أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

عن كلاب إسرائيل

الثلاثاء 22 آذار , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 6,901 زائر

عن كلاب إسرائيل

كان بينهم ضباط من «اليونيفيل»، وآخرون من الجيش اللبناني، وكانوا يستمعون إلى عدد من أهالي البلدة. بعض هؤلاء حمل في صندوق كبير أوراقاً ومستندات: «حجج» عقارية رسمية، وصكوك ملكية لبنانية، وإفادات وأوراق «طابو» قديمة متوارثة من زمن السلطنة، فالانتداب، فدولة لبنان السيّدة. كان الجنود اللبنانيون يستمعون باهتمام وبعض أسى، وشيء من العجز، فيما المسؤولون الأمميون يظهرون ما يشبه الاستماع.
الموضوع أن قطعة من الأرض، تناهز مساحتها نحو ثلاثة آلاف متر مربع، مزروعة بأشجار الزيتون القرنية، يملكها أهالي بليدا. غير أن حوادث أمنية عديدة حصلت في جوارها، نتيجة توغلات الإسرائيليين الواقفين على بعد أمتار، أدّت إلى قرار من اليونيفيل بتسييج الأرض، ومنع أصحابها من الوصول إليها، أو قطف زيتونها. شريط شائك اقتطع الأرض لمصلحة «أرض لا أحد». وانتهت المشكلة بالنسبة إلى الأمم المتحدة. بعد نقاش أفرغ الأهالي خلاله كل ما لديهم من حجج و«حجج»، وعد الأمميون بنقل شكواهم إلى قيادتهم، وطلبوا من أصحاب الحق والأرض الانتظار والصبر، قبل أن يقفل كل من المتجمهرين عائداً من حيث أتى.
كان بين هؤلاء رجل من البلدة، أشيب، في عقده السادس. كان يمشي بعرج واضح، وثقل كبير في رجليه. وفي مشيته المتباطئة، كان يتحسّس أنحاء جسده مراراً. كأنه يخفف ألماً، أو يطمئن إلى ما لا يعرفه سواه. المحيطون به يعرفونه. هو من البلدة، من آل طراف. يملك حقل الزيتون، أباً عن جد الجد. قبل نحو عام، كان مع شقيقه هناك، يقطف حباته بتأنّ وكثير من الحب. رآهما الإسرائيليون من البعيد القريب. فهؤلاء باتوا عند محاذاة حقله، علماً بأن الحدود الدولية تبعد من هناك مئات كثيرة من الأمتار. فالشريط الدولي يجب أن يكون خلف سهل بليدا المطل على الحولة. غير أنهم بعد جلاء عام 2000، لم ينسحبوا من السهل. سجّل لبنان اعتراضه. ضمّه لارسن إلى ملف خطّه الأزرق، وصارت مئات الدونمات «المتنازع» عليها، بحسب التعبير الأممي، أرضاً إسرائيلية مزروعة ومروية من قلب لبنان. ظل بستان طراف في جوارها. وظل يصرّ على الاهتمام به، وقطاف زيتونه. في ذلك النهار، ومن دون أي إنذار، قرر الإسرائيليون معاقبته. فجأة، تحت شمس الأمم المتحدة وعيونها، أفلتوا من صوب خنادقهم زمرة من الكلاب المدربة على افتراس البشر. لم يُعطَ اللبنانيان الوقت الكافي للهرب، ولا حتى لاحتماء أو نجدة. وصلت إليهما الكلاب المتوحشة، وانقضّت عليهما وسط الحقل. على مدى أكثر من نصف ساعة، نهشت لحمهما الحي. سلخت جلد سيقانهما. وبلغت أنيابها بعض العظام. في مشهد كأنه من «جتسمانيا» الجليل القريب قبل ألفي عام. كان الدم مجبولاً بتراب الزيتون، ومعه فلذات من لحم إنسانين متقدمين في السن. مرّ وقت ثقيل، قبل أن تصل آليات الجيش الإسرائيلي. نزل منها الجنود. تعاملوا مع كلابهم برفق شديد، حتى أقنعوها بترك فريستيها. بعدها انهالوا بنعالهم الثقيلة على المواطنين اللبنانيين. مزجوا ما بقي من دمائهما بما بقي من تراب الحقل، قبل أن يرموهما في الآليات، ويأسروهما يومين. عادا بعدها من خلف شريط الذل، إلى مستشفى لبناني، ومنه إلى أرضهما مجدداً.
المتظاهرون في 13 آذار لا يعرفون قصة طراف وشقيقه. لم يسمعوا بمأساتهما. ولم يشعروا لحظة بأنياب الكلاب الإسرائيلية تنهش ظفراً مطلياً بأناقة، في يد مرفوعة بلافتة فوق ساحة البرج ذاك النهار. لكنّ هؤلاء على حق كامل في شعارهم المرفوع. «لا للسلاح». معهم كل الحق، في ألّا يكون سلاح مرفوعاً في الداخل، وألّا يكون سلاح معدّ للدفاع عن لبنان، خارجاً عن إمرة الدولة، واستراتيجية الدولة، والمصلحة العليا للدولة، بما هي التعبير عن مصلحة الوطن وناسه وأرضهم... أما الخطباء فيعرفون. أو يفترض بهم أن يعرفوا القصة كاملة، وألا يجهلوها، ولا يتجاهلوا.
قد تكون الحسابات كثيرة هذه الأيام. وقد تكون رهاناتها أكثر. البعض ينبش رواية موشي شاريت عن تقسيم المشرق كله. بعض آخر استعاد مقولة روبرت ساتلوف عن «الفوضى البنّاءة»، مشخصاً أنّ هذه هي الفوضى قد عمّت المنطقة، بعدها علينا أن ننتظر مرحلة «بنائها». بعض ثالث يؤكد أن الهدف من حرب العراق يتحقق الآن. بعد ثمانية أعوام على تنبّؤ تشيني به. وكثيرون يتحدثون عن أخطاء حزب الله، وعن عقم خطاب الحلفاء في الردود والدفاع.
كل الحسابات والرهانات قد تكون صحيحة أو خاطئة. لكن يظل السؤال: كيف نصدّ كلاب إسرائيل عن نهش لحم إنسان في جنوب الوطن؟

Script executed in 0.035243034362793