أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

سمحـة حجـازي تصـارع الحيـاة .. وحيـدة:

الأربعاء 16 آذار , 2011 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,371 زائر

سمحـة حجـازي تصـارع الحيـاة .. وحيـدة:
شعرها أشعث، وعيناها غائرتان، وفمها خال من أسنان انتزعتها بيديها. وحيدة غرفتها منذ 35 عاماً. ولا حاجة لاستئذان سمحة حجازي (81 عاما) التي ولدت مع إعاقة حركية حرمتها من المشي، لاستكشاف أحوالها، فهي اعتادت دخول الغرباء إلى غرفتها للحظات، قاصدين التبرع لها بما تيسر. وتحتفظ حجازي بتلك المبالغ الضئيلة لتعطيها لاحقا لزوجة أخيها محمد، التي تشتري لها ما يسد رمقها. في أحد بساتين بلدة القاسمية الجنوبية، تقطن سمحة وحيدة في غرفة خالية من أدنى مقومات العيش. تسير على يديها، وصفحة وجهها تحمل اعترافا بأن المشي على اليدين أفضل من الجمود. أما الصراخ فيشكل وسيلتها للتعبير عن جوعها، لتسكن بعد إطعامها حتى تجوع مجددا.
لم يدخل إلى قاموس سمحة رنين الهواتف الخلوية أو العادية، أو شاشات التلفزة والأجهزة الكهربائية أو الكهرباء. وينير عتمة غرفتها مصباح على الكاز، «يحتاج إلى صفيحة كاز كل عشرة أيام». وتغطي سقفها خيمة من النايلون تقيها الأمطار التي تبللها من دون رحمة. يوميات ابنة القنطرة متشابهة إلى حد بعيد، فالقطط والجرذان تزورها لمشاركتها زادها وقوتها وتساعدها في قلب صفحات دفتر الأيام، الخالية أسطره من أي مرض، رغم الروائح الكريهة والذباب المنتشر داخل الغرفة وخارجها، ناهيك عن زيارة الأفاعي لها من وقت لآخر، تارة تحت فراشها وأخرى تحت وسادتها من دون أن تلسعها. وعندما تشعر بوجود أفعى تنادي بأعلى صوتها على ناطور أحد البساتين القريبة «يا حسن حيّة حيّة تعال بسرعة»، ليكون الموت مصير الأفعى بعد معركة تدوم لدقائق.
لم يبق في الدنيا لسمحة سوى أخت واحدة، خديجة، بعدما خطف الموت كلا من فاطمة، وسميحة، ومحمد، وأحمد. تقول: «الله لا يردّن، شو بعملّن يموتو»، لتبكيهم لاحقاً، وتسأل: «أين هم لا يأتون إليّ». محمد كان المعيل اليومي لأخته العجوز، حتى 8 أشهر مضت، لتتقاسم زوجته أمينة وأبناؤها مهام التنظيف والطعام والاستحمام، «هذه ابنة عمي أخدمها فتشتمني وتلعنني، طعامها شاي وبطاطا ولبن وحليب مع فتات الخبز، بالإضافة إلى ما نطبخه يوميا»، كما تقول أمينة، «لكنها ترفضه إن بات لليوم التالي».
قوة الإيمان لدى سمحة أبقت كلمة «الله بعوني» على لسانها دائما. ولطالما استنجدت به لإراحتها من الزمن المر، «دخلك يا ربي لشو مخليني؟ للشحار والتعتير؟ خدني لعندك وريحني من هالعيشة»، تقولها والغصّة تغلف كلماتها، لتتناول بهدوء موزة ترمي بقشرتها بعد دقائق على الأرض صارخة: «يا هاجر تعالي إرميها في الزبالة»، داعية لها بالخير شأنها شأن خطيبها حسن (ابن محمد، الذي يقوم بإخراج فراش سمحة كل صباح لأنها تقضي حاجتها عليه وترفض حتى اليوم استعمال الفوط الصحية.
تلاشت ملامح الذكريات في ذهن سمحة، لدرجة لا تسمح لها بالتمييز بين الكراهية والحب، وبين ما هو ضار أو نافع لصحتها. وبينها وبين عيادات الأطباء عداوة من عمرها، ولطالما تمضي سمحة ساعات من نهارها بالنوم هاربة عبرها إلى عالمها الخاص، متناسية ما خلفه الدهر من معاناة وما حفره على وجهها من تجاعيد، من دون أن يكون لديه القدرة على إصابتها بأي مرض. وعاندت محاولات أخيها محمد وابنه حسن لتأمين العناية الطبية لها، «شتمت ثلاثة أطباء في عياداتهم، آخذة بالصراخ في وجوههم فضحكوا، خجلت وقلت لهم إن عقلاتها على قد حالها، ثم طلبوا مني إعادتها إلى غرفتها»، كما يقول حسن.
كلمات متناثرة وحزينة تخرج متقطعة من بين شفتيها الذابلتين، يقوم حسن بشرحها، وهي تعكس صمودها ومقاومتها لإسرائيل «عام 1994، هدم العدو منزل أهلي في القنطرة، في اعتداء أوقع شهداء وجرحى في المنازل المحيطة، ولم تصب غرفتي بأي أذى. هربت من القصف إلى القاسمية التي قامت إسرائيل بقصف جسرها مع البستان الموجودة فيه ولم أتضرر». ثم تعضّ على شفتها بشدة وكأنها تعصر الحزن والألم لتبصقه دفعة واحدة على أرض الغرفة السوداء.
ومع حلول الليل تنام سمحة، لتوقظ أقرباءها بعد ساعات بصراخ صباحي معلنة عن جوعها، كوجه من وجوه رفضها لواقعها. واقع تجاهل المجتمع لها، وصولاً إلى نسيانها، فيما هي لا تزال تكابد وتـصارع نفـسها بانتظار يد عون تمسك بيـدها.

Script executed in 0.04037618637085