أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

المستقبل يسبح في بحر القوات

الثلاثاء 15 آذار , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,058 زائر

المستقبل يسبح في بحر القوات

بخطى ثابتة كانوا يسيرون. من ساحة ساسين نزولاً إلى شارع الحكمة فصوفيل وصولاً إلى ساحة الشهداء. ينزلون بثقلهم على أقدامهم لتغدو «خبطة قدمهم ع لأرض هدّارة». يتقدمهم شاب عشريني، يقلّد العسكريين بحذائه، بنطلونه أسود قديم، فوقه «تي شيرت» مزّقت الحماسة كمّيها. يرقص شعره الطويل فوق كتفيه، وعلى قلبه رسم دلتا حمراء تحوطها الدائرة القواتية، كتب تحتها «حوش الأمراء». يمشي الشاب العشرينيّ واثقاً بنفسه. يحيط به شابان، أحدهما عَصَبَ رأسه بعلم القوات، يرفعان علمين لفرقة «الصدم». كتب على قماشهما الأسود، فوق صورة الجمجمة «حوش الأمراء» وتحتها «حيث لا يجرؤ الآخرون».
يراقبهم بعض جنود الجيش اللبناني. ينزع أحد العناصر قشة كان يلاعبها بأسنانه، ويسأل زميله: هؤلاء قوات؟ يحاول أن يقنع نفسه بأن من يهتفون «ما بدنا سلاح بلبنان غير سلاح الجيش اللبناني» هم فعلاً قوات. يصدّق أو لا يصدّق! قوات وشعارهم «ما بدنا جيش بلبنان غير الجيش اللبناني»! حين اقترب أحد الشبان ليقبّل العسكري، ظنّ أن الشمس الآذارية ضربته فبدأ الهلوسة. من يقتنع بعنوان كهذا؟ عادت السيدة الستينية بأنظارها من الشارع إلى زوجها الجالس معها على الشرفة، قائلة «يا محلا مطالبة الحريري بمحاسبة الفاسدين». لا يهتم الثوار بالوشوشات من هنا وهناك. يسيرون في عرض الأوتوستراد، غير مبالين بالسيارات. خلفهم تسير مجموعة أخرى «أكلس». يصف أعضاؤها، القواتيون في معظمهم، أنفسهم بناشطي المجتمع المدني. يبدو هؤلاء الناشطون في «نشر الديموقراطية» أكثر صراحة من غيرهم، كُتب على اللافتات التي يرفعونها: «السلاح معكم إلى متى؟ يا كلنا يا ما حدا».
تفتح المجموعة الأولى الطريق للثانية، تكبر قلوب الشباب أثناء مرور رفاقهم. هؤلاء أيضاً قمصانهم سوداء، رسم عليها رشاش، كتب تحته «يا كلنا.. يا محدا». يعضّ الشاب ذو الشعر الطويل، المربوط هذه المرة، على شفته السفلى: هذا شعار جيّد. وخطوة تلو الأخرى، كلما اقترب الشباب من ساحة الشهداء تزداد حماستهم. فلا يكادون يصلون إلى مشارف الجميزة حتى ينسوا الجيش الذي هتفوا من أجل أحاديته، والورد الذي نثروه على العسكريين والقبلات التي حاولوا طبعها على خدودهم. ففور اطمئنانهم إلى ضخامة الحشد، استعادوا طبيعتهم وتصالحوا مع أنفسهم، هاتفين: «وحدها بتحمي الشرقية.. القوات اللبنانية».
أول من أمس، الأحد، كان يوماً عظيماً بالنسبة إلى القوات اللبنانية. صحيح أنها تأكّدت صباح ذلك اليوم من عجزها عن استقطاب المحايدين، وثبت لها أن قلة قليلة من المسيحيين توافقها الاعتقاد بأن «الساحة أفضل سلاح في وجه السلاح»، لكنها تيّقنت في المقابل من أنها لم تعد وحيدة. تفشّى المرض ـــــ الوسواس، وبدا في الساحة أن لبنانيين كثراً باتوا يشاركون أنصار القوات الشعور بالغبن والاستهداف والخشية من حزب الله.
خلال الأعوام القليلة الماضية، ضحّت القوات بالكثير: تصالحت مع من رعى وغطّى اعتقال سمير جعجع. دافعت عن السياسات الاقتصادية التي قضت على الطبقة الوسطى. محت من ذاكرة جمهورها ما حفظه عن «البعبع» الفلسطيني وحلفائه اللبنانيين.
وفي المقابل، اكتفت القوات بعد 4 سنوات على خروج جعجع من السجن بالمقاعد النيابية التي حصلت عليها أثناء سجنه (مع الأخذ في الاعتبار وجود 3 نواب إضافيين يوصفون من وقت إلى آخر بأعضاء كتلة القوات اللبنانية). وتجاوزت منعها من ترشيح قواتي في دوائر تعدّ القوّة الانتخابية الثانية فيها، ككسروان. ثم اكتفت بحقيبتين إحداهما أقل من ثانوية، يحملهما وزيران، أحدهما يقف على المسافة ذاتها من القوات والكتائب ومطالب تيار المستقبل بشأن المحكمة الدولية، والثاني تصنّع قائد القوات تصديق ما قيل له عن قواتيّته. ولم تبال القوات بحجم تمثيلها في اجتماعات الدكتور فارس سعيد ولا بشكل هذا التمثيل، ولا بمكان الكرسي المخصص لحكيمها، سواء في فندق البريستول أو في مجمع البيال. وحاول حزب جعجع تعويض الضعف الشعبي وتراجع قدراته الاستقطابية بمأسسة المجموعة الحزبية الموجودة ليستفاد منها بأفضل طريقة ممكنة.
وهكذا كان يمكن البعض أن يقول إن كل حقائب العالم المالية لا تكفي لتعويض القوات عن الثمن الذي كانت تدفعه فداء سعد الحريري.
ولكن يوم الأحد بدت الصورة مختلفة: الملعب، المتظاهرون، الشعارات واللافتات، كلها قواتية من الدرجة الأولى، ومن زنقة إلى زنقة كانت عيون القواتيين تتلفّت يميناً ويساراً، نزولاً وصعوداً، مردّدة بإعجاب: هيدا جوّنا... هيدا نحنا...
في الطريق إلى التظاهرة، كان غريباً حجم المحجبات اللواتي يرفعن من شبابيك السيارات والباصات أعلام القوات اللبنانية، وبدا من بعض الباصات أن تيار المستقبل وزّع على مناصريه في عكار والبقاع أعلاماً قواتية بدل أعلام المستقبل. ولم يتردد أحد الذين يرفعون علم السعودية من شباك سياراتهم بلصق صورة جعجع على السيارة نفسها. بينما عمد آخر إلى رفع راية «لا إله إلا الله» بيد وعلم القوات باليد الأخرى، انسجاماً مع من كتب على علم القوات «الله، محمد». لكن، خلافاً للعادة، لم تثر هذه المظاهر غضب القواتيين، ولم تستفزّهم. لا بل شُغل بعض الشباب بإقناع رفاقهم بأن عليهم الترحيب بتبنّي «الآخر» لمبادئهم. وتلقّى أحد القواتيين توبيخاً من مسؤوله حين سمعه يطلب من إحدى مؤيّدات المستقبل إبدال علم القوات بعلم لبناني أو علم المستقبل لعدم معرفته بأن القوات «حزب علماني». وبالتالي، فإن رفع أنصار المستقبل المفترضين أعلام القوات وصور جعجع «لا يدل على مأزق القوات الشعبي ولا على حاجتها إلى من يرفع أعلامها، بل يؤكد ما يرويه جعجع عن التأييد الكبير الذي يحظى به في الطائفتين السنّية والدرزية (مع ترجيح اعتقاد جعجع أنه الأكثر شعبية في الطائفة الشيعية بعد السيّد حسن نصر الله).
في النتيجة، كان يمكن الوقوف عند ظهيرة الأحد على جسر فؤاد شهاب لمشاهدة ساحة بدت كأنها ولدت في ملعب فؤاد شهاب، حيث تقيم القوات اللبنانية مهرجاناتها. ومن هناك، من الجسر إلى الملعب، ظهر المكسب القواتي من «التضحيات» التي قدمتها في الأعوام الخمسة الماضية: لن تكون القوات بعد 13 آذار وحدها الممنوعة من دخول الأراضي السورية، ولا وحدها رأس الحربة في مواجهة حزب الله، ولا وحدها المتهمة أبداً بالاستعداد الدائم للذهاب بالوطن إلى الهاوية.
انتصرت القوات. أخذت سعد الحريري حيث كانت تحلم قبل خمس سنوات. لن تتوتر بعد اليوم من اتفاق رباعي ومصالحة مع دمشق واتصالات تحت الطاولة مع حزب الله واستعداد لمقايضة كرسي السرايا بكل شيء. يمكن شباب القوات ارتداء ما يشتهونه من ثياب أكلها العث، وطبع أعلام جديدة لفرقة «الصدم»، والهتاف «وحدها بتحمي الشرقية، القوات اللبنانية»، فالملعب ملعبهم: كأن المستقبل قوات لبنانية.

Script executed in 0.03432297706604