أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الأم ليســت عــصّارة جــزر

الإثنين 21 آذار , 2011 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,565 زائر

الأم ليســت عــصّارة جــزر
إن عصارة الجزر هي هدية للعائلة في مناسبة عيد الأم، تُبقي تلك السيدة في المطبخ، وتزيد إنتاجيتها، كالنظام الاقتصادي العالمي، فلا يُقلّص دوام عمل الأجراء، ولكن تزداد إنتاجيتهم لتلبية حاجات سوق جُعل متطلباً، بخصوصية أقل في التصنيع.
وفي عيد الأم، تنتشي الإعلانات التجارية التي تستنتج أن الهدية الأنسب للأم في عيدها هي الهدية العملية، تلك التي تخفف عنها وطأة مهامها، بدلاً من تلك الرمزية أو العاطفية، التي لا تسمن ولا تغني عن جوع. فهي كائن عمليّ، لا تحتاج إلا آلة كهربائية تفرم لها بقدونس التبولة، لتملأ حياة أسرتها بالتبولة، وحياتها بالفرح والرضا.
هل في ذلك تجريد لعلاقة الأسرة بالأم من عاطفيتها؟ أم في ذلك تجريد لعصّارة الجزر من ماديّتها؟
يصحّ الوجهان، إذ أن عصّارة الجزر، وهي ملفوفة برداء الهدية، وتلك الربطة الحمراء الشقيّة، تكاد تبدو لوهلة أنها فعلاً الهدية المناسبة للأم المثالية. كما يُوحي فعل إهداء الأم ما يريح معصميها، بأنه فعلٌ تقديري لجهدها في بيتها.
لكن، ذلك كله لا يتــجلّى إلا لوهــلةٍ واحدة. إذ أن الوهــلة التالية تحلّ مفجوعةً، منهارة، وبسرعة، لترسي وجهاً مســتنكراً للكذبة الناشئة بين التاجر والشاري، كذبة تستعبد الأم.
فالأم، قبل أن تمارس الحب وتحبل، وبعدما مارست الحب وحبلت، هي كائن حي، «يتبربر بالبرودة ويتشنكح بالحرارة» على حد قول الفنان سعيد صالح في مسرحية «مدرسة المشاغبين». كائن، مكتمل الأوصاف البشرية، لا تمتلك عضواً إضافياً مخصصاً للمطبخ فحسب، ولا هي مزودة بمولّد عاطفي ينفعل عند كنس الأرض فحسب.
وهي كائن حرّ، ولدتها أمّها حرّة. يحاول النظام الاقتصادي، متكئاً على النظام الاجتماعي، استعبادها، من خلال تكريمها. كأن يقول الابن لأمه: أعــصري لي كـوب جزر يا مــاما، لتكتشفي حجم حبي لك! فيتوجّب عليها هنا، بحسب الــترويج التجاري، أن تنفعل، وتحتضنه، ثم تنهار أكــثر، لكونها مصــنع عاطفة، فلا تجد وسيــلة للتعبير عن عاطفتــها، إلا بأن تهرع إلى المطبخ، وتعصر له خمسة أكواب جزر، دفعة واحدة.
بعد سقوط العبودية المشرّعة، يمكن استعباد أي فرد في المجتمع، من خلال إغداق بعض العاطفة الأسطورية على العلاقة التي تربطه بربّ عمله. ويمكن للمواطن أن يقتنع بأنه فعلاً يكرّم أمه بعصارة جزر، كما يمكن لأمهات كثيرات أن يتروّضن اجتماعياً، فتدمع أعينهن لرؤية عصارة الجزر.. علماً أن عصارة الجزر، بالنسبة إلى عائلة تدمن احتساء عصيره، هي ضرورة في البيت، وليست هدية للأم في عيد الأم!
في عيد الأم، يفكر أفراد عائلتها بما تهواه هي، وبما يسرق انتباهها منهم، أحياناً. ينصتون إليها، ولو لمدة أسبوع قبل العيد، فلربما انتبهوا إلى علاقة تربطها بالكتب، أو بالحليّ، أو بالعِرق الأخضر، ... وربما يتذكرون أنها، منذ شهر، تود لو تستقل باصاً سياحياً، وتذهب في رحلة إلى منطقة أثرية في سوريا، أو إلى منطقة باتت متاحة بعد سقوط التأشيرة التركية. ربما، بعدما أنصتوا، سمعوا أنها تحتاج إلى حقيبة بنيّة اللون تلائم تلك التنورة الجديدة التي ابتاعتها لنفسها. وإن سئلت عن رغبتها، فهي أحياناً تجيب بالواضح من المشتهى.
وفي كل الأحوال، ومهما كــانت «ماما بتــموت بالطبخ!»، فمــن الرقيق ألا تستحلي العائلة الأكل من طبخ الأم.. في عيد الأم!
في يوم العيد، قبلة لكل أمّ على جبينها. فهي المرأة التي أقدمت على حبّ محيطها، ومنحه الحياة. لها الحب. ولها ولو يوم، يصرّ محيطها خلاله على أن يظهر لها أنه يراها كما هي، تماماً كما هي، بحسناتها وسيئاتها، ويحبها.. يحبها أكثر مما يحب طبخ يديها.
يحبها، لأنها هي، كما هي، كانت هنا، وستبقى هنا، مكانها في القلب، حيث الحب.

Script executed in 0.027929067611694