أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

مقاضاة «المحرّضين» في تموز 2006 تستند إلى وثائق أميركية

الإثنين 21 آذار , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,673 زائر

مقاضاة «المحرّضين» في تموز 2006 تستند إلى وثائق أميركية
وتكمن اهمية هذا الملف في استناده الى قرائن مستخرجة من الارشيف الاميركي وممهورة بتوقيع من سمي بالمرشد الروحي لقوى «14 آذار» جيفري فيلتمان ومن بعده ميشيل سيسون، لا بل على العكس، فبعض من نشرت إفاداتهم اعترفوا وأبرزهم وليد جنبلاط أكثر من مرة بدقتها، وها هو سمير جعجع يعترف بما اقترفه جملة وتفصيلا، بدليل انسجامه مع المنطق السياسي القائل بجعل المقاومة أزمة داخلية وإنهاكها في الداخل.
لم يحدد «السيد» زمناً معيناً لتكوين الملف القضائي، كما لم يرسم الآلية التي سيسلكها هذا التكوين، لكن التعمق في ملف كهذا يبين انه قد يطلق ورشة قضائية قد تكون الاولى من نوعها من جهة اشتمالها على هذا القدر الواسع من المستويات السياسية المتورطة، ولناحية ما قد يترتب عليها على مستوى أصحاب الحصانات النيابية، وايضا على مستوى من يتمتعون بالصفة الرئاسية والوزارية الحالية أو السابقة، وهذا معناه فتح باب المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وان سلك الامر مجراه الطبيعي، وفتحت المحاكمة فستكون المرة الثانية في جمهورية الطائف، بعد محاكمة الوزير السابق شاهي برصوميان.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يمكن القضاء اللبناني ان يتعاطى مع هذا الملف، وهل يستطيع بتركيبته الراهنة وفي ظل الواقع السياسي والطائفي والمذهبي الموجود ان يتناول قضايا كهذه بمعزل عن الاعتبارات السياسية والطائفية والمذهبية، وهل يستطيع ان يبت بها ويصدر الاحكام بحق كل من ترد أسماؤهم في المشاركة في جريمة «نصرة العدو ضد بلده وأبناء وطنه»، من دون ان تدخل تلك الاحكام المجتمع اللبناني في انقسامات، وكيف له ان يصدر أحكاما كهذه فيما الصراع الداخلي يدور حتى على أبسط البديهيات لا بل على الفاصلة والنقطة السياسية والمذهبية، فكيف بأمر من شأنه أن يؤدي بسياسيين من عيارات مختلفة الى السجن لارتكابهم أفعالا جرمية تنطبق عليها أحكام قانون العقوبات الجزائي والعسكري اللبناني؟
قد يأتي من يقول ان الواقع اللبناني الراهن قد يجعل مقاربة المسألة المطروحة أمرا غاية في الحساسية والتعقيد، وبالتالي ان تلك المقاربة تفترض توفر جرأة وشجاعة وقدرة استثنائية ومساحة ولو بالحد الادنى، من الحيادية والاستقلالية لدى القضاء اللبناني، او أن المسألة تصبح أكثر وضوحا حينما يتحرّك ملف الدعوى القضائية وتتبيّن الصيغة التي سيتكون منها والعناصر الجرمية التي سيبنى عليها.
وبرأي حقوقيين لبنانيين أن «لا حاجة ابدا الى تكوين ملف دعوى قضائية، ففي مثل هذه الحالات لا يفترض في القضاء اللبناني ان ينتظر تقديم دعوى لكي يتحرّك، بل كان عليه أن يتحرّك عفواً، من لحظة صدور أول وثائق «ويكيليكس»، حيث كان على النيابة العامة ان تعتبر هذه الوثيقة بمثابة «إخبار»، وتتحرك في ضوئه».
ما هي القيمة القانونية لوثائق «ويكيليكيس»، وهل يعتد بها فيما لو شكلت أساس الملف القضائي المنوي تقديمه؟
يقول أحد الحقوقيين ان القرائن والبيّنات التي يمكن الاستناد اليها لتأكيد البراءة من أي عمل جرمي كما تأكيد أو نفي أي عمل جرمي، موزعة على صفات متعددة ومتدرجة في أهميتها وفعاليتها:
اولا، «بدء بيّنة»، أي ان توجد مخطوطة ما أو وثيقة، تكون في حاجة الى تثبيت صدقيتها.
ثانيا، «بيّنة خطية»، أي ان توجد مخطوطة أو وثيقة مقطوع في صدقيتها.
ثالثا، «قرينة بسيطة»، أي القرينة التي تقبل الاثبات المعاكس.
رابعا، «قرينة قاطعة»، أي القرينة التي لا تقبل الاثبات المعاكس.
تحت اية خانة تندرج وثائق «ويكيليكس» الخاصة بالحرب الاسرائيلية على لبنان في تموز 2006 بما حوته من «شهادات» لشخصيات في قوى الرابع عشر من آذار في تلك الفترة وما تلاها؟
في اعتقاد الشخصية الحقوقية المذكورة، فإن تلك الوثائق تندرج مبدئيا تحت خانة «بدء البينة» التي تحتاج إلى إثبات صدقيتها. وربما هذا الإثبات قد تم في عدم نفي صحة الوثائق، من قبل صاحب العلاقة الأساسي أي وزارة الخارجية الأميركية، فضلا عن انه من الصعب افتراض إمكان تقديم الادارة الاميركية أية مساعدة في مجال تثبيت ما ورد في الوثائق، حتى ولو كانت دقيقة مئة في المئة. كما ان تلك الوثائق تندرج في الوقت نفسه تحت خانة «البيّنة الخطية» التي لا تحتاج الى تثبيت مصداقيتها، خاصة مع تأكيد صحتها من قبل من وردت أسماؤهم فيها، كوليد جنبلاط الذي لم ينف بل اعتبر تلك المرحلة نقطة سوداء في تاريخه، وايضا سمير جعجع الذي أكد ما ما نسب اليه، بل تمــسك به على قاعــدة انه لا يقول كلامين ولا موقفين. بالاضافة الى عدم صــدور نفــي جدي عن الآخرين وان كان بعضهم قد حاول ان يدلي بتوضيحات ويهرب الى الأمام بمواقف تذكيرية بالماضي النضالي، أو العروبي أو السيادي، وبالقفز عن الفعل الجــرمي التحريضي على احتلال أجزاء من لبنان وعلى المقاومة، ومحاولة تغطيته باتهام «حزب الله» وحلفائه بتشويه صورته وتهشيمها، علما أن ملفاً كهذا لا يستثني نوابا في «تكتل التغيير والاصلاح» بدوا في ما قدموه من معلومات الى الأميركيين مثل زملائهم في فريق 14 آذار!ّ
وأما بالنسبة الى ملف الدعوى وكيف ستتم الملاحقة القانونية، فإن الشخصية الحقوقية ترى ان الملاحقة تتم على أساس المسؤولية المدنية والجزائية بدعوى من قبل صاحب المصلحة والمتضرر الشخصي. ويندرج تحت هذا العنوان:
اولا، المتضرر الشخصي والمعنوي، اي «حزب الله»، الذي يدير المقاومة، ويؤدي العمل التحريضي الى استهداف قياداته وتدمير بنيته التنظيمية والقضاء عليه، وبالتالي هو جهة أساسية في تكوين ملف الدعوى.
ثانيا، المتضرر الشخصي الفردي، أي ذوو من استشهد، أو الذي جرح أو أصيب بإعاقة أو دمر بيته أو ذهب رزقه، وبالتالي بمقدور هؤلاء منفردين تكوين ملف الدعوى القضائية.
ثالثا، المتضرر الشخصي العام ايضا وهو الدولة اللبنانية، والدولة هنا ليست في حاجة لأن يتقدم أحد بالدعوى لكي تتحرّك، بل ان أمرا كهذا يوجب على النيابة العامة ان تتحرّك عفوا وفورا بمجرد ان صدرت وثائق «ويكيليكس».
هل سيصل ملف الدعوى الى نتيجة؟
ليس في الامكان تقديم اجابات حول أي اتجاه قضائي ستسلك الدعوى، ولكن مما لا شك فيه ان المرحلة المقبلة ستشهد بروز جبهتين، فمن جهة تقف محكمة دولية تطرح اتهاما باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري من دون أدلة، وفي الجهة المقابلة يقف ملف قضائي يستند لوثائق أميركية لا قدرة على نفيها.

Script executed in 0.040328979492188