناقض في الخيارات بينه وبين الغالبية الجديدة التي سمّته، واستبق وضع البيان الوزاري بتعهّد قطعه لحزب الله بحماية سلاحه، ويضع مقاربته مسار المحكمة الدولية جزءاً لا يتجزأ من ضمان الاستقرار الداخلي وحماية المقاومة، فإن الامتحان القاسي الذي يواجهه في المرحلة المقبلة، هو أنه على أهبة ترؤس حكومة لن تشبه تلك التي ألّفها عام 2005، ولم يضع نصابها المقرّر، في الأشهر الثلاثة التي استمرّت خلالها، في أيدي أي فريق. بل يوشك على ترؤس حكومة مشابهة لتلك التي كان قد ترأسها الرئيس رفيق الحريري بين عامي 1992 و2004. لم يكتف تأليفها بحرمانه نصاب ثلثي وزرائها فحسب، بل شتّت هذا النصاب في ذلك الحين ـــــ وقبل أن يظهر حزب الله شريكاً رئيسياً في الحكومة والنظام ـــــ بين الحريري الأب ورئيس الجمهورية ورئيس المجلس. مثّل الثلاثة آنذاك نصاباً واحداً لحصّة واحدة، هي مرجعية دمشق للسلطة الإجرائية.
منذ عام 2005، بعد خروج الجيش السوري من لبنان، حلّ حزب الله محلّ دمشق. وهو مغزى ألّا يمرّ تحالف معها إلا به، ولا مصالحة كذلك، ولا خيارات استراتيجية تربط الاستقرار الداخلي بحماية المقاومة، ولا الولوج إلى العلاقات المميّزة إلا باقترانه بدعم سلاح حزب الله وقد بات في صلبها.

Script executed in 0.18564105033875