أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

تأليف الحكومة في الكهف على طريق دمشق ـ المنامة

السبت 19 آذار , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,623 زائر

تأليف الحكومة في الكهف على طريق دمشق ـ المنامة

يوماً بعد آخر يتأكّد عدم استعجال أيّ من الفريقين المعنيين تأليف الحكومة. بل بات مؤشر طيّ صفحة التأليف، الشروط المتبادلة من فوق السطوح بين الرئيس المكلف نجيب ميقاتي والرئيس ميشال عون، مباشرة أو بالواسطة. كلاهما يبادل الآخر التحية بمثلها، متيقناً أن أوان التأليف لا يزال بعيداً عن متناوله، وكذلك احتمال عقد اجتماع بين الرجلين اللذين صارا يختصران استمرار الأزمة الحكومية.
ولأن ميقاتي هو الرئيس المكلف تأليف الحكومة، يتصدّر المواجهة عن رئيس الجمهورية ميشال سليمان، المعنيّ بدوره بجانب رئيسي من الأزمة، وهو خلافه مع عون على التأليف. يشترط عون ما لا يسع ميقاتي التسليم به، ويرفض الأخير ما يراه الجنرال حقاً مكتسباً له في حصص تقاسم الحكومة. وهكذا يتحمّل الرجلان وزر معركة تدور رحاها بعيداً من لبنان، رغم معرفتهما الوثيقة بأنّ أوان التأليف كفيل بتليين تصلّبهما المعلن.
في ساعات قليلة دخلت سوريا سريعاً على خط ما يجري في البحرين. بعدما تلقّى الرئيس السوري بشّار الأسد رسالة من العاهل السعودي الملك عبد الله نقلها إليه نجله الأمير عبدالعزيز، توجّه وزير الخارجية السوري وليد المعلم الخميس الماضي إلى طهران في مهمة عاجلة تتّصل بأحداث البحرين وتدخّل الجيش السعودي فيها، في موازاة اتهامات بحرينية ـــــ إيرانية متبادلة. عند هذا التقاطع ظهر المغزى الأولي للحوار السعودي ـــــ السوري المفاجئ.
لأول مرة منذ نعي المبادرة السعودية ـــــ السورية في لبنان، في 10 كانون الثاني الماضي، زار نجل الملك ومستشاره دمشق واجتمع بالأسد للبحث في ملف لا يتصل بعلاقة البلدين بلبنان. وهو أول اتصال مباشر أيضاً بين الدولتين منذ عودة الملك إلى الرياض بعد إبلاله من الوعكة الصحية الطويلة. نُسج مذذاك الكثير من الكلام حول انقطاع العلاقة بين عبد الله والأسد من جرّاء انهيار وساطتهما في لبنان. وقيل الكثير عن انتقاد الرياض لدمشق على تسهيلها إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري وإقصاء الأخير عن السلطة، وقلب الغالبية النيابية من فريق إلى آخر.
بيد أن أياً من تلك التكهنات لم تُثبت جدّيته، رغم انقطاع عبد العزيز عن زيارة دمشق منذ 22 تشرين الثاني 2010 عندما لازم والده الملك في نيويورك.
إلّا أن استعادة الحوار بين البلدين، إلى اتهام طهران بالتدخّل في البحرين، لم تحجب انتقاداً سورياً للتدخّل العسكري السعودي في المملكة، سمعه سياسيون لبنانيون زاروا دمشق قبل يومين، محاولين استكشاف الموقف السوري من أحداث الخليج ومدى ارتباطه بإبطاء جهود تأليف الحكومة اللبنانية واسترخاء المعنيين بها.
لمس الزوّار اللبنانيون مأخذاً سورياً صريحاً على دخول جنود سعوديين وإماراتيين البحرين، من غير أن ترغب دمشق في رفع الصوت عالياً لرفضه، ومن دون أن تبدو مسلّمة بما يجري هناك. عزا الزوّار اللبنانيون مبرّر تطفل زيارتهم للعاصمة السورية، في هذا التوقيت، إلى احتمال أن يفضي دخول الجنود السعوديين إلى البحرين إلى دافع أكثر إلحاحاً لاستعجال تأليف حكومة ميقاتي، أو فسح المجال أمام دور سوري أكبر في لبنان يفضي، في كل حال، إلى إزالة العراقيل من طريق الرئيس المكلف لإنجاز تأليف الحكومة في أسرع وقت.
كانت نهاية الأسبوع الماضي قد أذنت بقرب تأليف الحكومة الجديدة من خلال إيحاءات مسؤولين وأقطاب بعدم تحميل الخلافات على تقاسم الحصص والحقائب أكثر ممّا تحتمل، ومقاربة هذه على أنها تفاصيل سهلة التذليل. وكانوا قد أقرنوا هذا الارتياح بمعطيات منها:
ــ تمثّل قوى 8 آذار الغالبية النيابية الجديدة التي تجعلها تمسك بمفتاح التأليف ومنح الثقة في البرلمان، وكذلك حجبها. وهي ستشكّل العمود الفقري للحكومة الجديدة.
ــ بعدما قرّرت قوى 14 آذار عدم المشاركة، بات المعطى الداخلي يسمح بالمضي في التأليف من القوى المكوّنة للغالبية الجديدة، إضافة إلى رئيس الجمهورية والرئيس المكلف ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط.
ــ عندما أعلنت قوى 14 آذار الحرب على سلاح حزب الله، فرضت على ميقاتي تأليف حكومة مواجهة هذه الحرب وحماية السلاح.
ــ على وفرة ما يتردّد عن رفض الرئيس المكلف وضع ثلثي مقاعد الحكومة في قوى 8 آذار، تبدو هذه واثقة من إمكان إقناعه بالتخلّي عن هذا الشرط، من دون أن تطبع الحكومة الجديدة، بالضرورة، صفة حكومة اللون الواحد نظراً إلى مشاركة أفرقاء آخرين فيها بحصة وازنة تقرب من الثلث.
عاد الزوّار اللبنانيون من دمشق بمناخ مناقض. لم يسمعوا من أيّ من المسؤولين السوريين موقفاً مباشراً من تأليف الحكومة استعجالاً أو إبطاءً، ولا أبرَزَ لهم هؤلاء أيّ اهتمام بمتابعة ما يجري في لبنان، استكمالاً للموقف المعلن للقيادة السورية ممّا يجري في هذا البلد، وهو أنهم غير معنيين بالاستحقاق الحكومي ولن يتدخّلوا فيه، ولن يضغطوا على صديقيهم، الرئيس المكلف ورئيس تكتّل التغيير والإصلاح، من أجل أن يستجيب هذا لشروط ذاك، أو يليّن ذاك شروطه لتسهيل إطلاق السلطة الإجرائية الجديدة وصدور مرسوم التأليف.
بذلك لمّح الانشغال السوري بأحداث البحرين، في الظاهر على الأقل، إلى فصل ما يجري في المملكة عمّا يجري في بيروت. بيد أن الزوّار اللبنانيين استخلصوا انطباعاً معاكساً تماماً، هو أن الترابط أصبح أكثر جلاءً ويقيناً. ثم أتت المواقف المحليّة في اليومين المنصرمين ترجمةً صائبة لهذه الخلاصة، كان عون أبرز المعبّرين عنها أمام أحد زائريه المميّزين بقوله: لا حكومة في المدى القريب.
عكس هذا الموقف أيضاً بطء تحرّك الرئيس المكلف في جهود التأليف، مكتفياً باجتماع واحد مع مفاوضي الغالبية النيابية الجديدة، لم يؤدّ إلى نتيجة. أظهرت أوساط هؤلاء الانطباع نفسه عندما قالت إن المفاوضين الثلاثة قصدوا ميقاتي من غير أن يتوقّعوا تفاهماً جدّياً معه على تقاسم مقاعد الحكومة، فرفض مجدّداً ما كان رفضه مذ طُرح الاقتراح عليه لأول مرة، وهو إصرار عون على 12 وزيراً مسيحياً من 15 في حكومة ثلاثينية. وكان الرئيس المكلف قد استبق زيارتهم بإعلان موقفه ـــــ المشترك مع رئيس الجمهورية ـــــ برفض منح الثلث +1 لأي فريق أو طائفة.

Script executed in 0.036156892776489