أمس، تذكّرت الأم ابنتها وأمّها في يوم يفترض أنه عيد لها ولأمها أيضاً، لكنّها لم تستطع تحمّل الذكرى، فانتكست صحّتها وباتت يومها في المستشفى بدلاً من أن تقضي جزءاً منه مع طفليها المنتظرين في المنزل، والجزء الآخر في المقبرة حيث ترقد شهيداتها.
السمرا هي أحد الناجين من «مجزرة الدفاع المدني» التي ارتكبها العدو الإسرائيلي خلال عدوان تموز، حين قصف مبنى سكنياً يضمّ مركزاً للدفاع المدني في صور. نجت هي، فيما قضى أكثر من 36 شهيداً. ومذذلك، تعيش الأم الألم نفسه الذي اختبرته لحظة وقوع المجزرة، لكنها استفاقت وزوجها علي صفي الدين على أمل جديد، بعد الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، الذي قال إنّه «بصدد تكوين ملف قضائي لأهالي الشهداء في القرى الجنوبية من أجل مقاضاة المحرضين على عدوان تموز» (ويأتي ذلك استناداً إلى ما ورد في وثائق ويكيليكس التي تنشرها «الأخبار»).
فوراً، أعلنت السمرا وزوجها استعدادهما للانضمام إلى فريق الادّعاء «على كل من حرّض ودسّ الدسائس لقتلنا»، يقول الزوج. العدوان لا يزال مستمراً على أسرة السمرا الصغيرة والكبيرة، فأمامها رحلة علاج طويلة من آثار الإصابات التي ضربت جهازها العصبي وأحرقت جسدها، وشقيقتها الصغرى نور (11 عاماً)، لم تتخطّ صدمتها النفسية والجسدية بعد خسارتها والدتها وإصابتها بعاهة دائمة في قدمها.
في صور، التي حولها العدوان في ذلك الوقت إلى مقبرة «مؤقتة» لأبناء الجنوب ومركزاً للإيواء والمساعدات والإغاثة، لدى أبنائها الكثير ليقولوه ويفعلوه، خصوصاً بعد اطلاعهم على وثائق «ويكيليكس»، فالمجزرة التي هزّت المدينة وسقط ضحيتها العشرات من أبناء المدينة وعائلات أخرى نزحت من قرى المنطقة، وقعت في 16 تموز، أي بعد يوم واحد من دعوة بعض المسؤولين اللبنانيين إلى تصعيد أعمال القصف حتى القضاء على حزب الله. وهو ما يدفع البعض إلى القول إن شهداءه «ليسوا ضحايا الإسرائيليين والأميركيين فحسب، بل كل من وافق على العدوان وحرّض عليه».
بعد هذا، بات اللجوء إلى القضاء هو العلاج الأمثل، علماً بأن اللجوء إلى مقاضاة إسرائيل وأميركا ليس جديداً، بل إن الكثيرين من ذوي الشهداء فكّروا سابقاً برفع دعاوى شخصية، إلا أن إجراءاتها الطويلة وكلفتها الباهظة على شخص بذاته منعتهم من الاستمرار بالخطوة. لكن، بما أنّ السيد نصر الله أعلن إعداد ملف قضائي جماعي، فقد شجع الأمر الكثيرين على رفع الدعاوى على إسرائيل وعلى «المحرضين الجدد» اللبنانيين أيضاً. ومن بين هؤلاء عباس غريب، والد الطفل علي غريب (15 عاماً) الذي خطف منه العدوان البصر في إحدى عينيه وهشّم وجهه وكسر أضلاعه. يتحمس الوالد لرفع شكوى واسترداد حقّ ابنه "الذي ستكبر آثار العدوان معه، إذ إن رحلة العلاج الطويلة التي دشنتها السيدة نازك الحريري بإرساله الى فرنسا، لا تزال في بدايتها». والأسباب؟ «كثيرة»، يقول الوالد. يضيف: «انزواء ابني وحده كاف لديّ لرفع شكوى وملاحقة المتورطين حتى آخر قطرة دم».